وا لهفتاه على أيقونة الحديث إذ ارتحل.. ووا أسفاه على سنديانة العلم إذ انخذل
عَلى مثل الشّيخ محمد إدريس فَلتبكِ البواكي
وَلْينحبِ المنبر بعد المحاكي
ما كنتُ أحسب أن فجر الخامس من مايو سيطلع علي بنبأ يزلزل أركان نفسي، أو أنني حين أمد يدي إلى ذلك الجهاز الصغير القابع بجوار وسادي لأطالع شاشته الصامتة، سأبصر فيه نعيا يخر له صرح الأمل صريعا. لقد استيقظت كدأبي أرجو ضياء الصبح، فإذا بي أطالع رسالة وقعت على قلبي وقوع الصاعقة من السماء، فطاش منها لبي، ووقف مشدوها أرنو إلى الحروف وهي تسبح في سديم من الدموع، وكأن الكون قد ضاق في عيني رغم رحابته، وأظلم الجو من حولي رغم إشراقه. وا لهفاه على غيبة هذا الطود الأشم، ويا حزناه على رحيل هذا النور الأتم.
إن الرزايا في هذه الدنيا كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولكن رزية موت العلماء هي الفاجعة الكبرى التي لا تنسى، وإن المصائب وإن جلت قد تهون، إلا غياب الأقمار التي كانت تضيء ليل الحائرين. لقد فجعت ’’ بشتونخوا ’’ برحيل ابنها البار، وفارس محرابها المغوار، الشيخ المحدث محمد إدريس، الذي غادرنا بجسده، وبقي فينا بعلمه وأثره. انطفأ سراج وهاج كان يملأ القلوب بنور الهدى واليقين، وغاب كوكب دري كان يهدي العقول إلى الصراط المستقيم والدين المتين.
الأرومة الزكية والمنبت الطيب :
ولد الفقيد عام 1961م في كنف قرية ’’ ترنكزئي’’ التابعة لچارسدہ، في بيت تشرق من نواجذه شموس العرفان، وتفوح من أركانه أريحية التقوى والإيمان. هو سليل العلماء الميامين، وابن الأئمة الصالحين. والده هو العلامة حكيم عبد الحق، أسد المناظرين الذي زلزل عروش الباطل بحججه القاطعة، وهو سيف المتكلمين الذي هدم صروح الضلال ببراهينه الساطعة. جده الشيخ مفتي شهزاده، الذي حاز قصب السبق في الفتيا بمدرسة ديوبند العريقة، والفقيه الأجل الذي نال أعلى الرتب في العلم بمعهدها الأثيل المشرق.
المشوار العلمي : عطش يرويه اليقين
لم يقنع الشيخ بيسير المعرفة، بل شد الرحال طالبا لمكنون الصدف، فنهل من معين الجامعة النعمانية في اتمانزئي، ثم ارتوى من بحر دار العلوم حقانية الزاخر. جالس جهابذة العصر وأقطاب الزمان حتى تضلع من علوم المنقول والمعقول، وصاحب أساطين العلم وفحول الدين حتى استوعب دقائق الأصول والفروع. جمع بين أصالة المدرسة الدينية وبين حداثة الجامعة المدنية، فنال الماجستير في العربية والإسلاميات من جامعة بيشارو بامتياز لا يضاهى.
عرش الرواية وسنام الدراية: 30 ثلاثون عاما في رحاب النبوة
لقد وهب الفقيد روحه لخدمة قال الله وقال رسوله، فكان صوته في حلقات الدرس يشبه حفيف أجنحة الملائكة حبا لما يدرس. ظل يغرس بذور السنة النبوية في نفوس الناشئة لأكثر من ثلاث عقود متواصلة، واستمر يبث أسرار الحديث الشريف في قلوب التلاميذ لثلاثين سنة دؤوبة غير منقطعة. لم تشهد الديار مثل حلقته؛ إذ كان يزدحم حوله 2400 طالب في جامعتي النعمانية والحقانية، يرتشفون من شرحه لصحيح البخاري وجامع الترمذي رحيقا مختوما.
في معترك الإصلاح وسياحة السياسة الحكيمة:
لم يكن الشيخ ممن يغلقون عليهم أبواب الصوامع، بل كان رجلا مصلحا، وقائدا ملهما، ومجاهدا بالكلمة والموقف. دخل محاريب السياسة ليرفع لواء الشريعة في إيوان الحكم والسلطان، واقتحم دهاليز البرلمان ليعلي كلمة الحق في محافل التشريع والبيان.
مأثرته الخالدة:
سيظل التاريخ يذكر له مشروع الشريعة عام 2004م، يوم أن صاغ بيمينه قانونا يعيد للأمة هيبتها المستلبة، ويحفظ للمجتمع هويته الإسلامية.
الرحيلُ المضمخُ بالكرامة:
وفي يوم أغبر، هو الخامس من مايو لعام 2026م، امتدت يد البغي والعدوان، وأطلقت رصاصات الغدر والخسران، لتغتال جسدا نحل في طاعة الله، ولكنها لم تزد روحه إلا رفعة وعلا. سقط الشيخ مضمخا بدماء الكرامة ليلحق بركب الشهداء والصالحين، وارتقى العالم مخضبا بنور الشهادة لينضم إلى قوافل الأنبياء والصديقين. رحل محمد إدريس، وترك خلفه محاريب تئن، ومنابر تحن، وطلابا يذرفون الدمع دما. ولكن عزاءنا أن ما غرسه من علم سيظل شجرة طيبة، أصلها ثابت في الأرض، وفرعها يلامس عنان السماء.
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته، وأنزله منازل الأبرار، وجبر مصاب الأمة فيه ۔