لا شكّ أن الإنسان يبلغ بعلمه الوفير غايته القصوى في المجد، ويرتقي به إلى ذُرى العزّ والفخر، فتسمو منزلته، ويُشاد بذكره بين الناس.
غير أنّ هذا المجد العلمي، على عظم شأنه، لا يكفي وحده ليجعل من الإنسان كائنًا كاملًا مؤهّلًا لأداء واجباته على الوجه الأكمل؛ فالكمال الإنساني منزلةٌ رفيعة، لا يبلغها إلا من جمع بين العلم النافع، والخُللاق الرفيع، والنفس المهذّبة.
وليس كلّ أحدٍ يستطيع أن يزدهر كما تزدهر الزهرة في الروضة بكل بهائها، ولا أن يبتسم كالبدر المنير في السماء فيفيض نورًا وعذوبة، ولا أن يثبت كالجبل الراسخ الذي لا تزعزعه العواصف، ولا أن يجود كالبحر العميق بعطائه الذي لا ينضب، ولا أن يتحلّى بصبر الأرض وتواضعها وهي تحمل الأثقال في صمتٍ وسكينة. فهذه صفاتٌ سامية لا تجتمع إلا في نفوسٍ عظيمة.
وقد تجلّى هذا الكمال أروع ما يكون في شخصية النبي ﷺ، الذي كان المثل الأعلى للإنسان الكامل؛ فقد كان في ثباته راسخًا كالجبال، كما ظهر في مواقف الشدّة كغزوة حنين، وكان في رحمته نبعًا لا ينضب، كما تجلّى في تبوك وغيرها، فجمع بين القوّة واللين، وبين العظمة والتواضع. وقد وصفه أصحابه الكرام بأبلغ الأوصاف، فشبّهوه في إشراقه بالشمس والقمر، وأشادوا بجماله وكمال خُلقه، فقال حسّان بن ثابت رضي الله عنه:
وأحسنُ منك لم ترَ قطُّ عيني
وأجملُ منك لم تلدِ النساءُ
خُلِقتَ مبرّأً من كلِّ عيبٍ
كأنك قد خُلِقتَ كما تشاءُ
ثم يصف علوّ همّته وعظمة شأنه بقوله:
لهُ هِمَمٌ لا مُنتهى لكبارها
وهمّتُهُ الصُّغرى أجلُّ من الدهرِ
ويبلغ في بيان جوده وكرمه مبلغًا عظيمًا، فيقول:
لهُ راحةٌ لو أنَّ مِعشارَ جودِها
على البرِّ كان البرُّ أندى من البحرِ
فهذه الأبيات تجسّد صورةً متكاملة للكمال الإنساني في أسمى صوره: جمالٌ في الخِلقة، وسموٌّ في الهمّة، وعطاءٌ لا يُحدّ.
فيا أخي، إن طريق الكمال ليس طريق العلم وحده، بل هو طريقٌ تتكامل فيه المعرفة مع الأخلاق، والقوّة مع الرحمة، والثبات مع التواضع. ومن أراد أن يبلغ هذه المنزلة، فليجعل من سيرة النبي ﷺ نبراسًا يهتدي به، وليجتهد في تهذيب نفسه كما يجتهد في تحصيل علمه.