الطريقة الصحيحة لإظهار محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

الشهر الذي نحن فيه هو شهر ربيع الأول، والذي له مناسبة خاصة بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث إن ولادته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقع فيه، ولقد هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة إلى مدينة المنورة في هذا الشهر، وقد رحل من هذه الدنيا إلى الآخرة في هذا الشهر، فبناء على ذلك يقال: إن هذا الشهر له مناسبة خاصة بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ

          وقد جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ حبه موقوفا على اتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال ـ عز وجل ـ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[1].

فإن هذه الآية واضحة في دلالتها على أن من أراد أن يحصل حب الله، ويحبه الله، ويغفرله ذنوبه، فلا سبيل أمامه سوى اتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكل من نطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله، يجب أن يكون حب الله وحب رسوله ـ صلى الله عليه وسلم أكثر من حب من سواهما، فيقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدَيْهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"[2]. فحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو جزء أساسي في الإيمان، فلا إيمان لمن لم يحب الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

          فحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتضي من كل مسلم أن لا ينقضي يوم ولا ليل، ولا لحظة دون ذكره ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأن يكون قلب المؤمن معطرا بحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن هذا الشهر منسوب خاص إلى سيرته ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيتم إحياء ذكرى سيرته وشخصيته ـ عليه الصلاة والسلام ـ من عدة طرق.

          ومما لا شك أن التعبير عن الحب، وإظهاره أيضا من مقتضيات المحبة، فمحبة الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي جزء أساسي من الإيمان، وفي ونفس الوقت ذاته هي معراج المؤمن. فكما أن الشخص لا يطمئن قلبه دون ذكر حبيبه في الدنيا، كذلك لا اطمئنان لقلب المؤمن دون ذكر حب الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا ما يقتضي حب الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كل مؤمن ومسلم. لكن السؤال الذي حير عقول العاقلين، وجعلهم يتفكرون في إجابته، هو ما هي الطريقة الصحيحة للتعبير عن حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟

          في الحقيقة إن الحب له عدة أنواع، فحب الأب مع الأولاد، وحب الأولاد مع الوالدين، وحب الأستاذ مع الطالب، وحب الطالب مع الأستاذ، وحب الشيخ مع المريد، وحب المريد مع الشيخ، وحب الزوج مع الزوجة، وحب الزوجة مع الزوج. فالتعبير عن كل حب من هذه الأنواع يعتمد على طريقة خاصة، فلا يمكن أن يكون التعبير عن الحب أمام الأستاذ مثل حبه مع الأولاد، أو بالعكس، وقد تكون هذه الطريقة سبب إساءته له.

          لكن الأمر المشترك للتعبير عن الحب من بين أنواعه هو أنه ينظر في التعبير عنه مكانة المحبوب ومرتبته، ومعرفة ما يحبه المحبوب، فإن عرف المحب مكانة محبوبه وما يحبه المحبوب، فإنه يتمكن كبل سهولة من تعبير حبه بطريقة حسنة، والتي يقتضيها المقام.

          فدائما لما أردنا إظهار محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نضع أمامنا هذين الأصولين، لا يدخل تعبيرنا عن حبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في زمرة الإساءة. فالطريقة التي هي مروجة حاليا في بلدنا عن إظهار محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل هي طريقة صحيحة، أم أنها طريقة خاطئة. فزمام الحكم عليها بصحة وبخطأ في يدك، وأنت أمام كفة الميزان، فانظر ما ذا ترى فيها!؟

          من طرق إظهار محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إعداد أعلام ورقية يكتب عليها الكلمة الطيبة، واسم الله ورسوله،  فتعلق على الأماكن المرتفعة على الشوارع والطرق وعلى جدران البيوت، والمساجد، ثم بعد عدة أيام نفس الأعلام تكون ساقطة على الأرض، فتداس بالأقدام. بالله عليك، أليست هذه إساءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث لم تكن مرتبة النبي ومكانته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ملحوظة في هذه الطريقة.

          من طرقها اختيار الأمور التي لم يحبها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، مثل إيذاء الإنسان، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع من قطع الشجرة، والعلة فيه هو أن الإنسان يستظل بها، فيحرم من ظلها. وقد منع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رمي الأوساخ والقاذورات على الطرق لأنها تسبب إيذاء المارين، حتى جعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وجعل إماطة الأذى عن الطريق داخل الإيماء وجزءه، كما هو في صحيح المسلم: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"[3]. فعند ما يخرج الناس معبرين عن حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شكل الموكب وفي شكل المسيرة على الطرق، فيتأذى الناس لا محالة، ويتأثر سير المرور، وتغلق الطرق والشوارع بحواجز. أليس هذا مما لا يحبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ

          ثم ليس هذا فحسب، بل هنالك تشغل الأناشيد بصوت جهوري، فيتأذى المريض وغيره، وهذا الأمر أيضا لم يكن ممدوحا في الشرع، بل هو مذموم فيه، والدليل على ذلك هو رواية مقداد ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه يقول: "فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ"[4]. حتى تلاوة القرآن الكريم بصوت جهوري أيضا في بعض الأماكن وفي بعض الأوقات لا يكون ممدوحا، كما في جاء في حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رضي الله تعالى عنه ـ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُون بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَكَشَفَ السُّتُورَ، وَقَالَ: "إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعَنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ"[5].

          فماذا ترى في التكبير!؟ طبعا، لا ينكر أحد به، بل هو عبادة، ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع صحابته من التكبير بصوت جهوري، كما جاء في حديث أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَصَعِدْنَا وَادِيًا فَلَمَّا هَبَطُوا فِيهِ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَةٍ - أَوْ بَغْلٍ - فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا"[6]. فليس بمعنى أن التكبير بصوت جهوري ممنوع منعا باتا، بل هو مباح، إلا أنه بصوت جهوري عند ما يكون فيه إيذاء الآخرين، فحينئذ بصوت جهوري غير ممدوح. فكيف يؤذن لتشغيل الأناشيد بصوت يوقظ النائمين، بل لا يتركهم للنوم، ولو للحظة واحدة.

          ومن الأمور التي لم يحبها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الإسراف، ولقد جاء منعه في حوالي عشرين آية من القرآن الكريم، حتى منعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الإسراف في الصدقة، حيث قال: "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ"[7]. ومعنى الإسراف في الصدقة هو أن الإنفاق يكون أكثر من الحاجة، أو أن المنفق يتصدق إلى هذه الدرجة حتى بنفسه يبسط يديه أمام الآخرين، فما يحدث في شهر ربيع الأول بمناسبة الاحتفال بمولد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يخفى على أحد، بل إنه يدخل في الأمور التي لا يحبها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

          لا يمنع أحد المسلمين من إظهار محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الشهر المبارك، ولكن ليكن في دائرة الشرع، حتى يفيد الناس من حيث الدين. فهنالك عدة طرق لإظهار محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكني أكتفي بثلاث طرق، وهي كالتالي:

الطريقة الأولى:

          فليكن الاهتمام بكتب سيرة  الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومطالعتها، ونوسع دائرة الاهتمام إلى الأولاد وإلى الإخوة وعامة الناس، فنشتري بعض الكتيبات حول سيرته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحول سيرة أصحابه ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ ثم نوزعها على الإخوة والأصدقاء، ونطالب منهم باستيعاب مطالعتهم، والكتب موجودة في كل لغة من اللغات المروجة في بلدنا، فإن هذه الطريقة مفيدة لنا جميعا من حيث الدنيا والدين.

الطريقة الثانية:

          نهتم بإيصال تعليمات نبوية ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى شبابنا، وإلى زملائنا، وإخوتنا عن طريق حفلات تعقد، ويعظهم فيها الواعظون، والخطباء، وبهذه الطريقة تنتشر تعليمات نبوية ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الشعب، وبين أولئك الذين أشغلوا أنفسهم في أمور الدنيا بعيدين عن الدين، فيقتربون بهذه الطريقة، وتبقى قلوبهم معطرة بحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وبحب صحابته ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ.

الطريقة الثالثة:

          والطريقة الثالثة لإظهار حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما رغبها رسولنا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بنفسه، وهي كثرة الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنجعل بيئة كي يصلي على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكثيرون من الإخوة صلاة، ثم إن صلاة الأمة تعرض علي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكون سببا لحصول شفاعته ـ عليه الصلاة والسلام ـ يوم القيامة.

أسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يرزقنا حبه وحب حبيبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحب أحباء حبيبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأن يعمر قلوبنا بحبه وبحب حبيبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن يثبت قلوبنا على طاعته، وأن يجعلنا في معيته ـ عليه الصلاة والسلام ـ يوم لا ظل إلا ظله.

 

[1] - سورة آل عمران، الآية: 31.

[2] - الجامع، معمر بن أبي عمرو راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن (المتوفى: 153هـ)

محقق: حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي بباكستان، وتوزيع المكتب الإسلامي ببيروت، ط: 2، 1403 هـ: 11/200.

[3] - صحيح مسلم: 1/63.

[4] -  مسند ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235هـ)، محقق: عادل بن يوسف العزازي و أحمد بن فريد المزيدي،  دار الوطن – الرياض، ط: الأولى، 1997م: 1/330.

[5] -  مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ) محقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، 1421 هـ - 2001 م: 18/392.

 

[6] -  مسند أبي داود ، أبو داود سليمان بن داود بن الجارود البصرى (المتوفى: 204هـ)، محقق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي،  دار هجر – مصر، ط: الأولى، 1419 هـ - 1999 م: 1/397.

[7] - صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، محقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط: الأولى، 1422هـ: 7/140.

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 286
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019