واقع اللغة العربية في الهند

لقد أصبحت اللغة العربية لغة إنسانية منذ ظهور الإسلام. أبدعت حضارة راقية واشعلت الأنوارالتي بدت ظلمات العصور الوسطى في العالم، انبثق فجر النهصة في أوربا الذي قام بها على أساس من التراث العربي الإسلامي باللغة العربية بطريقة مباشرة نقلا عن المؤلفات العربية. إذن فاللغة العربية هي اللغة السامية الوحيدة  التي قدر لها أن تحافظ على وجودها وأن تصبح لغة عالمية.

احتضنت الأمم الأخرى اللغة العربية وثقفتها وأولتها من العناية والحفاوة أكثر مما أولت لغتها أحيانا، فصارت لغة العلوم والآداب للعرب وغير العرب حقبا طويلة منبين أقصى المغرب وأقصى المشرق، ولا تزال على تبدل الأحوال، لغة أدب وعلم في كثير من الأمم الإسلامية غير العربية. ولا نعرف من آداب العالم قديمها وحديثها أدبا اتسعت به المواطن هذا الاتساع وامتدت به الأعصارهذا الامتداد. انتشرت العربية وحدها بقوتها الخاصة بقوة الإسلام وقوة القرآن الكريم واستطاعت أن تكون لغة عالية لأول مرة في التاريخ الإنساني.

كانت الشعوب الأخرى تتعلم اللغة العربية لأنها كانت هي لغة العلم والأدب. إن مختلفة الأمم كانت تتعلم اللغة العربية  وتستخمجها كلغة رئيسية للعلوم وال,داب. وهناك شعوب أخرى اعتنت باللغة العربية  وأنتجت فيها أعملا غزيرة في مختلف العلوم والفنون. ولعل من أهم هذه المناطق هي الهند. فالحضارة الإسلامية في الهند شهدت انتاجا غزيرا في علوم القرآن والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام والتصوف واللغة والنحو والصرف والبلاغة والأدب، كما أن كان لهم  مساهمات باللغة العربية في العلوم الرياضية والفلكية والطيبية وفي المنطق والفلسفة وما إلى ذلك. وللهند نصيب كبير في المكتبة الإسلامية، إذ تعتبر بعض المؤلفات الهندية بالغة العربية مراجع يرجع إليها الباحثين في مختلف أنحاء العالم.

لقد احتضنت الهند من الثقافة العربية أكثرها ومن الحضارة الإسلامية معظمها لمئات من السنين حيث نمت العلاقات العربية الهندية نموا كثيرا وكان حمل رسالة الإسلام من أكبر ما أسهم به العرب في تطوير الهند حيث ادى تأكيد الإسلام على وحدانيته الله تعالى وإيمانه بالعلاقات الأخوية بين الإنسان إلى تطوير جديد للدمقراطية في المجتمع الإنساني. رأت الهند منذ طلوع شمس الإسلام على أفقها نشاطا ملحوظا في اللغة العربية في كل من العهود العربي والغزنوي، والغوري ودولة المماليك وعهد الخليجيين والتغالقة والعهد المغولي وعصر الاحتلال الانجليزي والعصر الحديث.

نهض من هذه البقعة من الأرض الخصبة على مر العصور أدباء وشعراء عرفوا بفصاحة اللسان العربي المبين. وخرج منها صفوة من العلماء ولفيف من رجال الفكر والقلم الذين لعبوا دورا رائعا في مجال الشعر والأدب ، وتركوا آثارا خالدة لا يسوغ بمؤلف في تاريخ الأدب والثقافة الإسلامية العامة لا يمكن لأحد أن يغض الطرف عنها ويبخس حقها.

لما فتح محمد بن قاسم  الهند جاء معه جماعة من العلماء أمثال ربيع بن صبيح البصري السعدي، وكان تلبعيا، وحباب بن فضالة التابعي، وبتربية هؤلاء الأعلام نبغ من أهالي الهند الشيخ أبومعشر نجيح بن عبد الرحمن السندي  المدني الذي يعد من أقدم كتاب السيرة النبوية، والشاعر أبوالعطا السندي. ثم قامت الحكومة الغزنوية ، فكان الرحالة والمؤرخ الشهير أبو الريحان البريروني الذي اقام في الهند زهاء عقدين من الزمان، وألف كتاب الهند وقدم إلى الهند الشيخ محمد إسماعيل، وعاش في رحاب الهند أيضا مسعود بن سعد بن سلمان اللاهوري.

وحكم الغوريون الهند عشرين سنة ،فكان من أبرز علمائها الشيخ الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني الذي ألف "العباب الزاخر واللباب الفاخر" في عشرين مجلدا. "مشارق الأنوار النبرية من صحاح الأخبار المصطفوية" في علم اللغة وعلم الحديث. واستمرعهد الخليج التغالقة بعد العهد الغوري، وقد نبغ فيه الشيخ نظام الدين أولياء الذي كانت خطبته العربية مشهورة في باب التصوف والسلوك. وقد ظهر الشاعر أمير خسرو الذي لقب بببغاء الهند بقصائده الغراء وقرض أبيات لا مثيل لها في العربية.

   وحكم المغول الهند إلى مدة طويلة . وكان من أعلامها الشيخ محمد طاهر الفتني وملا محمود الجونفوري الذي ألف شمس البازغة في البلاغة ومحمد أعلى التهانوي صاحب موسوعة كشاف اصطلاحات العلوم والفنون ، والعلامة ولي الله الدهلوي وحسان الهند غلام علي آزاد البلغرامي والشيخ المرتضى الزبيدي.  ويعد نهاية عهد المغول جاء عصر الاحتلال الإنجليزي ونبغ فيه العلامة فيض الحسن السهارنفوري والعلامة فضل حق الخيرآبادي، والعلامة شبلي النعماني والعلامة حميد الدين الفراهي والعلامة نواب صديق حسن والعلامة عبد الحي  والآخرين، لم اسهامات جليلة في تطور اللغة العربية في الهند. ثم جاء العصر الحديث فكان في طليعة الأدباء الشيخ ابوالحسن علي الندوي والعلامة مسعود عالم الندوي والعلامة عبد العزيز الميمني والعلامة محمد زكريا الكاندهلوي وغيرهم الكثيرون يرجع الفضل إليهم في تطوير اللغة العربية في الهند. 

  تمتاز الهند بميزات مختلفة منها رعاية العلوم الإسلامية والعربية، لم تكن اللغة لعربية لغة رسمية إلا لأيام لا يعبأ بها. ولكن علماء الهند قاموا بجهود جبارة في سبيل خدمة لغة الضاد. إن عناية الهند والهنود واهتمامهم باللغة العربية وآدابها عبرالعصور والقرون درسا كان أو تدريسا، شرحا كان أو تأليقا، تأليفا كان أو تصنيفا تزداد بها مكتبات الهند وخارجها.

  وفي العصر الحاضر، لقد توسع نطاق اللغة العربية وآدابها في ربوع الهند عندما انتشرت شبكة المدارس الإسلامية بما فيها دار العلوم يوبند، ودار العلوم ندوة العلماء لكناؤ وغيرها من المدارس العربية والإسلامية. لقد اهتمت هذه المدارس اهتماما كبيرا في تعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية. ثم بدأت الجامعات الهندية تهتم بتدريس اللغة العربية بما فيها الجامعة الملية الإسلامية وجمعة على كراه الإسلامية،  والجامعة العثمانية ، وجامعة جواهر لال نهرو وجامعة دلهي وما إلى ذلك من جامعات أخرى فلعبت هذه كل منها ولا تزال تلعب دورا ملموسا في  تطوير اللغة العربية وآدابها في الهند.

________

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

 الجامعة العالية، كولكاتا- الهند

 

شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019