زارت حماكَ بكل بكر كاعب
وبدت كبدرٍ لاح بين كواكبِ
وترنحت ورنت وأصبح صبُّها
ملقى قتيل ذوابل وقواضبِ
نثرت ذوائبها ففاح عبيرها
كالمسكِ فوق كواهل ومناكبِ
نظرت على بعد خيال رقيبها
فتحجبت من فرعها بغياهبِ
قد أحرقت كبدي بنار خدودها
سبكا فلا تطفى بدمع ساكبِ
لم أدر قبل قوامها ولحاظها
أن الردى بمعاطف وحواجبِ
لو لم يكن منها اللمى خمراً لما
خطرت وماست كالنزيف الشاربِ
ليلي طويل حالك كفروعها
وآلهفي صار كخطوِها المتقارب
أمسى الفؤادُ بشعرِها وبصدغِها
أبداً لسيعَ أساودٍ وعقاربِ
ولقد ركبت من الجياد مطهما
ينساب كالحيات بين سباسب
ألف الفلا لفُّ الفدافد بالربى
كالبرق يطوي البيد تحت الراكبِ
فكأنني من فوقه ملك ومن
وحش القفار أسير بين كواكب
أصبوا إلى نحو الحمى متلفتا
تلفا وقد ضاقت علي مذاهبي
مالي وصرف الدهر طال مطاله
عندي وأنعم لي بمنعِ مطالبي
ويهش أن هو ظل يهشِم اعظمي
أو بات ينهشني بنابٍ نوائبِ
إن رمتُ أن يطفى خرام صمائري
لم يرمها الا بصوتِ مصائبِ
سحّت وشحّت بالدموعِ وبالكرى
عيني وأولَتني بلونٍ شاحبِ
عمري مضى ما بين مذوَدِ عاذل
لذع الحشا مني وعين مراقبِ
أخطت سهام البينِ قلبي والهوى
لا زال يرميني بسهمٍ ضائبِ
أبلى النوى جسدي النحيف كأنني
قلمٌ بدا بيدي نصيف الكاتبِ
حبرٌ حلا في حبره قرطاسهُ
كالتبر لما لاح فوق ترائبِ
فسطورهُ وطروسهُ في حسنها
حاكت سماء زيّنت بكواكبِ
وكأنما أقلامه وبنانه
برقٌ سرى ما بين خمسِ سحائبِ
فلكم أفاد مروعا بيراعِه
وبكتبِه كم فل جيشَ كتائبِ
ولكم بعلم النحو أوضح منهجاً
أغنى اللبيبَ به عن ابن الحاجبِ
فطنٌ حوى من كلّ فن قلبَهُ
فكأنَّ فيه محاضرات الراغبِ
رقت لطافة شعره واستعبدَت
رِقّ ابن عبادٍ الوزيرِ الصاحبِ
لو رام نظمُ الدر في أصدافِه
وافى له بفرائدٍ وغرائبِ
أو للدراري شامَها أو شاءَها
طلعت عليه بطالع أو راغبِ
سبَكَ القريض وصاغَهُ حليا له
وبهِ ككفي عن صناعةِ كاسب
تجري القوافي تحتَ ظلِّ يراعهِ
وتظلُّ ترعاهُ بمقلةِ طالبِ
لو كان يرقى المرءُ في الشعر العلا
لعَلا على الشعري بعشرِ مراتبِ
تصبو إلى أخلاقهِ ريح الصبا
ويميلُ لطفاً كلُّ سارٍ ساربِ
حفّت به العليا فخف بحملها
وبحلمهِ أمسى كطودٍ راسبِ
ذربُ اللسان يذبُّ فيه مخاصما
واللفظُ عذبٌ كالنبات الدائبِ
ربحت تجارةُ حظِّهِ في خطهِ
وجرت سوابقهُ بسوقِ تجاربِ
لم يبتهج في الدهر في ذهبٍ ولم
يحزن على فقدان مالٍ ذاهبِ
يبدو محيّاه كبدرٍ طالعٍ
والرأي منه كالشهابِ الثاقبِ
لو قمت طولَ الدهرِ أنشدُ مدحة
بين الأنام فلم أقم بالواجبِ
ويمدحه العمري أب مؤرّخا
ترتيبُ مدحي في نصيفِ الكاتبِ