شتاءٌ وَريحٌ في دجى اللَيل زعزعُ
يَكاد بها سقفُ المنازل يقلعُ
وَرعدٌ يصمُّ الأذْنَ صوتُ دويِّهِ
وَبرقُ سحابٍ بالتتابعِ يلمع
لَقَد حاربت بعض الطَبيعة بعضها
فَذال بها الأدنى وَصال المرفع
سماءٌ بداجي اللَيل قد ثار غيظُها
وأرضٌ بما فيها تئنُّ وَتجزع
لَقَد سمعت في ليلة مثل هذه
إلى الباب سُعدى أنه كان يقرع
فَقالَت وَمنها الخوف بادٍ لزوجها
نَديمُ وُقِيتَ الحادثاتِ أتسمع
فَقامَ وَسُعدى خلفه تسرعُ الخطى
إلى الباب يَسعى في الظلام وَيهرع
وَساءل من هَذا الَّذي جاءَ طارِقاً
بحالك ليلٍ كل ما فيه مفزع
أجيب أَن افتح يا نَديمُ فإننا
بأمر من الوالي أتيناك نسرع
وَسر معنا واحضر إليه معجّلاً
خطاك فَما في الوقت فضل يضيع
فَقالَ عَسى أن تمهلونيَ لَيلَتي
إلى صبحها فالليل داج مروع
فَقالوا له لا ريث في الأمر وَالَّذي
تعذرت يا هَذا به لَيسَ ينفع
فَقالَ لسعدى إنني بعد ساعة
إِلَيك فَلا تَخشي عليّ سأَرجع
وَسار عَلى ومض من البرق لامع
يصاحبهم وَالقَلب بالهم موجع
وَفكر طول الدرب في السبب الَّذي
دعاه إِلى الوالي وَلا شيء يقنع
تَرى هَل شَكاني من شرير أَو اِفتَرى
عدوٌّ بضري فارحٌ متمتع
عَلى كل حال فانتزاعي بليلة
تهول كهذي غير ما أتوقع
وأُدخِلَ في دار بها شُرَطٌ لها
رَئيسٌ علي كرسيِّه متربع
فباغته ذاكَ الرَئيس بقوله
لأَنْتَ إِلى فزّان تُنفى وَتُدفع
جزاءَ كلامٍ في الحكومة طاعنٍ
تَفوهُ به بين الأنامِ فيسمع
فجاوبه وَالقَلب للخوف واجفٌ
وَقالَ بصوتٍ راجفٍ يتقطّع
وَربِّك ما هَذا صحيحاً وإنه
لممّا اِفتَراه المرجفون وأبدعوا
وَلَو شئتَ أحضرت الشهود فربما
إذا أبصروا ما بي من الضر أَقلَعوا
ترفق فإني ذو عيال إذا خلا
مَكانيَ ماتوا في المَجاعَة أجمع
فَلي في مقر الدار زوج وأمها
وَطفل صَغير لَم يزل بعد يرضع
ترى أنني يا سيدي لست جازعاً
لِنَفسي وَلا للنفس تاللَه أضرع
فَقالَ له لا تكثرن فإنما
إرادة مَولانا بنفيك تقطع
فَأُركِبَ بعد السجن في الصبح بغلةً
تُساقُ حثيثاً وَهْوَ يَبكي وَيجزع
مَضت ساعةٌ من بعد أخرى مخوفةٌ
وَلكن نديمٌ لَيسَ لِلدار يرجع
فَزادَ الَّذي في قلب سُعدى من الأسى
عَلَيه وأمسى فكرها يتوزع
تَقول بإشفاق وَفي كل ساعة
إلى الباب من شباكها تتطلع
تأَخر يا أُماه بعد ذهابه
نديمٌ وإن الصبح قد كادَ يطلع
وَما طلب الوالي نَديماً وَما له
لعمرك في شأن الحكومة أُصبُع
وإن الَّذي ما زالَ في الكسب شغله
فَلَيسَ لأبواب السياسة يقرع
أَخاف عليه غدر أَعدائه به
ولست بما تسلين يا أم أقنع
وإن فؤادي أوه يا أم فاِعلمي
يكاد عليه بالأسى يتصدع
فَما ذاقَ طعم النوم للصبح عينها
ومن كانَ ينأى إلفه كيف يهجع
فَلما أَضاء الصبح جاء مخبراً
صديق من الجيران وَالعين تدمع
فأخبر سعدى أن قد استيق زوجها
لفزّان منفياً فَما فيه مطمع
فَصاحَت لِنَفسي الويل مِمّا أَصابَني
لَقَد كانَ واحرّاه ما كنت أَفزع
نأوا بنديمي البر عني فلَيتَني
فداء له مِمّا أصابوا وأَوقعوا
فَفي كل عضو لي أَذىً لفراقه
كأن عَلى جِسمي أراقم تلسع
وَلي بين أَحناء الضلوع لفقده
فؤاد بفورات الهموم مروَّع
تضم بتحنانٍ إلى الصدر طفلها
وَتَبكي كَما يَبكي الحزين المفجَّع
وَتسجع من حزن على فقد إلفها
نديمٍ كَما أنَّ الحَمامة تسجع
تصيح وَتدعو يا نديمُ وَقلبُها
يكاد لآلامٍ به يتقطع
أرى كل فتق سوف يرقع وَهيُهُ
وَلَيسَ عَلى الأيام وهيُكَ يرقع
فقدنا بك الأفراحَ وَالجاهَ وَالغنى
جَميعاً فأنف العيش بعدك أَجدع
قد استَسهَلوا نَفي امرئٍ وليسألوا
فؤادي عَن الهم الَّذي أَتجرَّع
فمن ذا وقد أَقصوك عنّا يعولنا
ومن ذا به عنا الطوارئ ندفع
لَقَد كنتَ لي زوجاً وخلاً محامياً
يرد صروف الدهر عني وَيُمنع
سألزم بيتي غير بارزة إلى
فضاءٍ فَلي في الدار مبكىً وَمجزع
تصاحبني في الدار أمي فإن أَبَت
يصاحبني فيها الأنين المرجع
عَلى أنَّني أَهوى الفضاء فإنه
إِذا ضاقَ صَدري بالهموم موسِّع
وأهوى كذاك الشمس فيه لأنها
عليك إذا ما جئت فزانَ تطلع
اذا هَبَّ أرواح النَسيم فإن لي
فؤاداً إلى مرآك يَصبو وَينزع
وَما سكني في الدار بعدك إنها
بِعَيني إذا لم تسكن الدار بلقع
وَلَو كنتُ آهٍ حاضِراً عند سيره
لكنت له بالدمع مني أشيِّع
يعز علينا أَن يَسير لغربة
نَديمٌ وَلا نَمشي إليه نودع
وَهَل نافعي تشييعه في رحيله
إذا كنت فيما بعد ذلك أرجع
وَلكنني أقتص آثار خطوه
وأَمشي وَراء الظاعنين وأتبع
أضم إلى صدري صَغيريَ واجِداً
وأسعى إلى فزان ركضاً وأهرع
نَعيش جميعاً فيه طول حَياتنا
وإن نابنا فقر هنالك مدقع
وَبَعدَ قَليل مرَّ من نفي زوجها
ألمت بها حمَّى تهد وَتصرع
فجنت بها واختل منها شعورها
زماناً إلى ان جاءَها الموت يسرع