لا شكَّ أنَّ الله تعالى فضَّل الإنسان بالعلم وخصَّه به دون سائر المخلوقات، وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم غيرَ مرَّةٍ في مقام الامتنان على الإنسان، كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾.
ومنَّ الله تعالى على داود وسليمان عليهما السلام بإيتائهما العلم، حيث قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. وأمر الله تعالى نبيَّه الخاتم ﷺ أن يدعو بزيادة العلم دون سائر الأشياء، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
فهذا وأمثاله من الآيات الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، وكذلك أحاديث النبي ﷺ التي تُبيِّن فضل العلم وأهله؛ لأنَّ العلم فضيلةٌ وميزةٌ، فمن حَصَّلَه وناله فهو فاضلٌ مفضَّل.
وانطلاقًا من هذا الفضل والكرامة، يُوقِّر المسلمون علماءَهم ويحترمونهم، ويُرسلون أولادهم وصغارَهم إليهم ليعلموهم ويؤدِّبوهم ويُفقِّهوهم في الدين. وهذا أمرٌ رائعٌ محمودٌ في الدين، وتضحيةٌ كبيرةٌ، لا سيَّما في زمن المادِّيَّة هذا، حيث يؤثرون العلم الشرعي على مكاسبهم الطائلة، بل على العكس ينفقون عليهم من أموالهم. وتنتهي مسؤوليتهم عند هذا الحد.
أمَّا الأساتذة والعلماء والمرشدون فتقع على عواتقهم مسؤوليةٌ كبيرةٌ، فعليهم أن يعتبروا هؤلاء الطلاب أمانةً لديهم، وأن ينصحوهم غاية النصح، ويحرصوا على تعليمهم وتربيتهم، وألَّا يُضيِّعوا أوقاتهم وأعمارهم فيما ليس من شأن الدراسة والتربية.
لكن للأسف نرى في زماننا هذا أنَّ كثيرًا من العلماء والأساتذة يستغلُّون أبناءَ الآخرين ويستخدمونهم، ولا يراعون أوقاتهم. يستخدمونهم في مصالحهم وشؤونهم الشخصية: فمن طالبٍ يكبسُ بدنه، ومن طالبٍ يُعدُّ له الطعام والشراب، وآخر يتجوَّل في الأسواق ليحضر له مستلزمات البيت، ومن طالبٍ يأخذ أطفاله إلى المدرسة ويعيدهم. ثمَّ مقابل ذلك قد يُثني عليه ثناءً عاطرًا أمام الآخرين بأنَّه تلميذي المفضَّل، وهو بطلٌ، وإنَّ الله تعالى سيتقبَّله لأنَّه يخدم، وما إلى ذلك. وأحيانًا يُكافئه بمبلغٍ زهيدٍ، فيسعدُ الطالبُ المسكين بذلك ويفرحُ وينشطُ للمزيد من خدمته، لأنَّ المال قوام الحياة ولو كان قليلًا، إذ لا يجد في هذه المرحلة شيئًا منه. وهكذا ينسى هدفه الأساسي وغايته المنشودة وما ضحَّى لأجله بكلِّ غالٍ ونفيسٍ، ألا وهو العلم.
فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أرسلهم أولياؤهم لخدمة أشخاصٍ يُسمَّون أساتذة؟ وهل أنجبوهم وربَّوهم بشقِّ النفس ليصبحوا في نهاية المطاف عبيدًا للآخرين؟
ألا يحتاجون إلى خدمة أنفسهم؟ أما يمكنهم أن يكتسبوا لهم على الأقل قوت يومهم؟ أما يمكنهم أن يساعدوهم في المزارع؟ فلو كانوا يريدون استخدامهم لاستخدموهم في مجالاتٍ شتَّى. ثمَّ هل يرضى هذا الأستاذ بأن يستخدم أحدٌ ابنه المدلَّل كما يستخدم أبناءَ الآخرين؟ إذن فهذا ظلمٌ وخيانةٌ وإضاعةٌ للمواهب والرجال.
ولنا في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنةٌ، فهو أكبر المعلِّمين والمرشدين. كيف كان يتعامل مع أصحابه وتلاميذه؟ كان النبيُّ ﷺ يخدم نفسه وأهله بنفسه، ولا يستعين بأحدٍ من أهل بيته فضلًا عن أصحابه. كما روى القاضي عياض في "الشفاء" عن عائشة والحسن وأبي سعيد: "كان في بيته في مهنة أهله، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويقمُّ البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق".
فهذا وأمثاله من الأحاديث يدلُّنا على أنَّ النبي ﷺ كان لا يستغلُّ أحدًا بكونه نبيًّا أو سيِّدًا أو كبيرًا ليخدموه، بل كان يمنعهم عندما يحاولون ذلك. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلتُ السوق مع النبي ﷺ فاشترى سراويل، وقال للوزَّان: "زِنْ وأرجِحْ"، وذكر القصة. قال: فوثب إلى يد النبي ﷺ يُقبِّلها، فجذب يده وقال: "هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولستُ بملكٍ، إنما أنا رجلٌ منكم". ثمَّ أخذ السراويل، فذهبتُ لأحمله، فقال: "صاحبُ الشيء أحقُّ بشيئه أن يحمله". تأمَّل ماذا قال له ﷺ: "صاحبُ الشيء أحقُّ بالشيء أن يحمله".
ولينتبه أنَّنا لا ننكر أن يخدم الطالبُ الأستاذَ أحيانًا عند الحاجة، فإنَّه من الشَّرف. لكن لا ينبغي فيه المبالغة والزيادة عن الحدِّ حتى يفوت الهدف الأصلي، لأنَّ كلَّ شيءٍ إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضدِّه. وكذلك لا نندِّد بأن يستخدمه الأستاذ في خدمةٍ تنفع الطالب علميًّا أو عمليًّا أو تربويًّا، فهذا ثابتٌ بالسُّنَّة وتعامل الأمَّة. فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أتى النبي ﷺ الخلاء، فوُضِعَ له وضوءٌ، فلما خرج قال: "مَن وضع هذا؟" فأخبروه أنَّه ابن عباس. فقال ﷺ: "اللَّهُمَّ فقِّهْه في الدِّين". أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم.
ففي هذه الخدمة كان لابن عباس فائدةٌ تربويةٌ وعلميةٌ، حيث علَّمه الرسول ﷺ بعمله أنَّه ينبغي الدعاء للمحسن ولو كان صغيرًا وقريبًا، وكذلك دعا له بالعلم، ودعاء الرسول ﷺ مستجاب.
وممَّا يدلُّ على جواز بل فضل مثل هذه الخدمة قصةُ يوشع بن نون مع موسى عليه السلام، حيث أخذه معه في رحلته العلمية فكان يخدمه، كما قال تعالى في قصته: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فهذا صريحٌ بأنَّه استخدمه. وكذلك كان مسؤولًا عن رعاية الحوت ورقابته. لكن لم يكن ذلك لمجرَّد الخدمة، بل كان له في ذلك فوائدُ علميةٌ وتربويةٌ يلتقطها ممَّا يوحى إلى موسى، ومن ناحيةٍ أخرى ممَّا يشاهده من مواقف صادرةٍ عن الخضر عليه السلام.
فنفسُ الخدمة ثابتةٌ بل مستحسنةٌ، لكنَّ المبالغة فيها وإهدار أوقات الطلاب بلا هوادةٍ من استغلال منصب الأستاذ وخيانته، لأنَّ الطالب ووقته ومواهبه أمانةٌ لديه.
وممَّا يُلاحظ بكثرةٍ، لا سيَّما في مجالس شيوخ التصوف، اهتمامُ الناس بتقبيل أيديهم اهتمامًا بالغًا إلى حدِّ العادة، وهو ليس من مزاج الشريعة. فإنَّ التقبيل وإن ثبت في بعض الأحاديث والآثار، فقد ذكر العلماء أنَّه لم يكن من عادة العرب، وإنَّما ما ثبت فهو نادرٌ بالنسبة إلى كثرة اللقاء بين النبي ﷺ والصحابة، وبينهم فيما بينهم، كما صرَّح به الإمام الحافظ أبوبكر محمد بن المقري -المتوفى 381 - في كتابه " الرخصة في تقبيل اليد": « لأنَّ الشيء من أمور الشرع قد يجوز وقوعه دون تكراره، واتِّخاذ شيءٍ ليس بعادةٍ عادةً دون دليلٍ قد يؤدِّي إلى البدعة. ورسول الله ﷺ كان بين أظهر الصحابة سنواتٍ، ومع ذلك لم يُنقل لنا إلا هذه الأحاديث القليلة في تقبيل يده مع كثرة لقيهم ومصافحتهم له، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم مع بعضهم. فدلَّ ذلك على أنَّه لا يجوز اتِّخاذ ذلك عادةً، بل العادة في ذلك بدعة.»ص:23
ثمَّ ممَّا حذَّر منه العلماء في تقبيل اليدين عدمُ الانحناء، لكنَّنا نلاحظ المبالغة فيه فضلًا عن نفس الانحناء. فما تقتضيه الشريعة في مثل هذا أن نخدم الدين تحت مظلَّته وفي إطاره، وأن لا نجعله بحيث يراه الناس شيئًا خارجًا عن الحياة له أفرادٌ خاصَّةٌ كسائر المجالات. لأنَّ الدين هو قانون الحياة، وكلُّ من هو مسلمٌ يجب أن يكون متديِّنًا. وليس في الإسلام تفريقٌ بين رجال الدين والدنيا كما في سائر الديانات. وإنَّما يمكن تحقيق ذلك بأن نأخذ الدين ونعمل به كما ثبت عن النبي ﷺ بفهم السلف الصالح، ولا نضيف إليه عاداتٍ وتقاليدَ لم ترد في الدين أو ليست من السُّنَّة التي تعاملت بها الأمَّة وتناقلتها عبر الأجيال.
محمد إسماعيل البزاز
عضو هيئة التدريس بجامعة دار العلوم سرحد