مقال مشاهدة

المقامة اللبيدية

الفصل الأول: في بيان أدب التسمية، وسرّ اختيار الاسم، وموقعه في الثقافة العربيّة والإسلاميّة

حدّثني القلم عن سرّ الاسم، ووشوشني الحرف عن كنه التسمية، وقال: إنّ أوّل ما يُبدي المرءَ للناس هو اسمُه، به يُعرف، وعليه يُدعَى، ومن خلاله يُؤثَر أو يُنسَى. فكان الاسم في الشرع الشريف عنوانَ الدين، وفي العُرف العربي رايةَ المجد واليقين.

وقد أجمع أهل العلم على أنّ التسمية نعمةٌ وأمانة، يزرع بها الوالدُ في وليده بذرةَ الصلاح أو جرثومةَ الفساد. قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم»؛ فما الاسم إلا جواز سفر إلى الأبدية، وعنوان على صحائف الخلود.

وكان السلفُ يحرصون على الاسم الكريم لما فيه من أثرٍ على النفس والخلق، حتى قالوا: لكلّ امرئ من اسمه نصيب. ولذا أحبّ النبي ﷺ الأسماء التي تُذكّر بالله وعبوديته: كـ"عبد الله" و"عبد الرحمن"، وغيّر ما كان فيه من ملامح الوثنية أو إشارات الجاهلية، فقال: «أحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة».

ولم يكن الاسم مجرّد لفظ يُطلق على المولود، بل كان في العقل العربيّ القديم رمزاً ومرآة؛ فالاسم عندهم يختصر المسيرة، ويستبطن الرجاء، ويعكس العقيدة. فمن سمّى ابنه "سعيداً" أراد له السعادة، ومن سمّاه "لبيداً" علّق عليه آمال البطولة والشعر والخلود.

وهكذا كان اختيار الشيخ الإمام سليم الله خان يوم بُشِّر بمولد الطفل المبارك، إذ نظر إلى وجه الأب، فرآه مولعاً بالعربية، مشغوفاً بأدبها، محبّاً لتراثها، فقال: "ليُسمّ هذا الوليدُ لبيداً، تيمّناً بالشاعر الصحابي لبيد بن ربيعة، الذي رفع الشعر إلى ذروة البيان، ثم ألقاه عند قدمي القرآن". فكان الاسم إشارة إلى ميراثٍ أدبيّ رفيع، وإلى خطٍّ ممتدّ بين الجاهلية والإسلام، بين الفصاحة والإيمان.

فالاسم – في التصوّر الإسلامي – رسالة متوارثة: يذكّر بالماضي، ويبني الحاضر، ويستشرف المستقبل. وهو رباط بين الفرد وأمّته، وبين الأبناء وسير الأجداد. ومن هنا كانت التسمية علماً من علوم التربية، وفقهاً من فقه الهوية، وصناعة من صناعات النهضة.

ولعمري، إنّ الذي يختار لولده اسم "لبيد" إنما يغرس في قلبه نخلة البيان، ويُهيئه لأن يكون شاعراً في حروفه، خطيباً في بيانه، فقيهاً في لسانه، جامعاً بين العربية ديناً ولساناً، وبين الإسلام روحاً وجناناً.


الفصل الثاني: أدب التسمية في التراث الإسلامي

الأسماء – يا صاحبي – ليست كسائر الألفاظ، تُلقى في الهواء كما تُلقى الحصاة في الصحراء، بل هي بذور القدر، تُزرع في تربة النفس، فتنبت مع العمر، وتثمر مع السنين. وقد علّمنا الإسلام أن الاسم هو أوّل هدية تُعطى للمولود، وهو أولَ سطرٍ يُكتب في صحيفة العمر، وهو أولَ مفتاحٍ يُفتح به باب الهوية.

١ – في سيرة النبي ﷺ

فقد كان رسول الله ﷺ شديد العناية بالأسماء، يحبّ الحَسَن منها ويغيّر القبيح. سَمّى ابنه "إبراهيم" باسم أبي الأنبياء، فجعله امتداداً لسلسلة النبوّة. وغيّر "حَزْناً" إلى "سَهْلاً"، و"عاصية" إلى "جميلة"، و"حَرباً" إلى "سِلماً"؛ لأن الاسم القبيح يُثقل الروح، والاسم الجميل يفتح أبواب البركة. وقال ﷺ: «إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم». فليست التسمية إذاً زينةَ أوراقٍ في السجلات، بل هي شهادةٌ تعرض يوم العرض الأكبر.

٢ – في هدي الصحابة

وكان الصحابة يرون الاسم عنواناً للهمة: فسَمّى أبو بكر ابنته "أسماء"، لتكون ذات اسمٍ حسنٍ مميّز. وسمّى عمر بن الخطاب ابنه "عبد الرحمن"، ليكون عبداً للرحمن، لا للهوى ولا للشيطان. وسمّى علي بن أبي طالب أبناءه "الحسن" و"الحسين"، ليحملوا معنى الحُسن في صورتهم وسيرتهم. وكانوا يرون أن الاسم الجميل يرفع صاحبه في أعين الناس، كما ترفع الرايةُ الجيشَ في أعين الملوك.

٣ – في فقه التسمية

وقد رتّب العلماء للتسمية آداباً، منها: أن يكون الاسم محمود المعنى، بعيداً عن الذمّ والقبح. أن يكون سهل اللفظ، عذب الجرس، لا يثقل على اللسان ولا يُنفر الأذن. أن يعبّر عن الهوية الإسلامية، فيربط صاحبه بالله أو برسوله أو بسلف الأمة. أن يتجنب أسماء الطغاة والجبابرة، أو الألفاظ التي تحمل معاني العبودية لغير الله. ولذلك شاعت أسماء مثل: عبد الله، عبد الرحمن، محمد، أحمد، فاطمة، عائشة، خديجة… وكلها كالجواهر على جبين الزمان.

٤ – الأسماء كرسائل

ولم تكن الأسماء عندهم حروفاً، بل رسائل تربوية يرسلها الآباء للأبناء: إذا سميتَ ابنك "صالحاً"، فإنك تدعوه كل يوم إلى الصلاح. وإذا سميتَه "كريماً"، فإنك تناديه صباحاً ومساءً ليكون جواداً. وإذا سميتَه "لبيداً"، فإنك توقظ فيه تراث الشجاعة والزهد والحكمة. فما الاسم إلا دعوة متكررة، وصوت يتردّد، يكتب على سمع الولد حتى يدخل إلى قلبه.

٥ – التسمية في الأدب العربي

أما الأدباء، فقد جعلوا الأسماء شِعاراتٍ خالدة، وربطوها بالبطولة والمجد. فهذا امرؤ القيس سُمّي به لأنه "ملك الضياع" فكان اسمه يحكي حاله. وهذا لبيد سُمّي كذلك لأنه "لبد" في قومه لا يزول عنهم ولا يتركهم. وكثير من الشعراء كانوا يفاخرون بأسمائهم كما يفاخرون بأشعارهم، لأن الاسم في العرب جزء من المروءة.

٦ – لبيد خان بين التراث والحاضر

فحين سمّاك الشيخ الإمام باسم "لبيد"، لم يكن يختار حروفاً، بل كان يحيي أدب التسمية الإسلامي كله: استحضر سيرة الصحابي الشاعر. ربط الاسم بالتراث العربي والإسلامي. جعل الاسم رسالةً لك ولعقِبك: أن تكون فارساً بالعربية، وزاهداً في زخارفها، كما كان سلفك. وهكذا صار اسم لبيد خان لوحةً تجمع بين الحديث النبوي وفقه السلف وبلاغة الأدباء، ليكون قدراً يُكتب مع السنين، لا لقباً يُمحى مع الأيام.


الفصل الثالث: الجامعة الفاروقية منارة العربية

يا صاحبي، إنّ للمؤسسات أرواحاً كما للأفراد، وإنّ الجامعات ليست جدراناً من طينٍ وحجر، بل هي معابد للعلم، ومصابيح للهدى، ومصانع للأجيال. ومن هذه المنائر التي أضاءت في أرض السند، وتلألأت في سماء باكستان، الجامعة الفاروقية، التي صارت في عيني كالكعبة للعربية، وكالمدينة للحديث النبوي، وكالأزهر لمصر.

١ – صورة من الداخل

كنتُ أطأ عتباتها كل صباح، فأجد الساحة تموج بالطلاب من كل صوب، كأنهم نهرٌ يجري في مجراه. تتردّد أصوات القرآن من أركانها، فتخالها حدائق من التسبيح، وتسمع وقع الأقدام في أروقتها، فكأنها قوافل تهاجر في سبيل العلم. وإذا دخلتَ قاعة الدرس، رأيتَ القلوب منصتةً، والعيون مشدودة، والدفاتر كالأرض العطشى تنتظر المطر.

٢ – العربية في الفاروقية

ولقد شاء الله أن تكون العربية فيها لغة العلم والدعوة، لا لغةً هامشية ولا ترفاً مدرسياً. كنتُ أقرأ على طلابها كتب الأدب كما تُقرأ في بغداد أيام الرشيد، وأحلّل نصوص الحديث كما تُحلَّل في المدينة أيام البخاري ومسلم. وكانت الفاروقية تُشعرني أن العربية لم تزل حية، وأنها لم تُدفن في بطون القواميس، بل تجري على الألسن كما يجري الماء في الجداول.

٣ – دوري في نهضتها

ولم يكن لي في هذا المقام إلا أن أكون ساعياً في إحيائها: فأدرتُ مجلة "الفاروق العربية"، وجعلتها لساناً ناطقاً بالعربية في أرضٍ تُحبّ الأوردية. وأشرفتُ على معهد اللغة العربية، فكان بيتاً للتعبير، ومختبراً للتجريب. وجلستُ سكرتيراً خاصاً للشيخ الإمام، فحملتُ رسائله بالعربية، كأني أُسجّل للتاريخ وثائقه. وهكذا صرتُ أتنقّل بين التدريس والتحرير والإدارة، لا أرى نفسي موظفاً، بل رسولاً للعربية، أحملها حيث تُحمل الراية في ميدان الوغى.

٤ – الشيخ سليم الله خان

وأيّ ذكر للفاروقية بلا ذكر لشيخها الإمام؟ ذلك الرجل الذي كان إذا تكلم، شعرتَ أن الحروف خرجت من قلبٍ صادقٍ لا من لسانٍ عابر، وإذا دعا، ارتجفت القلوب من حرارة يقينه. كان مجلسه جامعةً داخل الجامعة، وكلماته دروساً لا تُكتب في المناهج، بل تُكتب في الأرواح. ومن بين تلك اللحظات المباركة، لحظةُ تسمية لبيد خان، التي صارت في سيرتي كالجوهرة في العقد، أو كالمنارة في البحر.

٥ – الفاروقية والنهضة

لم تكن الفاروقية مدرسة محلية، بل كانت في نظري جسراً بين باكستان والعالم الإسلامي، وأرجاء المعمورة. يجلس فيها الطالب من السند بجوار الطالب من البنجاب، ويجاورهم من كشمير، ومن دول شتى، ويلتقي الجميع على مائدة القرآن والعربية. فكأنها خريطة مصغّرة للعالم الإسلامي، تُثبت أن العربية قادرة على أن تكون لغة جامعة للأمة، كما كانت من قبل.

٦ – لبيد في حضن الفاروقية

ومن هنا يا صاحبي، صار مولودي الجديد مرتبطاً بهذه الجامعة: فإن اسمه وُلد في مجلس شيخها. وآماله وُلدت في رحابها. ومستقبله إنما يُرسم بخطوطها. فكأن الفاروقية لم تخرّج طلاب الماجستير فحسب، بل خرّجت الأسماء والأجيال، وكتبت في سجلّها لبيد خان، ليكون ابنها كما هو ابني.

خاتمة الفصل

فما أعظم أن يولد الإنسان في بيت صغير، ثم يولد اسمه في جامعة كبيرة! وما أجمل أن يربط القدر بين الأسرة والمجتمع، بين المهد والمحراب، بين الاسم والرسالة. فالجامعة الفاروقية منارةٌ أضاءت للطلاب، ثم أضاءت لأبنائي، وستظلّ تُضيء ما بقيت العربية نوراً يهدي، وما بقيت القلوب تهفو إلى الحق.


الفصل الرابع: الشيخ الإمام، جبل الرواسي وهيبة الدروس

ما رأيتُ في حياتي رجلاً جمع بين سعة العلم، ووقار الهيبة، ونور البصيرة، كما رأيتُه في الشيخ الإمام المحدث سليم الله خان رحمه الله. فكأن الله جمع فيه خصال العلماء الأولين، وزاده من عطائه ما جعله عَلَماً في زمانه، ورمزاً لمدرسته.

١ – هيبة اللقاء الأول

كنتُ صغير السنّ، غضَّ التجربة، حين وطئت قدماي أرض الجامعة الفاروقية. دخلتُ على الشيخ في مجلسه، فرأيته جالساً كالجبل، لا تهزّه الرياح، ولا تُميله العواصف. كانت لحيته البيضاء كسحابٍ يظلّل، وكانت عيناه كمنارتين تُنيران، وكان صمته أبلغ من الخطب، فإذا تكلم انسكبت الحكمة من بين شفتيه كما ينسكب العطر من الورد. فأيقنتُ أنني لستُ أمام أستاذٍ فحسب، بل أمام مدرسة كاملة تمشي على قدميها.

٢ – مجلسه العلمي

كان مجلسه كالمحراب، له نظام لا يختلّ، وله سكينة لا تُنتهك. يجلس الطلاب بين يديه كالعطاش حول البئر، فإذا ألقى الدرس، سال عليهم نهر من المعارف، يُغنيهم عن غيره. لم يكن يُلقي العلم إلقاءً جافّاً، بل كان يمزج النص بالشرح، والحديث بالفقه، والحكمة بالتجربة. وكان إذا ذكر رسول الله ﷺ، انخفض صوته حتى كدتَ لا تسمع إلا الهمس، وكأنّ قلبه يخشع قبل لسانه.

٣ – أثره في نفسي

ما كنتُ أراه إلا شعرتُ أنني أصغر مما أظن، وأعظم مما أرجو. أصغر لأنني أمام بحرٍ لا شاطئ له، وأعظم لأنني أنتمي إلى مدرسةٍ يقودها مثل هذا الإمام. ولقد علّمني أن العربية ليست حروفاً وأصواتاً، بل روحٌ تنفخ في العلوم كلها. وعلّمني أن خدمة الحديث ليست روايةً فحسب، بل حياة يعيشها المرء.

٤ – قربي منه

وما زادني شرفاً أنني كنتُ قريباً منه، لا بصفتي طالباً فقط، بل سكرتيراً خاصاً يحمل عنه الرسائل، وينقل إليه الأخبار. فكنتُ أدخل عليه في ساعات صفائه، وأشهد أسراره التي لا تُبثّ في الدروس العامة. كان يُكلّمني بالعربية وكأنها لغته الأم، ويستمع إليّ في مشاريعي وكأنني رفيقٌ لا تابع. وفي إحدى جلساته، حين بشّرته بمولودي الجديد، ابتسم ابتسامةً أضاءت وجهه، ثم سمّاه "لبيداً"، ليجعل من اسمي أنا واسم ابني سلسلة موصولة بالعربية، لا تنقطع ما بقيت الذكرى.

٥ – الإمام في الأمة

لم يكن للشيخ أثره في الجامعة وحدها، بل كان صوت الأمة في باكستان، ورئيساً للوفاق، ومرجعاً في الملمات. إذا تكلّم، أصغى الساسة قبل العلماء. وإذا أفتى، رجعت الأمة إلى قوله. وكانت رسالته دائماً: أن الإسلام وحدة، وأن العربية جسر هذه الوحدة.

خاتمة الفصل

فما أعظم الرجل الذي لا يُورّث مالاً ولا قصوراً، بل يُورّث علماً ومؤسسات ورجالاً. وما أكرم الله أن جعلني قريباً منه، لأشهد عصره، وأحمل شيئاً من نوره، وأربط بين اسمه واسم ابني في قصة واحدة. لقد كان الشيخ سليم الله خان في حياتي قدراً يُرسم، وهدياً يُقتدى، ومقاماً يُروى، وما هذه المقامة اللبيدية إلا غصنٌ من شجرته، وقطرة من بحره.


الفصل الخامس: مشهد التسمية

يا صاحبي، إنّ للأيام مفاتيح، وللحياة منعرجات، وللقدر لحظاتٍ تصنع المصير. ولقد كان يوم التسمية لابني لبيد من تلك اللحظات، لا يُشبهها يوم في حياتي.

١ – البشارة

كنتُ يومئذٍ أطرق باب الشيخ الإمام، وقد انعقد لساني بالفرح، وتمايل قلبي بالبشارة. دخلتُ عليه، وهو جالس في مجلسه المهيب، تحيط به كتب الحديث من كل صوب، كأنها جنود على أهبة الاستعداد. قلتُ له بصوتٍ تخالطه دموع البهجة:

"يا شيخنا، قد رزقني الله ولداً بعد عامين من الزواج".

رفع بصره إليّ، فرأيتُ في عينيه إشراقاً لم أره من قبل، كأنهما شمسان أشرقتا في وجهه.

٢ – لحظة القرار

ابتسم الشيخ، ثم قال بصوته المجلجل:

"وماذا سميتَه يا ولي؟"

قلت: "ما اخترتُ له اسماً بعد، فجئتُ أستفتيك، وأضعه بين يديك، ليكون له من اسمك بركة، ومن رأيك قدوة". فأطرق هنيهة، كأنما يستنطق ذاكرة التاريخ، ثم رفع رأسه وقال:

"سمّوه لبيداً".

٣ – لماذا لبيد؟

قلتُ له، مدهوشاً بين الدهشة والإعجاب:

"ولِمَ لبيد؟"

قال:

"لبيد بن ربيعة رضي الله عنه، شاعر العرب وصاحب رسول الله ﷺ، الذي كان لساناً في الجاهلية، ثم صار علَماً في الإسلام، فترك الشعر زهداً، وقال: ما قال رسول الله ﷺ أصدق مما قلتُ. سَمَّيته لبيداً، لتكون سيرته في ولَدك، ويكون اسمه مرآةً لعشقك للعربية، وتاريخك مع الأدب والشعر".

فارتجّ قلبي ارتجاجةً كأنها ناقوس في ليلٍ ساكن، وقلتُ في نفسي: لقد سمّى ابني باسمٍ هو جسر بين الجاهلية والإسلام، وبين الأدب والحديث، وبين التاريخ والمستقبل.

٤ – أثر اللحظة

ومنذ تلك الساعة، شعرتُ أنني لم أكن وحدي أباً للبيد، بل شاركني الشيخ في أبوّته، إذ كان هو صانع اسمه، وأنا صانع نسبه. فصار ابني مولوداً في بيتي، ومولوداً في مجلس العلم، مولوداً في المهد، ومولوداً في محراب الحديث.

٥ – لوحة خالدة

ولا تزال تلك اللحظة في مخيلتي لوحةً لا تُمحى: الشيخ بجلاله، وأنا بخجلي وفرحي، والطلاب شهودٌ صامتون، والكتب من حولنا كأنها تُسجّل الحدث في دفاترها. ثم خرجتُ من عنده، أحمل الاسم في قلبي قبل أن أكتبه في السجلات، وأردّد في سري: لبيد… لبيد… لبيد…

خاتمة الفصل

هكذا ارتبط الاسم بالقصة، والقصة بالجامعة، والجامعة بالشيخ، والشيخ بالعربية، والعربية بي وبابني. فلم يكن التسمية مجرد اختيار، بل كانت مقصدًا حضاريًا ورسالةً لغوية، ستظلّ تسري في عروقنا ما دام فينا نفس.


الفصل السادس: لبيد الطفل، زهرة العربية الغضّة

يا صاحبي، ما الاسم إلا بذرة، وما الطفولة إلا التربة، وما التربية إلا ماء يسقي، فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، خرجت زهرة يانعة تشهد على سرّ الغارس وحكمة الزمان.

١ – ملامح أولى

لم يكد يفتح عينيه حتى رأيتُ فيه إشاراتٍ عجيبة: كان يأنس لسماع العربية، كأنها لحنٌ مكنون في أذنه. وكان إذا تردّد في البيت صوت القرآن، هدأ سكونه، واستكان قلبه، كأن الروح تتغذى قبل الجسد. وإذا ناديناه بـ "لبيد"، التفت بسرعة، كأن الاسم قد استقرّ في أعماقه قبل أن يعرف معناه. فأدركتُ أن الشيخ يوم سمّاه لم يُطلق اسماً، بل غرس هويةً ستنمو مع الأيام.

٢ – بيتٌ في حضن العربية

كنتُ أقرأ له القصص بالعربية كما يقرأ الآباء قصص النوم لأبنائهم، لا بالأردية ولا بالإنجليزية، بل بلغة القرآن والشعر. فنشأ يسمع "قال رسول الله ﷺ"، كما يسمع الطفل الآخر "قال أبي وأمي". وكانت الكتب لعبته، والمجلدات زينته، والأقلام عساكره التي يُرتّبها على الطاولة كأنها جنود.

٣ – حضور في المجالس

وما كان من عجيب القدر أنني إذا أخذته إلى الجامعة الفاروقية، كان الطلاب ينظرون إليه كأنهم يرون في عينيه ملامح المستقبل. وكان الشيخ إذا وقعت عينه عليه، ابتسم وقال:

"هذا هو لبيدنا الصغير، سيُكمل ما بدأناه".

فكان هذا القول يغمرني شعوراً بالمسؤولية، أن الاسم لم يعد ملكي وحدي، بل ملك الشيخ والجامعة واللغة معاً.

٤ – انعكاس الاسم على النفس

يا صاحبي، إن للاسم أثراً في النفس لا يقلّ عن أثر الغذاء في الجسد. وكنتُ أرى لبيداً يميل إلى السكينة، ويكره اللغو، كأن روح الصحابي لبيد بن ربيعة تسري في عروقه. كان سريع الحفظ، بطيء اللهو، لا تعجبه الأصوات الصاخبة، بل يأنس إلى الهدوء والكتب.

٥ – فرحة الأب

ولقد كنتُ كلما نظرتُ إليه، تذكرتُ تلك اللحظة عند الشيخ، فأحسستُ أنني لا أربي طفلاً فقط، بل أُنشئ مشروعاً لغوياً وحضارياً. فأقول في نفسي: لقد صار اسمه رسالة، ورسالتُه حياة، وحياته امتداد لما نحمله من همٍّ للعربية والإسلام.

خاتمة الفصل

فنشأ لبيد في ظلال القرآن والحديث، محاطاً بعربيةٍ تتسلّل إلى وجدانه، كالماء يتسرّب إلى العود الغضّ فيجعله أخضر نضيراً. وما كنتُ أراه إلا شعرتُ أنني أنظر إلى غرسةٍ مباركة، إن سُقيت بدموع الحبّ وسهر التربية، أثمرت يوماً ما أشجاراً وارفة تظلّل أمةً بأسرها.


الفصل السابع: لبيد والجامعة، الغرس في التربة الأولى

يا صاحبي، إنّ للجامعات أرواحاً تجذب إليها من كُتِب لهم أن ينتموا إليها، حتى قبل أن يحملوا كتبها أو يجلسوا في صفوفها. ولقد شعرتُ منذ مولد لبيد أن الفاروقية قد تبنّت اسمه كما يتبنى الوالد طفله، وكأنها كانت تنتظره ليكمل قصتها.

١ – أول دخول

ما أن اشتدّ عوده قليلاً حتى حملته بيدي إلى ساحة الجامعة، فدخلها لأول مرة وهو طفل غضّ، لا يعي من الدنيا إلا لعبته الصغيرة. لكنني حين وطئت قدماه أرضها، أحسستُ أن المكان اهتزّ له، وأن الجدران تُنصت لقدومه، كأنها تُدرك أن هذا الوليد سيحمل يوماً ما مشعلها. رأيت الطلاب يلتفتون إليه ويبتسمون، ورأيتُ في نظراتهم سؤالاً صامتاً: هل يكون هذا الطفل امتداداً لاسم لبيد بن ربيعة الذي سمّاه الشيخ؟

٢ – في رحاب الفاروقية

كنتُ أجلسه إلى جانبي في مجلس الشيخ، وأجعله يسمع أصوات الدروس وإن لم يفهمها. فنشأ سمعه متعوداً على وقع الأسانيد، وأذنُه مشبعة بنغمة الحديث، ولسانه يتذوّق العربية قبل أن يتهجّى حروفها. وكان الطلاب ينظرون إليه كما يُنظر إلى "مشروع عالم صغير"، فيداعبونه بالعربية، ويهتفون: "يا لبيد، يا ابن العربية!" فكان يبتسم كأنه يعرف قدر اسمه، ولو لم يعرف بعد معناه.

٣ – حوار الشيخ معه

وذات يوم، رفع الشيخ نظره فرآه إلى جانبي، فقال له مازحاً بصوته الوقور:

"يا لبيد، أتكون شاعراً مثل جدّك، أم محدّثاً مثلنا؟"

فلم يُجب الطفل إلا بابتسامة حيية، لكنني أنا الذي أجبتُ في قلبي: سيكون الاثنين معاً، يا شيخنا؛ شاعراً بلسانه، ومحدّثاً بروحه.

٤ – الجامعة والاسم

ومنذ ذلك اليوم، صار اسمه يتردّد في مجالس الجامعة، لا كاسم طفلٍ غائب، بل كرمزٍ حاضر. كان بعض الأساتذة يقولون: "لبيدنا الصغير من غرس الجامعة". فكأن الفاروقية قد سجّلت اسمه في دفاترها غير المكتوبة، وربطته بتاريخها كما ربطته بي وبالشيخ.

٥ – إحساسي كأب

ولم يكن قلبي ليستطيع أن يُفرّق بين شعوري كأبٍ يفرح بنجاح ابنه، وشعوري كمربٍّ يرى مشروعه يترسّخ. فكنتُ أقول في نفسي: لقد صار لبيد ابناً لثلاثة: أبٍ أنجبه، وشيخٍ سمّاه، وجامعةٍ احتضنته.

خاتمة الفصل

فإذا ذُكرت الفاروقية اليوم، ذكرتُ معها اسم لبيد، وإذا ذُكر لبيد ذكرتُ معه الفاروقية، حتى كأنهما توأمان وُلدا في ساعة واحدة: واحدةٌ جامعة للطلاب، والآخر طالبٌ للجامعة، كلاهما حيّ، وكلاهما يمدّ الآخر بالحياة.


الفصل الثامن: لبيد والشعر، ملامح الاسم في ملامح النفس

يا صاحبي، ما الاسم إلا نبوءة، وما الكلمة إلا قدر، وما رأيتُ نبوءةً تحققت في صمت الطفولة كما رأيتُها في ولدي لبيد، إذ حمل الاسم قبل أن يحمل الوزن، وتشرّب اللغة قبل أن يفتح فمه بنطقها.

١ – البذرة الأولى

كنتُ أجلسه إلى جواري وأنا أراجع دواوين العرب، وأقرأ له قصائد المعلقات كما تُقرأ أناشيد النوم للأطفال. فما أن يسمع جرْس الأوزان حتى يبتسم، كأنّ البحور في أذنه لعبٌ منسابة، لا قيودَ جامدة. وكان إذا نطقتُ بيتاً من الشعر، ردّد آخر الكلمة بصوتٍ طفلٍ بريء، كأنه يُكمّل الشطر ببراءته.

٢ – اسم على مسمّى

وكنتُ أقول في نفسي: أعجباً! لقد صار الاسم يصنع طباعه، كما يصنع الماء شكل الإناء. فهو لبيد صغير، يحمل شيئاً من لبيد الكبير: ذاك شاعرٌ في الجاهلية والإسلام. وهذا ناشئٌ بين القرآن والعربية. ذاك ترك الشعر زهداً في الدنيا. وهذا يستقبل الشعر حباً في العربية. فكأن بينهما خيطاً خفياً، يشدّ الحاضر إلى الماضي.

٣ – في مجالس البيت

ما أكثر ما كان يطلب مني أن أعيد القصيدة مرتين وثلاثاً، حتى يحفظ مقاطعها دون أن يدري. وكان ينسج كلماته المكسّرة كأنها أبياتٌ مكسورة، فيضحك الإخوة، وأراه أنا بعينٍ أخرى: أرى في كسره بناءً، وفي لعبه بذرة فنٍّ قادم.

٤ – الشعر والجامعة

وذات مرة أخذته معي إلى مجلسٍ من مجالس الجامعة، وكان أحد الأساتذة يتذاكر مع طلابه بيتاً من الشعر الجاهلي. فلما سمع لبيد الطفل وقع القافية، رددها بصوتٍ عالٍ، فضحك الجمع، وقال الشيخ:

"لقد بدأ الاسم يُعلن عن نفسه!"

فازداد يقيني أن القدر أهداني طفلاً لا يعيش باسمه فقط، بل يُعيد إنتاجه في هيئة جديدة.

٥ – أثر الشعر في روحه

يا صاحبي، إن الشعر ليس ألفاظاً موزونة فحسب، بل هو روحٌ تُغذّي النفس، وتُربّي الذوق، وتفتح نافذة على الجمال. وقد رأيتُ في لبيد أن الشعر صار له ملجأً من صخب الطفولة، فكان يأنس بهدوء النغم أكثر مما يأنس بصخب اللعب. كأن الشعر أمه الثانية، واللسان العربي أبوه الثاني.

خاتمة المقامة؛

فنشأ لبيد على عتبة الشعر، يسمع إيقاعه قبل أن يعرف وزنه، ويردّد قوافيه قبل أن يقرأ ديوانه. وكنتُ كلما نظرتُ إليه، تذكرتُ بيت لبيد بن ربيعة:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ

فقلتُ في نفسي: حقاً، ما سوى الله باطل، إلا أن الاسم والرسالة واللغة، فليست بباطلة ما دامت تثمر جيلاً كهذا.

إذن، الأسماء عناوين لحياة أطفالكم.

مظفريات الذكاء الاصطناعي

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!