مقال 2026/05/15 مشاهدة

فقيه الملة الشيخ عبد الرحمن، مصباح الهدى وبقية السلف في بنغلاديش، رحمه الله

موت العالِم، موتُ العالَم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، باعثِ العلماء، ووارثي الأنبياء، وجاعلِهم مصابيحَ الدجى، وأعلامَ الهدى، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ إمامِ المرسلين، وقدوةِ العاملين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد؛ فإنّ من سنن الله الجارية، وحكمه الباهرة، أن لا تخلو هذه الأمة المرحومة من رجالٍ ينهضون بأعباء الإصلاح، ويقفون في وجوه الانحراف، فيجددون ما اندرس من معالم الدين، ويحيون ما أماتته الغفلة من السنن، ويقمعون البدع، ويبددون ظلمات الخرافة، ويهدون الناس إلى سواء السبيل.

أولئك الذين إذا ذُكروا ذُكر بهم العلم، وإذا فُقدوا فُقد بفقدهم زمانٌ بأسره، وكأنهم كما قال الشاعر:

هيهات لا يأتي الزمانُ بمثله

إن الزمانَ بمثله لبخيلُ

ومن هؤلاء الأعلام، بل من نجوم هذا الأفق، وأعمدة هذا البنيان: الشيخ فقيه الملة عبد الرحمن – نور الله مرقده، وأعلى في عليين درجته – الذي كان فقدُه رزيّةً عظمى، وثلمةً كبرى، لا تُجبر بسهولة، ولا يُسدّ فراغها بيسر؛ إذ كان علمًا في العلم، وإمامًا في العمل، ومأوىً للطلاب، ومنهلًا عذبًا للواردين، يَرِدُه العطاشُ فيصدرون عنه رواءً، ويقصده الطلاب فيرجعون عنه امتلاءً وارتواءً.

وقد تواترت كلمات الأئمة والأعلام في الثناء عليه، حتى صارت شهاداتهم كالعقد المنظوم، يصدق بعضه بعضًا، ويكشف عن مقامه الرفيع؛ فقد قال رئيس دار العلوم ديوبند: «إنّ موته خللٌ عظيم في بناء العلم في بنغلاديش، خللٌ لا يُسدّ»؛ وهي كلمةٌ تدل على عمق الأثر، وسعة الفقد، وعظم المصاب.

وقال الشيخ أرشد المدني – وهو من سلالة النبوة – في مرثيته: «إنّ المدارس والجامعات التي أسسها الشيخ كان لها أثرٌ بالغ في مجالات العلم والعمل والإصلاح وإحياء السنن»، ثم أكد مكانته العلمية بقوله: «إنه من أجلّ تلامذة الشيخ حسين أحمد المدني رحمه الله، ومن بيتٍ عريقٍ في الأكابر والأسلاف»؛ فجمع له بين شرف النسب العلمي، وعلوّ المقام التربوي.

وقال الشيخ عبد الحق الأعظمي رحمه الله تعالى: «كان فقيهًا كبيرًا، وعاشقًا لرسول الله ﷺ، عابدًا زاهدًا، حسن السيرة، جامعًا بين الأدب والتوازن، وكان أمانةً من الله تعالى في عباده»؛ فكأنه لخص شخصيته في كلماتٍ معدودة، جمعت بين العلم، والعبادة، والمحبة، والأخلاق.

وقال الشيخ تقي العثماني حفظه الله تعالى: «كان نعمةً كبرى من نعم الله تعالى على أهل موطنه، وقد أسس أعمالًا عظيمة في شتى المجالات، وكانت خدماته للأمة واسعةً جليلة، ولا ينبغي أن تُنسى مواقفه في المحبة والمودة»؛ فشهد له بسعة الأثر، وعموم النفع، ودوام الذكر الحسن.

وقال الشيخ نعمة الله الأعظمي رحمه الله تعالى: «كانت له بصيرةٌ نافذة في تمييز الفرق الضالة السائدة»، ثم قال: «وقد أعجبني كماله العلمي حين دعاني إلى أحد محافله التي أسسها، فقام عليها بنفسه»؛ وهي شهادةٌ تدل على جمعه بين العلم النظري، والجهد العملي في ميدان الدعوة والإصلاح.

وقد قال في وصف حاله وسيرته: إنه كان مثالًا حيًّا لما دلّ عليه قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، فكان – رحمه الله – هينًا لينًا، متواضعًا في مشيه، وقورًا في مجلسه، لا تعرف فيه كِبر العلماء، بل ترى فيه سكينة العارفين، وخشوع الصالحين.

وقال الشيخ شاهد سهرانفوري: «كان كما هو شيخٌ مربٍّ ومرشدٌ كبير، فهو كذلك فقيهٌ بارزٌ»؛ فجمع له بين الإمامة في التربية، والرسوخ في الفقه. وقد شهد له كذلك جمعٌ من أهل العلم الذين خالطوه، ووقفوا على أحواله، أمثال: الشيخ محمد حنيف الجلندري، والشيخ محمد سلمان منصور بوري، والشيخ محمد رياسة علي بجنوري، والشيخ فضل الرحمن، والشيخ عبد الخالق السنبلي، والشيخ جميل أحمد وغيرهم؛ فكان إجماعهم على حسن سمته، ووقار هيئته، وصدق توجهه، وعظيم تواضعه.

ومع ما أوتي من سعة العلم، وعلو الكعب في مدارج الفهم، لم يزده ذلك إلا تواضعًا، ولا رفعةً إلا خفض جناحٍ للمؤمنين، حتى صار مثالًا يُحتذى في الجمع بين العلم والعمل، وبين الظاهر والباطن، وبين الفقه والتزكية.

فهذه نبذةٌ يسيرة، ولمحاتٌ مختصرة، من شمائله، وشهاداتٌ منتخبة من أقوال معاصريه، أقدّمها تمهيدًا لهذا الباب، وافتتاحًا لهذا الكتاب، على أن يتلوها – إن شاء الله تعالى – تفصيلُ حياته، وبسطُ آثاره، وبيانُ جهوده في ميادين العلم والدعوة والإصلاح، ليبقى ذكره حيًّا، وعلمه جاريًا، وأثره باقيًا.

رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ونفع به الإسلام والمسلمين.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!