التبعية الثقافية وأثرها على الهوية الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام إن ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله"
إن موضوعنا اليوم ليس مجرد سرد ألفاظ، ولا رصف كلمات، ولا عرض أصناف العبارات للقارئ دون أن تجدي شيئا في قوته الفكرية والعلمية. لكن موضوعنا اليوم عن أمر حقيقي قد واراه التراب، وغشيته سحب غبراء فحجبت حقيقته عن كثير من الناس، وإن الناس لم يزالوا متغافلين معرضين عنه.
فالأدباء منهمكون في كتابة القصص والروايات، والخطباء منشغلون باكتساب المناصب والمقامات، كل في ترفه ونعمه ولهوه، لا يتفكرون ولا يتدبرون. لا لأنهم لايملكون عقلا يتدبرون به، ولكن الحجاب والحائط الذي حال بينهم وبين أفكارهم لحائط قد شيدته أيادي البيئة التمدنية بأقوى اللبنات، فلن يحطم ولن يسقط إلا بجهد بالغ، ألا وهو اتباع أهل الغرب.
نعم! إنه اتباع أهل الغرب، الداء الذي دب إلينا دبيب الحمى إلى الأجسام، والذي أمره أشد من سيلان الماء المتدفق من الأنهار لاتترك شجرة بجذعها، وأحجارا بصلبها، وديارا بأصلها. وليس اتباع أهل الغرب إلا آلة ومعوال الهدم للمجد الإسلامي بما فيه من القيم والأخلاق الفاضلة.
ومما يصهر القلوب، ويدمع العيون، أننا لم نكتف بالاتتباع فحسب، بل إنما تفاخرنا به أشد الافتخار. تفاخرنا به في مشربنا و مأكلناوملبسنا و مفخرنا وجميع شؤون حياتنا، وظننا أن المشارف والقيم لايملكها قوم دونهم، رغم أنهم أذل قوم وأقلهم حياءا، وأنقصهم وفاءا، وأبعدهم للناس محبة.
وإننا لا نوجه الخطاب إلى الأمم الأخرى، وكيف نوجه؟! وإن أمتنا الإسلام قد أصبح جلهم يسلكون نفس السبيل، وينظرون إلى كل فرقة تسلك سبيلا غير السبيلالذي يسلكونه بنظرة الازدراء والاحتقار، ويضحكون منه ما يضحك الرجل عند سماع الفكاهات، أو إبصار مجنون رث الحال، ممزق لباسه، ومستبشع وجهه، يصيح تارة ويضحك تارة أخرى.
ومع الأسف الشديد أن أمتنا الإسلامية مع تعليماتها الطيبة، وقيمها العالية التي أورثناها الله من محمد صلى الله عليه وسلم طفقوا يعظمون كل من يبدو أمامهم وهو محلق لحيته، ومضيق ملبسه، يتأبط حقيبة صغيرة، ويفتح فاه فوق ما يطيقه تشبها بأهل الغرب، ويلقون إليه نظرة فيها كل معاني الإجلال والتعظيم كما يلقي الغلام النظر إلى سيده بين رفهايته ونعمه.
وإن هذا ليدل على ضعف الإيمان والبعد عن شعائر الإسلام، وعلى تقييد أذهاننا بقيودهم التي يعبثون ويلعبون بها، ويركضونها كما تركض الكرة بين أقدام اللاعبين في الميدان. وليس ذلك إلا أننا محاطون بمخترعاتهم ومنتجاتهم التي ليست هي إلا نصاب وحبال نسجت وفرشت وغطت بأجمل الحصائر وألين الحرائر، ولكن الواقع فيه سيفقد عقله وفكره وحسه ومشاعره كما تفقد الغزالة روحها إذا وقعت في حبال الصياد.
ولكن ماذا رأينا منهم حتى نتبعهم؟! وأي صفات يتصفون بها وأخلاق يتلخقونها حتى نجعلهم قدوة نقتدي بهم ومرجعا نرجع في جميع شؤون إليهم؟! وماذا رأينا في ديننا الإسلام من النقائص حتى نلئمها باتباعهم؟! ألم يكونوا من قبل تائهين في ظلمة الجهل والهمجية والوحشة فأخرجهم الإسلام مما كانوا فيه، وأضاء لهم الطرق، وأنار لهم السبل؟! ألم يكونوا -ولا يزالون - يأكلون بعضهم لحم بعض فنهاهم الإسلام عن ذالك؟!
وماذا ارتقينا وانتفعنا باتباعهم؟! كنا نحن السادة لنا الأمر إذا أمرنا، إن نادينا لبانا الدهر، وإن كبرنا تزلزلت الأرض. أما اليوم فأصبحنا نستنهض الصفوف لكل من يمر بنا من ركب الغربيين، ونسوي لهم الثياب، ونخضع لهم الأعناق. وإن نظروناشزرين ألصقنا معاطسنا بالرغام، ودسسنا وجوهنا في التراب، وجثونا على ركبنا ذلا وهوانا؛ أحوال لو أبصرها مسلم من القرون الماضية لذهبت بلبه، وطارت بشظايا قلبه.
زعمنا أنا نتبعهم لنقيم العدل، فأسألك بالله هل أقاموا العدل هم أنفسهم حتى يقيمها من يتبعهم؟! أين العدل والإنصاف الذي يزعمون أنهم هم الذي نصبوه وجعلوا له مأوى ومقرا؟! إنهم ليسجنون الرجل على كسرة خبز سرقها ليقيم بها صلب أهله، ويتساهون عن رجل هتك آلاف ألوف أعراض البشرية ليسد بها شهواته التي لاتسد أبدا.
وإنهم ليحثون الإنسان على الرحمة بالحيوان من القطط والكلاب، ويتناسون تلك الأيامى التي سلبهم الدهر كل ما عندهم ولم تبق لهم إلا أجساما أَبْلَتْها الكوارث والحوادث، وبطونا تطوى حنايا أضلاعها على الجوع، وعيونا لاتملك مدامعها السارية، وقلوبا لاتنبض إلا بالأحزان والآلام. إنهم يستغيثون فلا يجدون مغيثا، ويبكون فلا يجدون رحيما.
وإنهم لينتقدوننا على ذبح الغنائم والبقر في الأعياد، وأياديهم ملطخة بدماء الأبرار من الأطفال والشيوخ والنساء، والله ما بلغوا إلى ما بلغوا إلا بارتقاء سلالم التي أحكمت بالجماجم المحطمة، والأشلاء الممزعة، والدماء المورقة، والأرواح المزهقة. فأين كل هذا من العدل والإنصاف؟! بل أين كل هذا من الإنسانية؟! وما لعالم اليوم متناوم عن كل هذا؟!
نعم إن العالم كله لعبد لهؤلاء الوحوش في فرو الإنسان، فلا ينطق إلا بما يحبون، ولا يكشف منهم إلا الوجهة البيضاء التي هي كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو الرقمة في ذراع الحمار. فتنبه أيها المسلم من هؤلاء الوحوش، واعلم أنك لن تدرك مافاتك إلا بترك الذي كان أخذه سببا لفواتك، وأخذ الذي كان تركه سببا لفوتك، كما أن من يوقد النار يجنبها الماء، ومن أخمد النار صب عليه الماء.