حفظ المتون العلمیة .. بین الماضي والحاضر

حفظ المتون أو المختصرات کما هو المشهور عند القدماء، أمر مستحسن للغایة ويحتضن فوائد جمة لشُداة العلم و طالبي العلوم الشرعیة، بما أنه ينمّي الملكة ويقوّي العقل ويغذّي المادة العلمية لديهم ويعدّ البوّابة الحقيقية للمطوّلات التي تليه، إذ الأساس فیها حفظ المتون، زد على ذلك أنها المعوّل عليها في الفتوى والتدريس وهذا هو الذي كان جعلها حظيَة عند السلف والقدامى.

المتون العلمية هي خلاصة معتصرة من أعمال علمية كبيرة وجهود متواصلة في البناء العلمي، ومن ميزاتها أنها تتضمن الشمول والدقة والإيجاز والفصاحة وسلس العبارة مما يجعل الطالب يرغب إلى حفظها بما وجد فيها من السهولة والمرونة والعذوبة، فإذا حفظها فإنها تساعد في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في نفسه وعقله وتحصينه عن المزلات والحيد عن جادة الصواب، كما أنها تعاون على الضبط والاتقان للعلوم، مع ما تثمر من تقوية الذاكرة، وتنمية الذكاء، وحفظ الوقت، والاعانة على التفوّق على الأقران. وهي تخلو عادة من كل ما يؤدي إلى الاستطراد والتفصيل.

وعلی المتون هم قادرون جني الثمار و قطع القفار واجتیاز البحار. جرّاء ذلک یکون بإمکان طالب العلم أن یجمع شتات المادة العلمية في ذهنه ويوجِد في نفسه استعدادا تامّا للخوض في عمق الموضوع وسبر أغواره والبحث في جزئياته.
و من ثمّ قیل: "من حفظ المتون حاز الفنون"، و" من أراد التبّحر في العلوم، فليحفظ المتون" و "من حفظ الأصول، ضمن الوصول" إلى غير ذلك من الأمثال الشائعة على الألسنة.
ولا تدخل فيما ذكرنا المتون التي بالغ أصحابها في الإيجاز والاقتصار والاعتصار حتى خرجوا بها من حيّز الاختصار وأدخلوها في حظيرة الألغاز والأحاجي!
 ممکن أن يتراءى للناظرین أن حفظ المتون من أصعب الأمور وأشکل المشاکل، بيد أنها سهلة الاستحضار، قریبة الاستذکار، جامعة للبّ المادة العلمیة و مغزاها ومختصرة ألفاظها وعباراتها، شریطة أن یبرمج لها الطالب ویفهم معانيها بقدر المستطاع، فیجدّ جده ویکدّ کدّه في سبيل استحضارها.

المتون هي جمع متن، والمتن هو كلمات مختصرة تجمع المبادئ الأساسية لفن من الفنون، نظماً كان أو نثراً، بايجاز واجمال في الألفاظ، مع كثرة المعاني وسهولة اللفظ وحسن العبارة. 
والمتون تنقسم إلى قسمين:

١. المتون المنثورة وهي الأكثر.

٢. المتون المنظومة في أبيات الشعر وتسمّى "الشعر التعليمي".

 من المؤسف جداً أنّنا ضیّعنا المتون وأغفلناها وأهملناها، بینما کان طلاب العلم فی سابق الأزمان وسوالف العصور لا یقرؤون فنّا إلا بعد حفظ متنٍ فیه، فبلغوا من العلم ما بلغوا، برعوا في الفنون والمهارات ما برعوا، حتی صرنا لا نحلم أن نبلغ مبلغ علمهم و غزارة مادتهم وعلوّ کعبهم وتضلعهم من أنواع العلوم وأفانین الفنون.
والشيء الذي ينبغي الإشادة به، هو أنه ینبغي لطالب العلم حفظ المتون والمختصرات ولو لم یفهم معانيها، فسوف یأتی وقت یفهمها إن‌شاء‌الله، فإنه إذا کانت الحافظة تُسعِف فحفظ المتون نعمة من نِعم الله. 
وعلی سبیل المثال، الذي یحفظ متناً فقهیّاً لا شك أنه تکون عباراته قویة و متینة و مستنَدَة. 
 و العالم مهما بلغ رتبة عالیة فلا يستغني عن هذه المتون التي قد تم حفظها في الصغر. وقد تكثر الحاجة إليه في هذا العصر الذي انتشرت فيه الفوضوية في العلم والعزو إليه ممن ليس له فيه فتيل ولا نصيب، فأصبح الاعتناء بها أكثر أهمية عن ذي قبل، كيف لا وقد كسحت الهمم وبردت العزائم وخارت القوىٰ.
يقول بعضهم في إنسان يحثّه على حفظ المتون وعدم الاعتماد على الكتب:

الماء يغرقها والنار تحرقها  ** والفأر يخرقها واللص يسرقها

ومن ثمة، فحفظ المتون استراتيجية أساسية لابدّ أن تتبنّاه المدارس والمعاهد العلمية وأن يحظي مكانته اللائقة لديها، وتكرّس جهود المعنيين بها على أن يعقدوا بهذا الصدد دورات وكورسات ومسابقات لحفظ المتون المختارة الأساسية، و تخصّص جوائز نفيسة للحفظة الفائزين في هذه المسابقات أو الدورات لتشحيذ الهمم وتحريض الجيل الناشئ على حفضها واستحضارها، وقد قام بهذا المهم بعض المعاهد في دول الخليج ولله الحمد.

 

محمد الثانی (نارویی)

کاتب حرٌّ
کاتب و مترجم
مجموع المواد : 3
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن

اكتب معنا


يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

أرسل من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020