وما أدراك ما أنفس الثروات وأغلاها
إن الحياة التي رزقنا الله تعالى إياها، لمن أغلى الثروات وأنفسها، فهي رأس مال الإنسان للعيش في الدنيا. لكن مثلها مثل المعدن الخام؛ فما لم يُصفِّها الإنسان لن ينتفع بها ولن يتمتع. وتصفيتها: صرفها وبذلها فيما ينفع الإنسان في دنياه وعُقباه، وأن يكون الإنسان حريصًا وشحيحًا على بذل لحظةٍ لحظةٍ منها، كشُحِّ البخيل بماله، يحسب لفلسه فلسًا، ولا ينفقها إلا على مضض.
وإذا كان أشحّاء الدنيا وبخلاؤها يحرصون على حطام الدنيا وعَرَضِها إلى هذه الغاية، فيجب أن نقضي العجب كل العجب من الذين لا يحرصون على ثروة الحياة العظيمة، التي لم يحظَ أغنياء الدنيا وأثرياؤها بما لديهم من عَرَضها ومتاعها وزهرتها إلا بفضل هذه الحياة التي أتاحت لهم الفرصة، وتمددت لهم حتى نالوا ما نالوا. فهي أساس كل إنجاز ومفخرة ومأثرة في هذا العالم.
وبالتالي، قلَّما تجد رجلًا ناجحًا، سواء كان في مجال العلم أو الدنيا، إلا بفضل أنه أحسن استثمار وقته وحياته. فالوقت مِرقاة النجاح والشرف، ووسيلة لتحقيق الأهداف وإدراك الغايات. ومن ثمَّ أكد على أهميته ونفاسته القرآنُ والسنةُ والعقلاءُ والعلماءُ عبر العصور.
عُني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، وفي مقدمة هذه العناية بيان أهميته وعِظَم نعمة الله تعالى فيه. يقول القرآن في معرض الامتنان وبيان عظيم فضل الله تعالى على الإنسان: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ _ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 33-34]. ويقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]، أي: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، فمن فاته عمل في أحدهما، حاول أن يتداركه في الآخر.
ولبيان أهمية الوقت، أقسم الله تعالى في مطالع سور عديدة من القرآن المكي بأجزاء معينة منه، مثل الليل والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، كما في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى _ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1-2]، {وَالْفَجْرِ _ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]، {وَالضُّحَى _ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1-2]، {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1-2].
ومن المعروف لدى المفسرين، وفي حس المسلمين: أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه، فذلك ليلفت أنظارهم إليه، وينبههم على جليل منفعته وآثاره.
وجاءت السنة النبوية تؤكد قيمة الوقت، وتقرر مسؤولية الإنسان عنه أمام الله يوم القيامة، حتى إن الأسئلة الأربعة الأساسية التي تُوَجَّه إلى المكلف يوم الحساب يخص الوقت منها سؤالان رئيسان. فعن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به» رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح واللفظ له. وهكذا يُسأل الإنسان عن عمره عامة، وعن شبابه خاصة، والشباب جزء من العمر، ولكن له قيمة متميزة باعتباره زمن الحيوية الدافقة، والعزيمة الماضية، ومرحلة القوة بين ضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54].
وكما سبق أن أشرنا، أن العلماء والعقلاء كانوا أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمته، وكانوا يحاولون دائمًا الترقي من حال إلى حال أحسن منها، بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه. فهذا ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي!». وقال آخر: «كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علمًا يقربني من الله عز وجل، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم».
وقد رُفع هذا بعضهم إلى النبي ﷺ، وقد ردّه ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» وقال: «حسبه أن يصل إلى بعض الصحابة أو التابعين».
وفي هذا قال الشاعر:
إذا مر بي يومٌ ولم أقتبس هدًى
ولم أستفد علمًا فما ذاك من عمري
ويقول الحسن البصري: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم!».
وقال حكيم: «من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثَّله، أو حمد حصَّله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عقَّ يومه، وظلم نفسه!».
وكانوا يقولون: «من علامة المقت إضاعة الوقت». ويقولون: «الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك».
وإذا كان للوقت كل هذه الأهمية، فإن على الإنسان المسلم واجبًا بل واجبات نحو وقته، ينبغي أن يعيها، ويضعها نصب عينيه، وأن ينقلها من دائرة المعرفة والإدراك إلى دائرة الإيمان والإرادة، فدائرة العمل والتنفيذ. يحرص كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم، أو برهة من الزمان وإن قصرت، دون أن يتزود منها بعلم نافع، أو عمل صالح، أو مجاهدة للنفس، أو إسداء نفع إلى الغير، حتى لا يتسرب العمر سُدًى، ويضيع هباءً، ويذهب جُفاءً، وهو لا يشعر.
بقلم: محمد إسماعيل البزاز
عضو هيئة التدريس بجامعة دار العلوم سرحد