مقال 2026/10/21 مشاهدة

إذا تألفت النفوس تعاضدت الصفوف

إِذَا تَآلَفَتِ النُّفُوسُ تَعَاضَدَتِ الصُّفُوفُ

إِتِيكِيتُ التَّلَاحُمِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَأَدَبُ المُعَاشَرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ

أرخى المساءُ على المدينة أستارَه، وسكنت في ظاهرها ضوضاءُ الأسواق، غير أنّ وراء الأبواب المغلقة، وفي صدور الرجال والنساء، كانت أحاديثُ لا تنقطع، وخواطرُ تتدافع، وآمالٌ تتلاقى حينًا وتتباعد أحيانًا، وقلوبٌ تبحث في زحام الحياة عمّن يفهمها، وعقولٌ تلتمس في اختلاف الطبائع سبيلًا إلى التفاهم، ونفوسٌ تتوق إلى أن تجد في مجتمعها موضعًا تألفه، ويدًا تمتد إليها إذا عثرت، وكلمةً ترفق بها إذا ضاقت عليها مسالك الأيام؛ وجلستُ إلى مكتبي، وقد أقبلت على الصحيفة بمداد القلم، أستعرض أحوال الناس، وأستقرئ وجوه اجتماعهم وافتراقهم، حتى بدا لي أنّ من أعجب ما يحتاج إليه الإنسان، وهو يخالط أبناء جنسه ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، أن يتعلم كيف يكون بينهم من غير أن يطغى عليهم، وكيف يختلف معهم من غير أن يخاصمهم، وكيف يحفظ لنفسه كرامتها من غير أن ينتقص من كرامة غيره، وكيف يجمع القلوب على المودة مع بقاء العقول على حرية النظر، فإنّ الاجتماع الذي لا تحرسه آدابُ المعاشرة عرضةٌ لأن تنقلب أواصرُه خصومات، وأن تستحيل مجاملاتُه مباهاةً ورياءً، وأن يصير القربُ فيه مجلبةً للأذى بدل أن يكون مظنةً للأمن والسكينة.

ومن هاهنا يحقّ لنا أن نتساءل: ما الذي يجعل جماعةً من الناس مجتمعًا متآلفًا، ويجعل اجتماعَهم قوةً تُستنهض بها الهمم، وتُقضى بها الحاجات، وتُدفع بها نوائب الزمان، في حين أنّ جماعةً أخرى قد تتجاور دورُها، وتتقارب مجالسُها، وتتكرر لقاءاتُها، ثم لا تزال القلوب بينها متنافرة، والصدور متحفزة، والألسنة متربصة، كأنما جمعها المكان وفرّقتها الأخلاق؟ أهو تشابه المصالح، أم وحدة المنافع، أم كثرة المخالطة، أم شيء وراء ذلك كلّه، لا يستقرّ إلا في أعماق النفس، ولا يستبين إلا عند اختلاف الرأي، وتزاحم المطالب، وتعارض الرغبات؟ والحقّ أنّ التلاحم الاجتماعي لا يقوم بمجرد اجتماع الأجساد، ولا يستقيم بمجرد تشابه المصالح، وإنما ينشأ حين تتساند المصالح إلى القيم، وتتآلف الطبائع على الاحترام، ويجد كل فرد في الجماعة موضعًا يُصان فيه حقه، ويُسمع فيه قوله، ويُقدَّر فيه جهده، فلا يشعر أنّ كرامته ثمنٌ لانتمائه، ولا أنّ اختلافه سببٌ لإقصائه، ولا أنّ حاجته بابٌ لاستغلاله.

وليس المراد بإتيكيت التلاحم الاجتماعي أن يتعلم المرء كيف يحسن هيئة جلوسه، أو ينتقي أرقّ ألفاظه، أو يضبط حركات يديه حين يلقى الناس، وإن كانت هذه من محاسن الذوق إذا استقامت على معناها؛ وإنما المراد به أدبٌ أعمق غورًا، وأبعد أثرًا، يتصل بكيفية حضور الإنسان في حياة غيره، ومقدار ما يتركه في نفوسهم من طمأنينة أو نفور، وما يراعيه في أحوالهم من حدود وحقوق، وما يقدّمه عند الحاجة من مواساة ومعونة، وما يكفّه عند الغضب من أذىً واعتداء. فربّ رجلٍ حسن الهيئة، مهذّب العبارة، يعرف طرائق المجالس ومراسم اللقاء، غير أنّه إذا خالفه صاحبه ضاق صدره، وإذا أخطأ خادمه استكبر عليه، وإذا رأى ضعيفًا لم يلتفت إليه، وإذا اؤتمن على سرّ أذاعه، وإذا أُسدي إليه معروفٌ نسيه؛ فهذا قد أخذ من الإتيكيت قشرته، وفاته لُبُّه، واستظهر من قواعده رسومَها، ولم يستبطن من أخلاقه أصولها. وربّ إنسانٍ قليل التأنق في مظهره، لا يتكلف زخرف القول، غير أنّه صادق اللهجة، رحيم المعاملة، يحفظ الودّ، ويستر العيب، ويعرف للناس أقدارهم، ويضع لكل مقامٍ مقالَه، فهذا قد أصاب من جوهر المعاشرة حظًّا وافرًا، وإن لم يتوسع في معرفة اصطلاحاتها.

فأدبُ المعاشرة ليس أن تُحسن الوقوف أمام الناس، بل أن تُحسن الوقوف عند حدود حقوقهم؛ وليس أن تختار من الكلام أعذبه، بل أن تكفّ عن الكلام أذاه؛ وليس أن تعرف كيف تدخل المجالس، بل أن تعرف كيف تخرج منها وقد تركت في القلوب أثرًا حسنًا.

في التحية وحسن الاستقبال

وأول أبواب التلاحم ما يفتتح به الناس لقاءاتهم من تحيةٍ طيبة، ووجهٍ منبسط، ونبرةٍ لا تستطيل على المخاطب ولا تتصنع التودد إليه؛ فإنّ التحية، وإن قلّ مبناها، قد يكون لها في النفس أثرٌ لا يقاس بعدد كلماتها، إذ يشعر المرء من خلالها أنّ وجوده ملحوظ، وأنّ حضوره غير مستثقل، وأنّ بينه وبين من يلقاه قدرًا من الاعتراف المتبادل الذي تقوم عليه سائر ضروب المعاشرة. وليس من حسن الأدب أن يستقبل الإنسان بعض الناس بالبشر والترحاب، ثم يلقى غيرهم بالعبوس والإعراض لمجرد اختلاف المنزلة أو ضآلة المنفعة، فإنّ النفوس وإن تفاوتت في أعمارها وأعمالها وأحوالها، فإنها تتأذى بالإهانة، وتأنس بالتقدير، وتجد في الكلمة اللينة ما لا تجده في كثير من العطايا.

غير أنّ حسن الاستقبال لا يعني الإفراط في التكلف، ولا إلزام الناس بمظاهر من الودّ لا تحملها قلوبهم؛ فالمودة الصادقة أكرم من المجاملة المفرطة، والاحترام الهادئ أصدق من التبسط الذي يتجاوز الحدود، ولكل مقامٍ أدبُه، ولكل علاقةٍ مقدارُها، ولكل نفسٍ بابٌ يُدخل إليها منه. فمن الناس من يألف المزاح، ومنهم من يأنس بالحديث الجاد، ومنهم من يحب كثرة السؤال، ومنهم من يرى في كثرة السؤال اقتحامًا لخصوصيته؛ واللباقة أن تعرف من اختلاف هذه الطبائع ما يحملك على حسن تقديرها، فلا تفرض على الناس طريقةً واحدة في التعبير عن الألفة، ولا تجعل اختلافهم عنك دليلًا على جفائهم أو نقص مروءتهم.

ومن دقائق هذا الباب أن يُحسن المرء الإصغاء كما يُحسن الكلام، فإنّ كثيرًا من الناس لا يطلبون ممن يجالسهم أن يحلّ لهم مشكلاتهم، ولا أن يفيض عليهم من حكمته، وإنما يطلبون أذنًا تصغي من غير ملل، وقلبًا يتفهم من غير تعجل، وعقلًا لا يسارع إلى إصدار الأحكام قبل استكمال وجوه الخبر؛ فكم من خصومةٍ أمكن إطفاؤها بإصغاءٍ صادق، وكم من علاقةٍ أوشكت أن تنقطع لأنّ أحد طرفيها لم يجد من الآخر إلا مقاطعةً متكررة، أو نصيحةً لم يطلبها، أو استخفافًا بمشاعر لم يفهم حقيقتها.

في الكلام وحدود اللسان

وإذا كانت التحية مفتاح اللقاء، فإنّ الكلام عمادُه، وميزانُه الذي تُعرف به خفة النفس أو رجحان العقل؛ إذ ليس كل ما يعرفه المرء مما ينبغي أن يقوله، ولا كل ما يقدر على قوله مما يحسن أن يقال، ولا كل حقٍّ يُؤدّى بالطريقة نفسها في كل زمان ومكان. فالعاقل من يزن عبارته قبل أن يرسلها، وينظر في عاقبتها قبل أن يسترسل فيها، ويميّز بين الصراحة التي تكشف الحقيقة لتصلح الحال، والفظاظة التي تتخذ الحقيقة ستارًا لتجريح الرجال؛ فإنّ بعض الناس إذا أراد أن يعتذر عن قسوته قال: أنا صريح لا أجامل، وإذا أراد أن يبرر استخفافه قال: إنما أقول الحق، كأنّ الصدق لا يستقيم إلا إذا اقترن بالإيلام، وكأنّ البيان لا يبلغ غايته حتى يترك في النفس جرحًا.

وليس الأمر كذلك؛ فإنّ الكلمة قد تكون صادقةً وهي لينة، وقد تكون قاسيةً من غير أن تكون أصدق من غيرها، وقد يكون السكوت في موضعه أحكم من كلامٍ يفسد أكثر مما يصلح، كما أنّ السكوت في موضع الشهادة أو النصيحة أو دفع الظلم قد يصير تقصيرًا لا حكمة. وإنما الفضل في معرفة مواضع القول والصمت، وفي اختيار العبارة التي تؤدي المقصود من غير أن تزيد عليه أذًى لا تدعو إليه ضرورة، وفي أن يكون غرض المتكلم إصلاح المعنى لا الانتصار للنفس، وبيان الصواب لا استعراض التفوق.

ومن أدب التلاحم أن يصون الإنسان لسانه عن الغيبة، وأن يحفظ ما استؤمن عليه من الأسرار، وألا يجعل مجالس الأنس أسواقًا يتداول فيها عيوب الغائبين، ولا يجعل ثقة الناس به سلّمًا يرتقي عليه إلى منزلةٍ زائفة؛ فإنّ من اعتاد أن يفضح سرًّا ليضحك الحاضرين، أو يذكر عيبًا ليكتسب إعجاب السامعين، لم يأمن أن يصنع غيره به مثل صنيعه، ولم يبق له من الثقة إلا ما بقي للوعاء المثقوب من الماء. وقد يُغتفر للإنسان زللٌ عارض، ولكنّ تكرار الخيانة يهدّ ما تبنيه الأعوام من الألفة، لأنّ الثقة إذا تصدعت لم يصلحها اعتذارٌ سريع، ولا تجبرها عبارةٌ مزخرفة، وإنما تحتاج إلى صدقٍ يتكرر، وفعلٍ يثبت، ووقتٍ يبرهن على أن الندم لم يكن حيلةً عابرة.

في الاختلاف وحسن إدارة الخصومة

ولعلّ أشدّ ما يُمتحن به أدب الإنسان ليس ساعة الاتفاق، حين تتقارب الأهواء وتتساند المطالب، وإنما ساعة الاختلاف، حين يرى في قول صاحبه ما يخالف اعتقاده، أو في فعله ما يعارض مصلحته، أو في نجاح غيره ما يوقظ في نفسه شعور المنافسة؛ فهنالك تنكشف معادن النفوس، ويظهر أ意كون الاحترام عنده خُلُقًا ثابتًا أم معاملةً مشروطة، وهل يقبل من الناس إلا من وافقه، أم يعرف أنّ العقول لا تتحد في كل تقدير، وأنّ تفاوت الخبرات يفضي إلى تفاوت الأحكام، وأنّ الإنسان قد يخطئ في نظره وهو مخلص في طلب الصواب.

وليس من التلاحم أن تُمحى الفروق بين الناس، ولا أن تُحمل العقول على رأيٍ واحد، ولا أن يُمنع النقد بحجة المحافظة على الألفة؛ فإنّ اجتماعًا لا يسمح بالمراجعة يتحول إلى صمتٍ متواطئ، واتفاقًا لا يقبل السؤال قد يستر الخطأ ولا يعالجه. وإنما التلاحم أن يتعلم المختلفون كيف يختلفون من غير أن يستحلّ بعضهم كرامة بعض، وكيف يردّون الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، من غير أن ينقلوا النزاع من ساحة الأفكار إلى ساحة الإهانة، ومن مناقشة القول إلى الطعن في القائل.

فإذا أخطأ صاحبك، فانظر أولًا في إمكان أن يكون له عذرٌ لم تعرفه، أو معلومةٌ لم تبلغك، أو تأويلٌ حمله على ما فعل؛ فإن ظهر خطؤه، فبيّن له وجهه، ولا تجعل زلته تاريخًا كاملًا يُحاكم به، ولا تستحضر في كل خلافٍ ما مضى من هفواته، حتى لا يصبح الحوار دفترًا للخصومات القديمة بدل أن يكون سبيلًا إلى إصلاح الأمر الحاضر. وإذا أخطأت أنت، فلا تتخذ من الاعتذار هزيمةً لكرامتك، ولا من الرجوع عن الرأي نقصًا في عقلك؛ إذ ليس من كمال المرء أن يثبت على قوله بعد ظهور بطلانه، وإنما كماله أن يكون ولاؤه للحقيقة أعظم من ولائه لصورته أمام الناس.

وما أحوج المجالس إلى هذا الخلق، ولا سيما حين تتباين المشارب، وتتعدد الأجيال، وتختلف البيئات؛ فإنّ صاحب التجربة قد يستخف بحماسة الشاب، والشاب قد يضيق برأي الكبير، وصاحب العلم قد يزدري سؤال المبتدئ، والمبتدئ قد يتعجل الحكم على ما لم يستوعب أصوله. ولو أن كل واحدٍ من هؤلاء أنصف غيره، ففرّق بين قلة الخبرة وسوء النية، وبين السؤال والاعتراض، وبين النقد والعداوة، لانحسر كثير من غبار الخصومة، ولأصبح اختلافهم بابًا لتبادل المعرفة بدل أن يكون ذريعةً إلى التباغض.

في التواضع واحترام المقامات

ومن آداب التلاحم أن يعرف المرء قدر نفسه من غير أن يحتقرها، وأن يعرف أقدار الناس من غير أن يستعبد قلبه لمظاهرهم؛ فلا يتعالى بعلمٍ على جاهل، ولا بمالٍ على فقير، ولا بمنصبٍ على عامل، ولا بنسبٍ على من لا يشاركه نسبه، فإنّ هذه الفوارق، وإن كان لبعضها أثرٌ في تنظيم شؤون الحياة، لا تمنح صاحبها حقّ الإذلال، ولا تبيح له أن يجعل من منزلته سيفًا مسلطًا على رقاب الناس. والمرء إنما يشرف بما يحسن من عمله، ويصدق من قوله، ويعدل في حكمه، ويرفق في معاملته، لا بما يعلقه على صدره من ألقاب، ولا بما يحوط نفسه به من مظاهر الزينة.

ولا ينافي التواضع أن يعرف الإنسان حقه، أو أن يطلب الإنصاف إذا ظُلم، أو أن يضع حدًّا لمن يتجاوز عليه؛ فالتواضع فضيلة، وإهدار الكرامة ليس فضيلة، وحسن المعاشرة لا يعني أن يرضى المرء بالعدوان، كما أنّ الحزم لا يقتضي الفظاظة، والهيبة لا تستلزم العبوس، والقدرة على الرد لا توجب استعمالها في كل مقام. إنما النبل أن تقدر على الإساءة ثم تختار العدل، وأن تملك أسباب الغلبة فلا تجعلها وسيلةً إلى التشفي، وأن تردّ المعتدي إلى حدّه من غير أن تتخذ من الردّ فرصةً لإذلاله أو الانتقام منه بما يتجاوز الحق.

وإذا دخل المرء مجلسًا، فليعرف أن لكل حاضرٍ حقًّا في أن يُسمع ويُحترم، فلا يستأثر بالحديث استئثار من ظنّ أنّ صوته وحده جديرٌ بالإنصات، ولا يقاطع المتكلم كلما لاح له خاطر، ولا يحوّل كل حديثٍ إلى سيرة نفسه ومآثره، ولا يستخف بمن تعثرت عبارته أو قصرت حجته؛ فإنّ المجالس مدارس للأخلاق قبل أن تكون ميادين للمعرفة، وفيها يتعلم الإنسان أن حسن الحضور ليس بكثرة الكلام، وأن رجحان العقل قد يظهر في سؤالٍ وجيز، أو إنصاتٍ طويل، أو اعترافٍ هادئ بحدود المعرفة.

في التعاون والتكافل وجبر الخواطر

وليس التلاحم الاجتماعي صناعةً من الألفاظ وحدها، ولا يكفي فيه أن يتبادل الناس عبارات المودة ثم يترك بعضهم بعضًا عند الحاجة؛ بل لا بد أن تنتقل الألفة من اللسان إلى اليد، ومن الشعور إلى السلوك، ومن الوعد إلى الفعل، حتى يرى الضعيف أثر الرحمة فيمن حوله، ويجد المحتاج من يعينه بقدر الاستطاعة، ويطمئن صاحب المصيبة إلى أنّ حزنه لن يُقابل بالشماتة، وأنّ عثرته لن تتحول إلى مادةٍ للتندر، وأنّ ما ضاق به صدره قد يجد عند أخيه صدرًا يتسع لسماعه، وعقلًا يعينه على ترتيب مشكلته، ويدًا تدفع عنه بعض ما أثقله من الأعباء.

ومن الخطأ أن نظنّ أنّ المعونة لا تكون إلا ببذل المال، أو أنّ المعروف لا يُحسب إلا إذا عظم مقداره؛ فقد يكون في تعليم جاهلٍ ما يجهله، وإرشاد حائرٍ إلى وجهته، وتخفيف عبءٍ عن عاملٍ أنهكه يومه، وإفساح المجال لمسنٍّ أو عاجز، وإعانة جارٍ في أمرٍ عارض، ومواساة مكلومٍ بكلمةٍ صادقة، ما يفوق في أثره عطاءً كثيرًا لا يصحبه احترامٌ ولا إحساسٌ بالحاجة. وليس معنى ذلك أن تحلّ المجاملة محلّ الحقوق، أو أن يُستعاض عن الإصلاح المؤسسي بالمساعدات الفردية، وإنما المعنى أن المجتمع السليم يجمع بين عدالة الأنظمة، وكرم المبادرات، ووعي الأفراد بمسؤولياتهم تجاه بعضهم بعضًا.

وإنّ من أجلّ صور التلاحم أن يُعين القوي الضعيف من غير أن يمنّ عليه، وأن يعطي القادر من غير أن يفضح حاجة الآخذ، وأن ينصح العالم من غير أن يستصغر المتعلم، وأن يفتح صاحب الخبرة طريقًا للمبتدئ بدل أن يحتكر المعرفة ليبقى متفوقًا عليه؛ فالمعروف الذي يجرح كرامة صاحبه ناقص الأدب، والنصيحة التي تذلّ متلقيها تفسد من غرضها بقدر ما تفسده من طريقتها، والتعليم الذي يُشعر المتعلم بالدونية قد يصده عن المعرفة بدل أن يقربه منها.

وجبر الخواطر، وإن بدا في أعين بعض الناس أمرًا يسيرًا، من دقائق المعاشرة التي لا يستغني عنها مجتمع؛ إذ قد يمرّ الإنسان بأيامٍ يثقل فيها عليه ما لا يراه غيره، ويعجز عن شرح ما يعتمل في نفسه، فلا يحتاج ممن حوله إلى تحقيقٍ في تفاصيل ألمه، ولا إلى موعظةٍ تُلقى عليه قبل أن يُفهم حاله، وإنما يحتاج إلى رفقٍ يطمئنه، وإلى احترامٍ لا يستكثر عليه ضعفه، وإلى معاملةٍ تحفظ له مكانته وهو في أشد أحواله حاجةً إلى من يراعيه. وليس كل صمتٍ رضا، ولا كل ابتسامةٍ دليلَ راحة، ولا كل انصرافٍ إعراضًا عن الناس؛ فقد يحمل الإنسان في صدره ما لا يظهر على وجهه، ومن حسن الفطنة ألا يحكم المرء على أحوال غيره من ظاهرٍ محتمل، وألا يتدخل في خصوصياتهم باسم الاهتمام، بل يقرّب إليهم باب المساعدة، ويترك لهم حرية الدخول منه.

في صيانة الخصوصية وحفظ الحدود

وإذا كانت الألفة تقرّب المسافات بين القلوب، فإنّ الحكمة تحفظ الحدود التي تمنع القرب من أن ينقلب اقتحامًا؛ فليس كل قريبٍ مأذونًا له في السؤال عن كل شأن، ولا كل صديقٍ مستباحًا له أن يفتش عن أسرار صاحبه، ولا كل مجلسٍ صالحًا لذكر كل خبر، ولا كل مزاحٍ مقبولًا لمجرد أنّ قائله أراد الضحك. وقد يظنّ المرء أنّ شدة المخالطة تمنحه حقّ التدخل في قرارات غيره، أو أنّ طول الصداقة يبيح له أن يجرح صاحبه بما لا يرضى أن يُجرح به، أو أنّ رابطة القرابة تسقط حق الإنسان في اختيار ما يظهره وما يكتمه؛ وليس شيءٌ من ذلك لازمًا للمودة الصحيحة، بل إنّ العلاقات الراسخة هي التي تجمع بين القرب والاحترام، وبين الألفة والحرية، وبين النصيحة وصيانة الاختيار.

فاسأل حين يكون السؤال من مقتضى الاهتمام، وأمسك حين يكون الإمساك أحفظ للكرامة، ولا تفتش في أحوال الناس عمّا لم يعرضوه عليك، ولا تنقل حديثًا سمعته في مجلسٍ خاص إلى مجلسٍ آخر لمجرد أنّه طريف أو مثير؛ فإنّ نقل الكلام من غير إذنٍ قد يوقع بين الناس من الشك والريبة ما لا ترفعه كثرة الاعتذارات. وإذا استُشير المرء في أمرٍ، فليكن أمينًا في نصيحته، فلا يلبس رغباته ثوب المصلحة، ولا يسوق صاحبه إلى ما ينفعه هو، ثم يزعم أنّه لم يرد إلا الخير، وليعلم أنّ النصيحة لا تمنح الناصح سلطةً على المنصوح، وأنّ بيان الرأي لا يسلب الآخر حقه في الاختيار ما دام لا يعتدي على حقوق غيره.

في المجالس والولائم والمناسبات

وللمجالس آدابٌ تُعرف بها سلامة الذوق، وتُصان بها مشاعر الحاضرين، وليس من شأنها أن تُثقل الناس بتقاليد لا حاجة إليها، وإنما أن تنظّم اللقاء بحيث يأمن كل حاضرٍ من الإحراج، ويجد لنفسه موضعًا من المشاركة. فمن ذلك أن يراعي الداخل أحوال المجلس، فيلقي التحية، ويجلس حيث يتيسر له من غير مزاحمةٍ ولا إزاحةٍ لغيره، وأن يفسح المجال لمن يريد الكلام، وأن يتجنب رفع الصوت بما يطغى على حديث الآخرين، وأن يقدّر اختلاف الأعمار والطبائع، وألا يحرج أحدًا بسؤالٍ عن مالٍ أو زواجٍ أو مرضٍ أو شأنٍ خاص لا يعلم مدى حساسيته عنده.

وفي الولائم والمناسبات، يظهر التلاحم في أشياء قد يعدّها الغافل صغيرةً وهي في ميزان الذوق كبيرة؛ كأن يراعي المضيف أحوال ضيوفه من غير أن يحوّل إكرامهم إلى استعراض، وأن يتجنب الضيف تكليف صاحب المنزل ما لا يطيق، وأن يشكر المرء من أحسن إليه، وألا يعيب طعامًا قُدّم له في مجلسٍ أراد صاحبه إكرامه، وألا يجعل الاختلاف في العادات أو الأذواق ذريعةً للسخرية. وليس الكرم أن يرهق المرء نفسه ليرضي الناس بما لا يقدر عليه، ولا الأدب أن يتكلف الضيف ما يشق عليه ليحفظ مظهرًا اجتماعيًّا؛ وإنما الكرم في صدق الترحيب بحسب الوسع، والأدب في تقدير الجهد، والرفق في مراعاة الأحوال.

ومن تمام هذا الباب أن يعرف الإنسان متى ينصرف كما يعرف متى يحضر، وأن يراعي أوقات الناس، فلا يطيل المقام حتى يثقل على مضيفه، ولا يلحّ في الزيارة إذا ظهرت أمارات الانشغال أو التعب، ولا يفسر الاعتذار المهذب على أنّه استخفافٌ به. فلكل علاقةٍ إيقاعها، ولكل لقاءٍ غايته، وحسن المعاشرة أن يُترك للودّ مجالٌ يتجدد فيه، لا أن يُحمّل من المخالطة ما يذهب برونقه ويورث النفوس الملل.

في التلاحم في عصر الاتصال الرقمي

وقد اتسعت ميادين المعاشرة في زماننا، فلم تعد محصورةً في المجالس والبيوت والأسواق، بل صارت الرسائل والمنصات والشاشات أبوابًا يدخل منها الناس إلى حياة بعضهم بعضًا، ويختلفون ويتحاورون ويتعارفون، وربما تنازعوا في دقائق معدودة ما كانت مجالسهم القديمة لتبلغ إليه في أيام؛ فكان من اللازم أن تمتد آداب التلاحم إلى هذا الفضاء، وأن يُدرك المرء أنّ غياب الوجه لا يبيح قسوة اللسان، وأنّ اختفاء الصوت لا يجعل الإهانة أقل أثرًا، وأنّ سرعة النشر لا تعفي الناشر من التثبت، ولا تجعل الشائعة حقيقة، ولا تحول السخرية من الأشخاص إلى نقدٍ مشروع لمجرد أنها كُتبت في سطرٍ قصير.

ومن أدب التواصل الرقمي ألا يُنشر خبرٌ يمسّ سمعة إنسان قبل التحقق منه، وألا يُقتطع كلامٌ من سياقه ليُحمّل ما لا يحتمل، وألا تُتداول صورةٌ أو رسالةٌ خاصة بغير إذن صاحبها، وألا يُستدرج المختلف إلى مهاترةٍ لا غرض لها إلا إحراجه أمام المتابعين. وإذا أخطأ المرء في النشر، فليصحح خطأه بوضوحٍ يناسب أثره، ولا يكتفِ بمحو الأثر متى كان التصحيح لازمًا لردّ الضرر؛ وإذا خالفه أحدٌ في الرأي، فليتناول حجته لا كرامته، وليذكر أنّ وراء كل حسابٍ إنسانًا له مشاعر وحقوق، وأنّ التفاعل العابر قد يخلّف أثرًا طويلًا فيمن يتلقاه.

وليس من الحكمة أن يقيس المرء قيمة علاقاته بعدد المتابعين، أو يزن مكانته بكثرة الإعجابات، أو يظنّ أنّ سرعة الردّ دليلٌ على المحبة، وأنّ تأخره برهانٌ على الجفاء؛ فلكل إنسانٍ ظروفه وأوقاته ومسؤولياته، ولا ينبغي أن تتحول وسائل التواصل إلى قيودٍ تستعبد الناس، أو إلى موازينَ يُحاكمون بها على مقدار اهتمامهم. إنما قيمتها أن تقرّب البعيد، وتعين على صلة الرحم، وتيسر التعاون وتبادل المعرفة، فإذا انقلبت إلى ميدانٍ للمباهاة والتجسس والخصومة، فقد أفسدت من مقاصدها بقدر ما حققت من وسائلها.

في بناء الثقة وإصلاح ما تصدّع من العلاقات

وإذا كانت آداب المعاشرة تحفظ العلاقات من كثيرٍ من أسباب الوهن، فإنّها لا تمنع وقوع الخطأ منعًا مطلقًا؛ فالناس بشرٌ تتنازعهم الأهواء، وتعتريهم الغفلة، وتضيق صدورهم حينًا، ويعجزون عن حسن التعبير حينًا آخر، وربما صدر عن أحدهم ما لم يقصده، أو تعجل في الحكم، أو أساء فهم كلمةٍ لم يرد صاحبها الإساءة بها. وهنا يظهر الفرق بين مجتمعٍ يحسن معالجة الخلاف، ومجتمعٍ يترك كل زلةٍ تتراكم حتى تصير جدارًا من الجفاء؛ فالأول يفتح باب الاعتذار والتوضيح والإصلاح، والثاني يحفظ الأخطاء في الذاكرة، ويستحضرها عند كل نزاع، حتى تغدو العلاقات رهينةً لماضٍ لا يُغلق بابه.

والاعتذار الصادق ليس مجرد لفظٍ يقال لتسكين الغضب، بل اعترافٌ بمقدار الأذى، واستعدادٌ لتحمل المسؤولية، وعزمٌ على ألا يتكرر الخطأ بقدر الاستطاعة؛ كما أنّ قبول الاعتذار لا يعني أن يُلزم المظلوم نفسه باستعادة الثقة في لحظةٍ واحدة، ولا أن يتنازل عن حقه في وضع الحدود، وإنما يعني أن يزن الأمر بإنصاف، وأن يفرق بين من أخطأ ثم أصلح، ومن اعتاد الإضرار ثم اتخذ الاعتذار ستارًا يقيه عواقب أفعاله. فالعفو فضيلةٌ حين يضع الأمور في مواضعها، والحزم فضيلةٌ حين يمنع تكرار العدوان، وليس بينهما تناقضٌ إذا تولاهما عقلٌ منصف وقلبٌ لا يستسلم للتشفي.

ومن تمام الإصلاح أن يختار المتخاصمون وقت الحديث ومكانه، وأن يبدؤوا بما اتفقوا عليه قبل أن يستغرقوا في مواضع النزاع، وأن يصف كل واحدٍ ما وقع عليه من أثرٍ بدل أن يطلق الأحكام على نيات الآخرين، وأن يطلب التوضيح قبل أن يثبت التهمة، وأن يحدد ما يمكن إصلاحه وما يحتاج إلى وقتٍ أو مسافة. فليست كل علاقةٍ تعود إلى صورتها الأولى، ولكن كثيرًا من العلاقات يمكن أن تستقيم على صورةٍ أنضج، إذا تعلم أصحابها من خطئهم، وأعادوا ترتيب حدودهم، وتركوا للمستقبل فرصةً لا يحكم عليها الماضي وحده.

في مسؤولية الفرد عن سلامة المجتمع

وقد يظنّ بعض الناس أنّ التلاحم شأنٌ تتولاه المؤسسات وحدها، أو مسؤوليةٌ تقع على عاتق أصحاب المناصب والمصلحين والخطباء، فينتظرون أن يبدأ التغيير من غيرهم، وأن تتبدل أخلاق المجتمع قبل أن يبدؤوا بمراجعة أخلاقهم؛ غير أنّ المجتمع ليس كيانًا منفصلًا عن سلوك أفراده، بل هو حصيلة ما يتكرر بينهم من عاداتٍ ومواقف وقرارات، وما يرضون به من معايير، وما يكافئونه من أخلاق، وما يسكتون عنه من تجاوزات. فإذا اعتاد المرء أن يحتقر العامل، ثم طالب الناس باحترام الإنسان، فقد ناقض فعله قوله؛ وإذا شكا من الشائعة ثم نشر ما لم يتحقق منه، فقد شارك في صناعة ما يشكو منه؛ وإذا طالب بالإنصاف حين يكون ضعيفًا، ثم استثنى نفسه من الإنصاف حين يصير قادرًا، فقد جعل العدل مصلحةً شخصية لا مبدأً ثابتًا.

ومن هنا تبدأ التربية الاجتماعية الحقيقية: أن يراقب المرء سلوكه في المواطن التي لا ينتظر فيها ثناءً، وأن يحفظ حقوق الناس حين لا تكون له منفعةٌ مباشرة في حفظها، وأن يلتزم الإنصاف في غياب من ينصفه، وأن يراجع نفسه إذا استبدّ به الغضب، وأن يعترف بما لا يعلم، وأن يمتنع عن المشاركة في الأذى ولو كان الأذى شائعًا بين الناس. وليس مطلوبًا من الفرد أن يصلح المجتمع كله في يومٍ واحد، وإنما أن يصلح من دائرته ما يستطيع، وأن يضيف إلى بيئته قدرًا من الثقة، وإلى مجلسه نصيبًا من الاحترام، وإلى علاقاته مزيدًا من الصدق، وإلى خلافاته شيئًا من العدل؛ فإنّ الأخلاق لا تنتشر بالشعارات وحدها، بل تنتقل بالممارسة المتكررة، وبالقدوة التي يراها الناس في تفاصيل الحياة اليومية.

على أنّ المسؤولية الفردية لا تُغني عن مسؤولية المؤسسات، كما أنّ الدعوة إلى حسن الخلق لا ينبغي أن تُستعمل لتبرير الظلم أو إسكات المطالب المشروعة؛ فالتلاحم الراسخ يحتاج إلى عدالةٍ تصون الحقوق، وقواعدَ واضحةٍ تمنع الاستئثار، وفرصٍ عادلةٍ تحدّ من التهميش، ومؤسساتٍ تسمع الشكوى وتحقق فيها بإنصاف، إلى جانب ما يتحلى به الأفراد من مروءةٍ ورحمةٍ وحسن معاشرة. فإذا اجتمع صلاح السلوك مع عدالة النظام، قويت أسباب الثقة، وإذا طُلب من الناس أن يتسامحوا مع ما ينبغي إصلاحه، أو أن يصبروا على انتقاص حقوقهم باسم الألفة، اختلط التلاحم بالخضوع، وفقدت الدعوة إلى المودة معناها الأخلاقي.

 مَن صان الودَّ استدام الوصل

وهكذا يتبين لنا أنّ إتيكيت التلاحم الاجتماعي ليس مجموعةً من الحركات المحفوظة، ولا طائفةً من العبارات المنمقة التي يتعلمها المرء ليحسن صورته أمام الناس، وإنما هو نظامٌ من الفضائل العملية التي تضبط القرب، وتهذب الاختلاف، وتصون الكرامة، وتردّ المعاملة إلى ميزان الإنصاف؛ به يعرف الإنسان أنّ الاحترام لا يناقض الصراحة، وأنّ التواضع لا يستلزم إهدار الحقوق، وأنّ المودة لا تقتضي ذوبان الشخصية، وأنّ الخلاف لا يوجب العداوة، وأنّ التعاون لا يكتمل إلا إذا صانه الإخلاص، وأنّ المجتمع لا يشتدّ عوده بكثرة أفراده فحسب، بل بما بينهم من ثقةٍ متبادلة، وشعورٍ بالمسؤولية، واستعدادٍ لتحمل نصيبهم من أعباء الحياة المشتركة.

وليس المجتمع المتلاحم مجتمعًا يخلو من الزلل، أو تتطابق فيه الآراء، أو تسلم فيه العلاقات من الفتور والخصام؛ ولكنه مجتمعٌ إذا اختلف أفراده لم ينسوا حرمة الإنسان، وإذا أخطؤوا لم يغلقوا أبواب الإصلاح، وإذا قدروا لم يتخذوا القوة ذريعةً إلى البغي، وإذا احتاجوا لم يروا في طلب العون نقصًا من الكرامة، وإذا أحسنوا لم يجعلوا الإحسان دينًا يستذلون به من أحسنوا إليه. فبهذه المعاني تتماسك أواصره، وتستقيم معاملاته، ويغدو اختلافه مجالًا للنضج، وتنوعه مصدرًا للثراء، واجتماعه قوةً تعينه على مواجهة الشدائد من غير أن يفقد أفراده حقوقهم أو كرامتهم.

وإذا عدتُ في آخر الليل إلى صحيفتي، وقد هدأ القلم بعد طول جولانه في معاني المعاشرة، رأيتُ أنّ ما يحتاج إليه الناس ليس مزيدًا من الكلام عن المودة بقدر ما يحتاجون إلى مودةٍ تُترجمها الأفعال، ولا مزيدًا من الدعوة إلى الاحترام بقدر ما يحتاجون إلى احترامٍ يظهر عند الغضب، وعند الاختلاف، وعند القدرة على الإيذاء؛ فهناك، لا في ساعات الصفاء وحدها، يُعرف صدق الخلق، ويُمحَّص معدن النفس، ويُوزن قدر الإنسان. وإنّ القلوب لا يجمعها أن يُؤمر بعضها بحب بعض، وإنما يجمعها أن يأمن بعضها بعضًا، وأن تجد في معاملاتها عدلًا، وفي خلافاتها إنصافًا، وفي حاجاتها عونًا، وفي ضعفها رحمةً لا تمنّ ولا تستطيل.

فليكن لكل امرئٍ من أدب المعاشرة نصيبٌ يزداد به الناس أمنًا منه، ولكل مجلسٍ من حسن الإصغاء حظٌّ يفسح فيه المجال للعقول، ولكل خلافٍ من الإنصاف ميزانٌ يمنع البغضاء من أن تستبدّ بالحكم؛ فإنّ الكلمة الطيبة قد تفتح بابًا أغلقته القسوة، والاعتذار الصادق قد يصلح ما أفسده العناد، والعدل في موقفٍ صغير قد يزرع ثقةً تمتد آثارها إلى مواقف كثيرة، كما أنّ استهانةً عابرةً قد تهدم من الودّ ما شيدته أعوامٌ من المخالطة.

فإذا تآلفت النفوس على الاحترام، وتساندت الأيدي على المعروف، وتناصفت العقول عند الاختلاف، لم يكن التلاحم شعارًا يُرفع، بل حقيقةً تُعاش؛ ولم يكن المجتمع جموعًا تتجاور، بل قلوبًا تتآزر، وحقوقًا تتصان، وكرامةً لا تُهان.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!