(يعلم كل من له إلمام بأسرار العربية أن الأسلوب المصطلح عليه في ترتيب معاجمها لا يناسب حتى ولا الكثيرين ممن نالوا قسطاً وافراً من الإحاطة بقواعد الصرف وأحكامه ، ليتمكن من رد الكلمة إلى أصلها المجرد ، توصلاً إلى الاهتداء
إلى مكانها من القاموس ، على أن الاشتقاق وما يلحق أبنية الكلم من عوارض الإدغام والإدغام الإعلال ، وغير ذلك لمن أشد الأمور تعقيداً في اللغة العربية) [1] .
هذه ( الكلمة ) التي قدمناها تصلح نموذجاً لدعاوى كثيرة ، تصدر عن أناس متعددي المشارب ، مختلفي النوايا ، لكن يجمعهم هدف واحد ، هو تزهيد الناس بالعربية ، وتنفيرهم منها ، ويتذرعون إلى ذلك بما يشبه الحجج ، ويلبس ثوب الدليل ، ولكن إذا تفحصته لم تجده من الحجج ومن الأدلة في شيء . وسوف نناقش الدعوى المتقدمة ، ليتبين لنا ما تنطوي عليه : هل هو من المسلمات الثابتة ، أم أنه ذريعة إلى أمر آخر هو الصد عن تعلم هذه اللغة ببث الكراهية لها في النفوس ، والتنفير عنها بكل وسيلة ؟ !
فيما يتصل بالقضية الأولى ، هل صحيح الادعاء أن البحث في المعاجم العربية صعب إلى هذه الدرجة - حتى على الكثير ممن نالوا قسطا وافرا من الإحاطة بقواعد الصرف وأحكامه ؟ - وهل هناك ( معاناة حقيقية ) يعاني منها المدرسون والطلبة في هذا المجال ؟
إن الأمر انتهى بطرق ترتيب المعاجم إلى طريقتين رئيسيتين :
أولاهما : طريقة الصحاح ، والقاموس المحيط ، ولسان العرب ، وهى الطريقة المعروفة بطريقة ( الباب والفصل ) والتي رتبت فيها الكلمات في باب الحرف الأخير من جذورها ، ثم رتبت ترتيبا هجائيا داخل الباب بعد ذلك ، ف ( بدأ) و (نشأ) توجدان في باب الهمزة ، الأولى في فصل الباء ، والثانية في فصل النون .
الثانية : الطريقة الهجائية المألوفة الآن في كافة معاجم اللغات الأخرى ، وهى أيضاً معروفة في بعض المعاجم العربية غير الحديثة : كأساس البلاغة ، والمصباح المنير ، وهى : وضع الكلمة في باب الحرف الأول من جذورها ، مع مراعاة الترتيب الهجائي أيضاً في الحرف الثاني والثالث وهكذا . فالكلمتان السابقتان (بدأ) و (نشأ) توجد الأولى في باب الباء ، والثانية في باب النون .
ومع هذا فقد صدرت طبعات للقاموس وللسان ، رتبت المواد فيها هذا الترتيب الأخير ، وهناك أخذ ورد في فائدة ذلك ، ولعل ترتيبها بهذه الصورة جاء خروجاً من كثير من التقولات التي تقال عن صعوبة الطريقة السابقة .
وهذه الصعوبة المزعومة في ترتيب المعاجم العربية لا تعدو ما يماثلها من الصعوبات التي يواجهها الباحث في معاجم اللغات الأخرى .
ولدى التجربة ظهر أن طريقة البحث في هذه المعاجم المتهجم عليها بالحق والباطل سهلة حتى على من لم ( ينل قسطا وافرا من الإحاطة بقواعد الصرف وأحكامه )! ولو صرف أي طالب متوسط ساعة من وقته (بجد وحرص) لتعلم أساس طريقة البحث والتدرب عليها لكان ذلك كافيا . (وهذا الأمر لا علاقة له بما هو كائن الآن من وجود كثير من الخريجين ، ممن لا يرهقون أنفسهم للتفرغ لهذا الأمر ولو ساعة من زمن ، ثم يستغربون - ويستغرب الناس منهم - حيرتهم أمام النظر في معجم من معاجم العربية ، وبدل إلقاء اللوم على كسلهم وتفريطهم يلقونه على هذه المعاجم الصعبة المرتقى ، المعقدة التركيب ! فهذه النتيجة المؤسفة مركبة من عدة مقدمات أفضت إليها ، وتحتاج إلى معالجة على حدة) .
إن كان شأن المعاجم العربية ليس بالتعقيد الذي انتهت الكلمة السابقة إليه ؛ وأن كثيرا مما يشاع حولها هو تضخم وتهويل ؛ إذاً ، فما الأثر الذي تبقيه هذه الكلمة ومثيلاتها في نفوس أكثر قرائها ؟ إنه أثر غير محمود النتيجة ، فهو تزهيد وتثبيط ، تزهيد لأبناء العربية بلغتهم ؛ وتثبيط للهمم حتى تقعد عن التعرض لتعلم ما ينفع في بناء الشخصية ، والارتفاع بها . والأفكار أوعية مفتوحة إذا أنفت أن تمتلئ بشيء ينبذه المجتمع ، وتُنْشَر سموم الدعاية ضده ؛ فلا بد من أن تفتش عن بديل تملأ به الفراغ ، وتتطلع إلى محلٍ تُحِلُّه المنطقة المهيأة المفرّغة ، وليس المحتل هنا غير اللهجات العامية ، أو اللغات الأجنبية وما يلحقها من تمكن وغلبة لما تمثله من عقائد ، وما تجلبه من أفكار .
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادفَ قلباً خالياً ، فَتمَكَّنا !
والآن فلننظر في بناء هذه الكلمة ذاته لنرى نصيبها من الصواب أو الحقيقة .
1- (ليعلم كل من له إلمام بأسرار العربية) عبارة يبدو ظاهرها لا غبار عليه ، ولكن أعد قراءتها كلمة كلمة لتعلم أن منطوقها يخالف ما يريد صاحبها ، فهو يريد أن يثبت بدهية وهي أن كل دارس للعربية يعلم ما سيشير إليه ، ولكن الأسرار لا تلم بها إلماماً ، بل تُسْتبْطَنُ استبطاناً ، وتعالج علاجاً مضنياً حتى تكتشف ، وعلى هذا فإن العارفين بأسرار العربية ليسوا مجمعين على ما سينتهي إليه صاحب الدعوى ، وهذا نقض للتعميم الفضفاض : يعلم كل من له إلمام ...
2- ( ... أن الأسلوب المصطلح عليه في ترتيب معاجمها ... ) وهذا أيضاً تعميم يضيف إلى برودته جهلاً غليظاً ، فالمعاجم العربية ليس لها أسلوب واحد في ترتيبها ، بل لها طرق متعددة ، وأساليب متنوعة . فأي أسلوب منها يعني ؟ !
3- ( ... لا يناسب حتى ولا الكثيرين ممن نالوا قسطاً وافراً من قواعد الصرف وأحكامه ... ) .
لو أنه قال مثلاً : لا يناسب من لم ينل قسطاً وافراً من قواعد الصرف وأحكامه ؛ لكان في الجملة الروح ، ولكن جنوحه إلى تضخيم ما لا يحتاج إلى تضخيم أبى عليه إلا أن يطلقها هكذا مرة واحدة أن هذه المعاجم ليس فيها خير ألبته ، لا للمبتدئين فقط بل للعلماء أيضاً وهي ليس إلا ركاماً يكد الأذهان ويضيع الأعمار ! ( وقِفْ عند هذه الكلمات قسطاً - وافرا - الإحاطة -فهي كافية أن تلقى في نفسك الرعب ، وتبعث الرهبة من مكامنها ) !
4 - ثم اقرأ معي تتمة الكلمة على مهل ، ألا توحي إليك - وقد فرغت منها - بوصف مهمة اكتشاف القارة القطبية ، كُلِفَ بها شخص غير مُدَرَّب ، ولا فائدة من تدريبه ، وليس هذا فحسب ، بل هو - أيضاً - مجرد من أسباب مقاومة الصقيع ،
على علة مستكنة في جسمه ؟ !
كأنه يقول لمن يهم بتعلم شيء من هذه اللغة : مالك ولهذا العناء المعنّى ، ولماذا تضيع الوقت فيما لا طائل تحته ، ولا ثمرة له ، مالك ولمعاجم العربية ونحوها وصرفها ، لماذا تفر من السهل الميسر ، إلى الحرج والتعقيد ؟ ! وهكذا تبنى جدران سميكة من الوهم والتضليل بين هذه اللغة وبين أبنائها .
وسرّح النظر في واقعنا الثقافي مشرقاً ومغرباً ، وردده فيه صعوداً ونزولاً ترى أن مثل هذا التقبيح القولي لكل ما يتعلق بلغتنا العربية ، والحط من شأنها قد انضاف إليه - واأسفاه - تقبيح عملي مجسم ومصور ، والحال ناطقة به ى وشاهدة عليه ، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال . ووالله ، إن السكوت على هجران هذه اللغة ، وعدم الغضب لها حين تُرمى بالنقائص ، وتُتَقَصَّدُ بالحيف ليعادل انتهاك الحرمات ، وضياع المقدسات ، إن لم يكن أكبر.
__________
(1) من مقدمة قاموس إلياس العصري (عربي - إنكليزي) .