مقال 2026/05/01 مشاهدة

اعتمادُ العربيةِ في باكستان: علاجُ الطائفية اللسانية، وبوابةُ الوحدة المذهبية

ليست باكستان فقيرةً في الطاقات، ولا عاجزةً عن النهوض، ولكنها –ككثيرٍ من الأمم– تُبتلى أحياناً بأزماتٍ تُضعف تماسكها الداخلي وتُشتّت قواها؛ ومن أخطر هذه الأزمات: الطائفية اللسانية والطائفية المذهبية، وهما جرحان مزمنان ينزفان منذ عقود.
إنّ التعدد اللغوي في باكستان، مع ما يحمله من ثراءٍ ثقافي، قد تحوّل –بسبب غياب الرؤية الجامعة– إلى سببٍ للتنازع والتنافر، حتى غدت اللغة أحياناً أداةَ فرقةٍ بدل أن تكون جسراً للوحدة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أيمكن للغةٍ واحدةٍ أن تكون مظلةً جامعةً تتجاوز الانقسامات؟
الجواب: نعم، إذا كانت هذه اللغة محايدةً داخلياً، جامعةً روحياً، ومرتبطةً بالهوية الحضارية للأمة؛ وهذه الصفات لا تجتمع في أية لغة بباكستان كما تجتمع في اللغة العربية.
فالعربية ليست لغة إقليمٍ داخل باكستان، ولا لسانَ عِرقٍ دون آخر، بل هي لغة القرآن الكريم، ولغة التراث الإسلامي الذي يجتمع عليه الشعب الباكستاني بكل أطيافه. اعتمادها كلغةٍ رسميةٍ ثالثة إلى جانب الأردية والإنجليزية، ليس مجرد قرارٍ إداري، بل هو خيارٌ استراتيجي لإعادة تشكيل الوعي الوطني على أساسٍ وحدويٍّ عميق.
ثم إنّ العربية ليست لغةً دينيةً فحسب، بل هي إحدى اللغات العالمية الكبرى، وواحدةٌ من اللغات الرسمية في المنظمات الدولية، مما يمنح باكستان بعداً دولياً جديداً، ويفتح أمامها آفاقاً واسعةً في التعليم، والاقتصاد، والدبلوماسية.
أما الطائفية المذهبية، فهي أشدّ خطراً، لأنها تمسّ وحدة العقيدة والمرجعية. وقد أثبتت التجارب أن علاجها لا يكون بالقمع، ولا بالشعارات، بل ببناء مؤسساتٍ علميةٍ جامعة تُخرّج جيلاً يتجاوز التعصب، ويتسلّح بالعلم الراسخ والفهم الواسع.
ومن هنا تأتي أهمية تطوير نموذج تعليمي وطني يستلهم التجارب الناجحة، وعلى رأسها تجربة الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، ولكن برؤيةٍ أوسع، تجعلها أقرب إلى هيئةٍ عليا للتعليم الديني والفكري، على غرار الجامعات الكبرى مثل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض والأزهر الشريف.
إنّ المطلوب ليس مجرد جامعة، بل مرجعية علمية وطنية:
تجمع بين الأصالة والمعاصرة
توحّد المناهج الأساسية
وتفتح أبواب الاجتهاد المنضبط
مرجعيةٌ تُخرّج علماءَ لا يُؤجّجون الخلاف، بل يُحسنون إدارته، ويحوّلونه إلى تنوّعٍ محمودٍ لا إلى صراعٍ مذموم.
إنّ الجمع بين هذين المشروعين:
اعتماد العربية لغةً رسميةً ثالثة
تطوير مؤسسة تعليمية جامعة ذات طابع مرجعي وطني، تلتحق بها المؤسسات التعليمية الدينية
كفيلٌ –بإذن الله– بأن يُحدث تحوّلاً تاريخياً في باكستان، ينقلها من حالة التشتت إلى حالة الوحدة، ومن التنازع إلى التكامل.
فالعربية توحّد اللسان،
والمؤسسة العلمية توحّد الفكر،
وباجتماعهما تُبنى الأمة.
إنها ليست فكرةً حالمة، بل مشروع نهضوي قابل للتحقيق، إذا توفّرت له الإرادة السياسية، والرؤية العلمية، والدعم المجتمعي.
وما باكستان –بإيمان شعبها، وعمقها الحضاري، وموقعها الاستراتيجي– إلا أرضٌ خصبةٌ لمثل هذا التحول الكبير.
فلنُعد للعربية مكانتها،
ولنُقيم للعلم مؤسساته،
ولتنهض باكستان من جديد.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!