ما ذا يجب على طالب علم أن يفعل أيام إجازاته؟

لم يكن سؤالي المطروح على الطلاب صعبا اليوم، غير أنه جعلهم جميعا يتفكرون في إجابته، وظلوا يلتفتون يمينا وشمالا، وكأنهم في دهشة أصابتهم، ففي البداية عم الهدوء التام في الصف، وكأنه لم يكن أحد في الصف، فطرحت نفس السؤال عليهم من جديد، لكن هذه المرة غيرت أسلوبي، حيث إني رفعت صوتي أكثر مما كان أول مرة، وعلوته معتقدا باعتقاد حسن، وكأنهم لم يسمعوا أول مرة، ففوجئت حينئذ بأن الهمسات بدأت، وكأنهم بدأوا بالبحث عن إجابة ذلك السؤال...

             سؤال اليوم الذي طرحته على الطلاب لم يكن عميقا إلى درجة حيث إن الإخوة يحتاجون إلى مراجعة كتب شتى، بل كان بسيطا وسطحيا، ويعتمد على أفكارهم، فهذا يعني إنه يضم في كنفه العديد من الإجابات، وكل إجابة يكون صوابا، فمثل هذه الأسئلة ندر وجودها في زمننا نحن، فأكثر الأسئلة لها إجابات معينة، ولم يكن هذا السؤال من  النوع الذي إن أخطأ في  إجابته تنقص درجاته، وإن أصيب فيها تعطى درجات كاملة، بل إنه سؤال فكري، حيث يفتح آفاق الأدمغة....

            ومن ناحية هو سؤال علمي حيث إن طالب علم يفتقر إلى جمع الأفكار والمعلومات، ثم يجمع العبارات الرنانة والكلمات الطنانة حتى يتمكن من إجابة ذلك السؤال إجابة معجبة، فما أن يسمع السائل إجابته يعترف بفصاحته وبذكائه، وكأنه عثر على شيء قد فقده في حياته... ثم إنه يجعل طلبة العلم يحركون أدمغتهم، ويوسعون معلوماتهم، ويجلب لهم الأفكار العجيبة والغريبة حتى يجد طالب علم معلومات جديدة خلال إجابة ذلك السؤال...

            لما طرحت ذلك السؤال نهض أحد الطلاب قائلا: يا أستاذي المكرم، لما ذا طرحت مثل هذا السؤال علينا ونحن في حرب مستمر هذه الأيام مع فصل الصيف، حيث إن جسدنا يتقاطر عرقا، وكأن المطر ينزل، وبدلاتنا تتبلل وكأنها أخرجت من الغسالة، والمرواح تسقط على رؤوسنا هواء ساخنة وكأننا جالسون قريبا من التنور، فأنت بدأت طرح سؤال يسخن أدمغتنا... فابتسمت في وجهه قائلا: ..... لا عليك، فإنني أرنو من طرح سؤال توسيع معلوماتكم، وتحريك أدمغتكم، فلذا لا ينبغي أن يستثقل هذا السؤال لديكم إلى هذه الدرجة...

            لعل أحدا يتساءل ما هو السؤال الذي بسط له تمهيد كهذا، فأقول: السؤال هو هذا " ما ذا يجب على طالب علم أن يفعل أيام إجازاته" فتلقيت بعد طرح هذا السؤال إجابات متنوعة حسب أفكار طلبة العلم، والتي لا تخلو من فائدة تجدي كل سالك وكل طالب يرغب بها...

            فأحد الإخوة قال في إجابة ذلك السؤال: بأنه يجب عليه أن يطالع الكتب دون المنهج المقرر في دراسته، والتي تكون حول التاريخ، والسير، والسيرة، وغير ذلك ما سواه... فأنا أيضا وافقت رأيه، وأيدته حيث إن فكرته هذه تجعل طالب علم يوسع أفكاره، ويمكنه أن يروح نفسه بها، فيجد نفسه أكثر نشاطة في بداية الدراسة...

            والثاني كان رأيه بأنه يجب أن يشتغل بالدعوة، إذا كانت إجازاته طويلة كإجازة سنوية، حينئذ يخرج لأربعين، وإذا تكون إجازاته مختصرة وقصيرة، كإجازة منتصف السنة بعد الاختبارات مباشرة، فحينئذ يخرج لمناصرة الجماعات التي  قد خرجت في سبيل الله، والتي جهة بعثتها قريبة من مدينته، ومن قريته... فأعجبتني فكرته، وبهذه الطريقة يجد مجالا لتطبيق كل ما ينال العلوم الشرعية على نفسه، ولإحياء سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير أن الخروج في سبيل الله لأربعين يوما أو الخروج لمناصرة الجماعات موقوف على إجازاته، فإن كانت طويلة فليخرج لأربعين يوما، وإن كانت قليلة فليخرج لمناصرة جماعات الخارجين في سبيل الله...

            ها هو الطالب الثالث بدأ يتهيأ، ويستعد وأخذ منديل ورقية يمسح بها عرق جبينته، وكأنه تعمق في إجابة ذلك السؤال، فقلت له: تفضل، هات ما لديك من الإجابات والأفكار! فقال: إنني أرى أن طالب علم يجب عليه أن يقوم بمشاغل علمية أيام إجازاته، من حيث الكتابة والمطالعة والموعظة.... ويقسم أوقاته حسب مشاغله...

            لكن الطالب الأخير الذي أجاب على ذلك السؤال هو أعجبني، وهو أن الطالب يجب عليه خدمة أبويه أيام إجازاته، مهما تكن طويلة أم قصيرة، وذلك لأنه لا يكون قريبا منهما طوال السنة، ولم يجد فرصة لخدمتهما، بسبب اشتغاله في طلب العلم، وهو بعيد عن البيت طوال السنة، فالإجازات هي الفرصة الوحيدة التي يمكنه أن يتدارك بها ما فاته من خدمة أبويه طوال السنة...

            وفي الإجابات كلها لم يكن أي تناقض، بل كلها تصب في بحر واحد، وهو أنه يجب أن يقسم أوقاته حسب مشاغله، فيشغل نفسه حسب جدول أوقاته التي جدولها بنفسه لنفسه، غير أنه يجب أن يمضي معظم أوقاته مع الأب والأم، ويخدمهما خدمة جيدة، ولا ينبغي أن يفضل زملائه على أبيه، ولا زوجته على أمه، فإنه علامة من علامات الساعة... فيأتي على الناس زمان، يفضل أحد زملائه على أبيه، وزوجته على أمه، وها هو الزمان الذي نحن فيه، فنحاول أن لا نكون مثل أولئك الذين يفعلون مثل ما ذكرته الآن...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 252
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019