أموت بعيدا عن دياري وعن أهلي

أَموتُ بَعيداً عَن دياري وَعَن أَهلي
فَمَن يا ترى يَبكي حواليَّ من أَجلي
أَموت غَريباً في رَبيع شَبيبَتي
وَلا صاحبٌ عندي يمرّض أَو يسلي
سَيَقتادُني حتفي إلى الرمس صاغِراً
وَيقطع عَن دنياي سيف الردى حبلي
غداة غدٍ يا لهف نَفسي عَلى غد
يتم عَلى الأيدي إلى حفرة نَقلي
فيحمل نَعشي بعد غسل جنازَتي
إلى القبر ناس لا يهمهمُ حملي
إلى حيث لا شمس النهار مطلة
وَلا اللَيل نظّارٌ بأعينه النجل
إلى جدث داجي القرارة ضيقٍ
يجاور أَجداثاً بُنينَ عَلى تل
غَريب يريد الموت بتلَ حَياته
فَللَّه ما يلقي الغَريب من البتل
سلام عَلى الدنيا سلام عَلى المنى
سلام عَلى المأوى سلام عَلى الأهل
سلام عَلى وادي السلام وَمائه
سلام عَلى الحي المخيم في الرمل
سلام عَلى الشمس المضيئة في الضحى
سَلام عَلى ريح الصبا عقب الوبل
أَلا لَيتَ شعري هَل دجيلٌ كعهده
وَهل سمرات الرمل وارفة الظل
وَهَل حيُّنا منه بذي الأثل نازلٌ
كَما كانَ أَم هَل غادر الحيُّ ذا الأثل
وَهَل عرصات الحي بعدُ عذيةٌ
وَهَل جنبات الحي باسقةُ النخل
لعمرك لا ظل الطريفاء قالصٌ
نهاراً وَلا ماء الطريفاء بالضحل
بلاد سكناها وَنحن من الحمى
بحيث النَسيم الطلق يعبث بالطل
بحيث الرضى معشوشبٌ في رَبيعه
بروضٍ كَما شاءَت مُنى النفس مخضَّل
بلاد بها حَزْنٌ وَسهلٌ تقابلا
فَيا لَك من حزنٍ وَيا لك من سهل
هنالك أَهلي الأقربون فَما بهم
بمجتمعٍ يا نفس بعد الردى شملي
أَموت نعم إني أَموت ومن يَعش
فَلا بد من يوم يموت به مثلي
فَما لي أَراني جازِعاً من منيتي
كأَن لَم يمت في غربةٍ أَحد قَبلي
جزعت لأني للمقابِر راحلٌ
وأَكثر سكان المقابر من شكلي
يدبّ البلى في الجسم منيَ سارياً
مَع الترب من بعضي لبعضي إلى كلِّي
إذا كانَ أَصلي من تراب فإنني
سأَرجع فيه بعد مَوتي إلى أَصلي
لَقَد قالَ ناسٌ شاهدونيَ أنَّني
مصابٌ بداء السل وَيلي منَ السل
وَقالوا التمس فيه طَبيباً مداوياً
فعلك تُشفَى منه قلت لهم علِّي
تجرعتُ كأساً للتغرب مرةً
إلى اليوم في بَطني مرارتها تغلي
ومن بات مسلولاً بمنزل غربة
فإن لَياليه تُمِرُّ وَلا تُحلي
أَتاني كتاب من أبي يستعيدني
فَيا أَبتا إني عن العود في شغل
وَيا أبتا أَخبر حناناً أميمتي
بأنيَ زلِّت بي إلى هوَّةٍ رجلي
وَيا أبتا أنبئ جناناً حليلَتي
بأنيَ مودٍ فلتحافظ عَلى طِفلي
بُنَيَّ رضى عش في سَلامٍ فإنما
حَياتك بعدي يا رضى منتهى سؤلي
فلما قضى نحباً وَطارَ نعيُّهُ
إلى أبويه ضيَّعا الرشدَ من ذهل
فَباتَ أبوه مصلح الدين جازعاً
عَلى نجله البرّ الوَحيد أبي الفضل
وَصكت حنانٌ أمُّه الوجه للأسى
وَعضت بأَطراف البنان من الثكل
عَلى رأسها تحثو التراب بكفها
وَتذرف عَيناها مدامع كالوبل
وَتَمشي بأقدام ضعفن عَن الخطى
إلى زوجها مشيَ المقيَّدِ في الوحل
تَقول له أَنتَ المغرّب لابننا
فأرجعه لي يا بعل واجمع به شَملي
بُنيَّ ليؤذيني عَلى رزئك الأسى
بُنَيَّ وَيغلي في فؤاديَ كالمهل
وَلَو كانَ خطبي فيك سهلاً حملته
بُنيّ ولكن لَيسَ خطبيَ بالسهل
مشيتَ حثيثاً في شبابك للردى
فَيا أَيُّها الماشي حثيثاً عَلى مهل
برغم حنان أَهلك الدهر نجلها
وأَبكى حناناً من حنان عَلى النجل
وأما جنان فَهي عند سماعها
حَديث وَفاة البعل ناحَت عَلى البعل
وَشب الأسى في قَلبها متسرِّعاً
إليه شبوب النار في الحطب الجزل
ذَوى وردُ خديها وبدل لونه
سواد بعينيها يَنوب عَن الكحل
وَخرت عَلى وجه التراب يرجها
غياب وَقالَت وَهي كالشَمس في الأفل
يَقول أناس لي أبو الفضل ميت
لَقَد كذبوا ما مات قط أبو الفضل
لَقَد كذبوا هَذا أبو الفضل قادم
إليَّ سليم الجسم يَمشي عَلى الرجل
لَقَد كذبوا هذا أبو الفضل شخصه
أَتانيَ هش الوجه يَهتز كالنصل
جَميلاً يحييني تبسُّمُه كَما
يحيي التراب البرق في البلد المحل
وفيت بوعد في الرجوع إلي يا
أَبا الفضل لكن بعد طولٍ من المطل
لأنت هوى نَفسي وأَنتَ سرورها
وأَنتَ رَبيع النفس في سنة الأزل
وَدامَت كَذا في حلمها نصف ساعة
فَلما أفاقت منه كانَت بِلا عقل
وَعاشَت لأسبوعين خائرة القوى
تبيت بلا نوم وَتُمسي بلا أَكل
يجيء إليها مصلح الدين سائلاً
فتستر عنه الوجه بالشعر الجثل
وَتوسعه شتماً وبعد دقائق
تقبِّلُ في خضْعٍ يديه وَفي ذلِّ
وَتضحك في الجلَّى وَتَبكي مصابها
بدمع كأمثال اللآلئ منهلِّ
إلى أَن أَتاها الموت يَحبو فَصادَفَت
نجاة به من أَزمة السقم وَالخبل
لَقَد كانَ بعد البعل غلاً حَياتها
فأطلقها كفُّ المَنايا من الغلّ