مقال 2026/05/15 مشاهدة

ذاكر نايك، رجل المفاجآت وتقلبات المواقف؟

إن من الشخصيات المثيرة للجدل المناظرَ الشهيرَ ذاكر نايك، الذي لطالما اعتقد كثير من المدارس والطوائف أنه ينتمي إليها، لكنه في النهاية فاجأهم بإظهار بونٍ شاسع بينه وبينهم؛ فحينئذٍ اضطروا إلى البراءة منه قائلين: «شتان بيننا وبينه!».

والسبب في ذلك كله يعود إلى تغليب الاندفاع والعاطفة على العقل والتفكير والنقد الهادئ الهادف، ومن ثم إطراء الشخصية لميزة أو ميزات معينة مع تجاهل عيوبها ونقائصها، أو بالأحرى جوانب ضعفها. ولو كنا نتبع الطريق الوسط في كل أمر -لأنه خير الطرق كما قيل: «خير الأمور أوسطها»- فنقبل الحق من كل أحد ونشيد به، وفي الوقت نفسه نرد عليه باطله؛ لما تعرضنا للحرج والاضطرار للاعتذار.

وخصوصًا أنه يجب علينا توخي الحذر الشديد عند التنويه بمن لم يستقِ العلوم الشرعية من منابعها الصافية، جاثيًا بين يدي العلماء بالرُّكَب، وآخذًا العلم من الصدور لا من السطور؛ فمن اعتمد على فهمه الشخصي بمعزل عن فهم السلف الصالح، كثرت مصارعه وزلاته. وقديمًا قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-: «كل من أَخذ الْعلم عَن السطور كَانَ ضَالًّا مضلًّا» [الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي: ص19].

ومن الذين اتخذوا منه موقفًا حذرًا علماء "مدرسة ديوبند"؛ حيث لم يبالغوا في الثناء عليه أو الإشادة به، متفرِّسين شخصيته المتقلبة، لعدم تلقيه التربية والتعليم على أيدي العلماء الموثوقين. فحذروا الناس منه في أوانه بأن مناظراته ربما تكون صائبة، لكن لا ينبغي الثقة بأقواله في عامة مسائل الفقه والاعتقاد. لذا، لم يضطروا يومًا للبراءة منه لأنهم اتبعوا المنهج الوسط وحللوا شخصيته حق التحليل.

على الجانب الآخر، اعتبره علماء "أهل الحديث" جزءًا لا يتجزأ من مدرستهم، وبالغوا في الافتخار به والاعتزاز بجهوده والإشادة به في كل محفل، بل كانوا يشتدون في الدفاع عنه إذا انتقده أحد ولو كان محقًّا. وإني أتذكر جيدًا أن الشيخ الشهيد إدريس -رحمه الله- انتقد ذات مرة أحدًا من أمثاله -وإن لم يصرح باسمه، ثم أوضح لاحقًا أنه لم يكن يعنيه-، ومع ذلك أثاروا ضجة كبيرة ضده، وجعلوا يطعنون فيه وينالون منه، قائلين: «إنك تنتقد ذاكر نايك وهو فارس من فرسان الإسلام، يناطح الكفار في جبهة خطيرة من جبهات الإسلام!».

ولعل أبرز ما يشهد على احتفائهم به هو مسارعة المملكة العربية السعودية إلى تكريمه بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام. أما الآن، وبعد أن أبدى تعاطفه مع إيران واعتبرها دولة مسلمة مظلومة، وخفف من حدة الخلاف بقوله إن الاختلاف متوارث بيننا منذ زمن الصحابة، بل كان بين الصحابة أنفسهم اختلاف؛ فجأة انقلب الأمر رأسًا على عقب!

فقد بدأوا الآن ينالون من ذاكر نايك ويطعنون فيه، حتى وصل بعضهم إلى وصفه بـ"الرافضي"، ورددوا عنه كل ما سبق أن قاله علماء ديوبند -الذين كان هدفهم بيان الواقع لا الدوافع السياسية أو الطائفية- ولكن هيهات هيهات! كذلك كان العلمانيون، لا سيما في بلدنا باكستان، ينظرون إليه كأنه واحد منهم حكمًا على زيه وظاهره، وربما قدموه كنموذج يحتذى للداعية الإسلامي، تعريضًا بعلماء المدارس الإسلامية في البلاد الذين يلتزمون بالزي التقليدي وفهم السلف الصالح للدين.

لكن بعد زيارته الأخيرة لباكستان كضيف حكومي، وإلقائه المحاضرات في مناسبات عديدة، بدا الرجل عكس ما توقعوا؛ إذ ظهر أكثر التزامًا وتشددًا في بعض المسائل من علماء البلاد الذين يصفونهم بـ"الرجعيين والمحافظين". وحينها سارعوا إلى تسجيل الحلقات وكتابة المقالات للبراءة أو النيل منه!

فالعافية والخير كله في أن نُغلِّب العقل والتفكير والتحليل العقلاني على الاندفاع والعاطفة؛ لأن العلماء هم قادة الأمة، وكما يقال: «زلة العالِم زلة العالَم». فإذا زلُّوا وأخطأوا في الإشادة برجل غير كفء، فربما يؤدي ذلك إلى تخبط الأمة أو هلاكها بأسرها.

ص19 - كتاب الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي[1]

بقلم: محمد إسماعيل البزاز

عضو هيئة التدريس بجامعة دار العلوم سرحد

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!