كيف نتعامل مع السيرة النبوية؟

في شهر ربيع الأول من كل عام هجري، يشهد العالم الإسلامي الكثير من البرامج المنوعة للاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، حيث يتبارى الوعاظ في إلقاء الخطب بالمساجد والمراكز الدينية والنوادي الأدبية والثقافية لتذكير الجماهير الحاشدة من المسلمين بمكانة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وشمائله الكريمة، وبما يجب عليهم تجاهه من محبة وتوقير وطاعة.. الخ.. وتدبج أقلام الأدباء أروع المقالات وتتفتق قرائح الشعراء عن أرق القصائد في مديح الرسول، تزدان بها صفحات أو ملاحق خاصة من الجرائد والمجلات بهدف إتحاف القراء في هذه المناسبة العزيزة بباقة من أبرز جوانب العظمة في شخصية الرسول الفذة.

وربما لا يختلف اثنان على أن الهدف الرئيس من الاحتفاء بمناسبة المولد النبوي الشريف هو التنويه بضرورة تجديد إيمانه بالله وعهد باتباع الرسول، مشفوعا بالسعي الجاد إلى إعادة هندسة ذاته فكرا وسلوكا على طراز أسوته الحسنة، حتى تشع حياته نورا وهدى ورحمة وسلاما لكل ما حوله، ولمن يتعايش معه تماما كما كانت حياة الرسول الأكرم وصحابته الكرام.

إن «الشخصية المحمدية» نجحت منذ ما يربو على 14 قرنا بدرجة غير مسبوقة وخارقة للعادة في كافة المجالات المادية والمعنوية، إذ تحولت جزيرة العرب بقوة أفكارها وأقوالها وأفعالها إلى «مصنع الأبطال» على حد تعبير المستشرق فيليب حتي، وتحول أتباعها من «رعاة الإبل» إلى «بناة حضارة إنسانية عالمية» سادت وقادت معظم شعوب الأرض قرابة ألف عام أو أكثر، لِم لم تعد هذه السيرة تلهم اليوم أتباعها المتجاوز عددهم المليار نسمة بما يرفعهم فكرا ويميزهم سلوكا عن غيرهم ويجعلهم سباقين إلى فعل الخيرات وصنع أنبل البطولات مثل أسلافهم؟!

إن السبب وراء هذا البون الشاسع بين «الأمس» و«اليوم» يرجع في رأيي إلى أن غالبية المسلمين بعد خير القرون الأولى تناولوا السيرة النبوية بمنظار «العظمة المحمدية» التي صارت من الحقائق المسلم بها لدى كل المؤرخين.. إذ يبدو وكأنهم بمجرد حكم الانتماء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، باتوا يعتبرون أنفسهم، بوعي أو دون وعي، ورثة كل أمجاده ومنجزاته العظيمة كما لو كانوا هم شركاء فاعلين فيها، وبهذا المنظار الذهني، أصبح التفنن في الحديث عن «عظمة الشخصية المحمدية» في شتى المناسبات، يعطيهم كأمة شعورا «مخدرا» بالتفوق على الشعوب والأمم المتقدمة فعلا في معترك الحياة الحقيقي.. ما جعل منهم في الأعم الأغلب أمة خاملة قولها أكثر من فعلها وأملها أكبر من عملها وأمانيها أضخم من مساعيها وتلك هي الحالة النفسية التي وصف الله أصحابها في القرآن الكريم بقوله: (ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا ...)، «سورة آل عمران، الآية 188».

من الظواهر التي تؤرق علماء الدين والمصلحين الاجتماعيين أن الفعاليات الاحتفالية السنوية بذكرى المولد النبوي الشريف على ضخامتها وشمولها وتنوعها ونجاحها الظاهر لم تنجح في تحقيق هدفها المنشود البتة. فما تعانيه الأمة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا من تدهور وانحلال مستمر في أخلاق بنيها وبناتها على كافة المستويات الفردية والجماعية من جهة، وما يسود المجتمعات المسلمة من ممارسات التطرف العنيف والتناحر الداخلي والبغي والفساد المتنافية تماما مع التأسي برسول الرحمة من جهة أخرى؛ يكفي دليلا على ذلك.

ومن هنا قد يتساءل البعض: تُرى، هل فقدت شخصية محمد «العظيمة» أو السيرة النبوية جاذبيتها وتأثيرها الفعلي في حياة المسلمين المعاصرين على الرغم من كونهم يتغنون، شعرا ونثرا، بأمجاده الخالدة ومآثره التالدة عشية إحياء ذكرى مولده وإسرائه ومعراجه وهجرته كل سنة وبحماس مشبع بتوقير ليس له نظير؟!

المشكلة ليست في السيرة النبوية، وإنما في أسلوب تناولها قراءة وفهما وعرضا وتمثلا. فالمنظار الصحيح للتعامل معها هو الذي يركز على «العبودية المحمدية» بدلا من «العظمة المحمدية». وقد يبدو هذا فارقا لفظيا محضا في ظاهره، ولكنه فارق جوهري وحاسم جدا، فهو الذي صنع الفرق بين ماضي المسلمين المشرق وحاضرهم الكئيب، بحيث إن التركيز على جانب «العبودية» دفع الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وتابعيهم إلى حسن التأسي والاقتداء به يحدوهم الشعور بالمسؤولية وخشية المساءلة أمام الله؛ بينما التركيز على جانب «العظمة» دفع جمهور المسلمين فيما بعد إلى مجرد التباهي والاعتزاز بإنجازاته وكمالاته التي لا شأن لهم بها. وربما لهذا السبب ذاته ذكر الله نبيه في كتابه الكريم بوصف «العبودية» على أنه أهم وأبرز مقاماته. كما في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) (سورة الإسراء:1) ولم يرد في القرآن لفظ «العظيم» في معرض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة فقط، وهو الآخر ليس وصفا لشخصه وإنما لأخلاقه الفاضلة قال تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) (سورة القلم، الآية 4).. وكذلك شدد الرسول صلى الله عليه وسلم بدوره على ضرورة الحديث عنه بنفس هذا المنظار الذهني المرتكز على «عبوديته» دون «عظمته»..

فقد جاء في صحيح البخاري (الحديث رقم 3445) أنه قال: «أيها الناس، لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».

ولدوام سيطرة هذا الشعور ب «العبودية المطلقة الخالصة» على فكره ووجدانه، نجده صلى الله عليه وسلم يكظم غيظه ويعفو عن من قصرت في حقه قائلا: «لولا خشية القود يوم القيامة، لأوجعتك بهذا السواك» الأدب المفرد للبخاري، كما نراه حين يدخل مكة فاتحا ومعه أكثر من عشرة آلاف مقاتل لا يعتريه نشوة الظفر كعادة الغزاة المنتصرين في مثل هذا الموقف وإنما ينحني رأسه تواضعا وخشوعا حتى يلامس رقبة ناقته وهو يردد : «الحمد لله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه» ويعلن يومئذ «العفو العام» حتى عن ألد أعدائه وبالتالي يحول ما كاد أن يكون «يوم الملحمة الدامية» إلى «يوم المرحمة الشاملة».. لقد كان رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بحق أعظم عظماء التاريخ البشري على الإطلاق حسب المعايير الإنسانية البحتة.

ومن ثم وضعه العالم الأميركي مايكل هارت في كتابه الشهير:

(المائة-تصنيف الأشخاص الأكثر تأثيرا في التاريخ 1978) على رأس قائمة «الـ 100» الأوائل، لكونه صلى الله عليه وسلم قد حقق نجاحا خارقا» في جميع مناحي الحياة الدينية والدنيوية .. ولكن سر عظمته»، حسب المنظور الرباني أو القرآني، إنما يكمن في شعوره العميق والدائم بالعبودية المطلقة» لرب العالمين، وبمعيار «العبودية» هذا لا غير كان محمد صلى الله عليه وسلم وسيبقى أبد الدهر القدوة المثلى والأسوة الحسنة الخالدة للمسلمين وللبشرية جمعاء، قال تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ». (سورة الأحزاب: 21).

 

نشرت في الاتحاد، الاثنين، 17 ربيع الأول 1437هـ، الموافق 28 ديسمبر 2015م

أبو صالح أنيس لقمان الندوي

رئيس إدارة البحوث والترجمة بمؤسسة سدرة لدمج ذوي الإعاقة
أبو صالح أنيس لقمان الندوي هو رئيس إدارة البحوث بمؤسسة سدرة لدمج ذوي الإعاقة (أصحاب الهمم)، حيث يدعم فريق المؤسسة بطرق متنوعة كمهني واسع الخبرة.
لديه ما يربو على 25 عاما من الخبرة في مجال التربية والتعليم والتوعية، ويعتبر أول غير عربي مرخص له من قبل وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات بتدريس اللغة العربية.
وقد ترجم إلى العربية وشارك في تأليف العديد من الكتب باللغة الأردية والإنجليزية حول قضايا مهمة.
وهو عضو في العديد من اللجان الاستشارية ولجان التحكيم، منها: فريق الاعتماد الأكاديمي بوزارة التربية، ولجنة التحكيم في جائزة الشيخ محمد بن راشد للغة العربية، ومستشار أكاديمي فخري لمدرسة أبو ظبي الهندية.
تخرج الأستاذ الدكتور أبو صالح عام 1985م في دار العلوم ندوة العلماء، مدينة لكناو في الهند، حيث تخصص في الأدب العربي وعلوم الشريعة الإسلامية.
والأستاذ من الغيورين على العربية الفصحى والمنادين بحرقة وإخلاص بحشد الطاقات وتكريس الجهود على كافة المستويات لأجل حمايتها مما يسميها "التلوث اللغوي" الذي يكاد يذهب ببريقها وينخر جذورها الأصيلة.. ويحث على الالتزام بالفصحى كتابةً وتحدثا كواجب وطني وديني وثقافي ومهني.

مجموع المواد : 11
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019