مقال 2026/07/26 مشاهدة

رفقا بالقوارير

سألتك سائلة، وأوقفتك بالله واقفة، واستنصحتك في ما حارت ووقعت؛ إذا لم تسأل علقت، وإذا استفسرت بانت....

فامرأة شرقية بيتها أكبر جنتها، ورعاية أهلها من أحلامها، ما يسعها حياءها أن تغتر بكفالة نفسها، وتبدي زينتها لتكفي مؤونة أهلها، وتتعرى على الشاطئ ليخمد لهيب شهوتها. ثم يا حبذا لو كانت مسلمة، تبقى إلى زواجها تحت رعاية أبيها أو إخوتها، وتبقى في حصنهم متحجبة، ما يكاد يظهر منها أمام محارمها إلا مواقع الزينة الظاهرة منها.

فنأت مسلمة وتعرعت في أحضان المسلمين، وتربت في ضوء الشريعة المحمدية التي تجسمت في سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. كبرت علي يد امرأة تولي كل اهتمامها ببيتها، وما تعرف من نفسها إلا طاعة زوجها لا تعرف ليلها ونهارها، همها الأكبر أن تحسن عشرة زوجها وأن لا تخسر ما نالته من مكان من قلبه، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ما تسمح غيرة أهلها أن يمس أحد بعفافها من سوء أو أن ينال من عرضها شيئا.

بلغت سن الزواج، فتعلمت من أمها ما يفرض عليها واجب الزواج من رعاية ومسئولية، وما تتطلب هذه الصلة من تودد وتحبب، وأن تغامر حتى تعد شعبا طيب الأعراق. غير أنها ما عهدت عن أبيها إلا أن كان لها سندا وعضدا وعونا، يعيرها الاهتمام، يواسيها عند مأساتها، ويجازي إحسانها بالإحسان إليها، فيسليها ويخفف عنها ويدافع عنها ولا يسمح لأحد أن يتطاول عليها...

ثم شاء الله أن خُطبت، فرضي به أهله لعلمه علم الدين، عرفه الناس كريم الخليقة مهذبا سمحا محمود الشيم. فزفها أهلها إليه ظانين فيه خيرا، راجين أن كتب الله لها السعادة، وودعوها على دمع الفراق الذي يغلب بسمة يوم الزفاف.

فكان الرجل على غير رجاءهم، وخاب ظنهم فيه. فهو رجل دين الذي يكتب فضله ليكون فضيلة، ولا يألو جهدا في تحصيل العلم ليكون علامة، فكانت فضائله مناقبه، وشمائله محامده. لم يعهد الناس عنه إلا العطاء والإيثار، ولم يثبت عنه إلا المكارم والمآثر؛ إلا أنه جهل لطافة طبع المرأة ورقتها ما يدل عليه خلقتها.

فما يكون حظها منه إلا أن يقسم لها من الشرع حكم القضاء والقانون، فيستصدر لها من قانون الشرع فتوى القضاء، كي يسعد حظه بااشتغاله بالعلم وتأليف قلوب البشر ودعوتهم إلى المحجة البيضاء. فكان إحياء الدين طموحه، وإعلاء كلمة الله مراده، فلا يصرفه عن مراده اشتغاله بأهله، ومداعبتهم ومهازلتهم ومفاكهتهم. إذا رفعت إليه شكواها اتهمها بالجزع، وكان طلبها طمعا، ويستبدل التسلية بتلقينها صبرا إذا نزلت بها نازلة أو لاقت مكروها.

فأين هذه السائلة من المرأة التي يبتسم لها زوجها إذا دخل، ويقبل جبهتها إذا خرج؟ ومن التي يشاركها زوجها في الاغتسال من إناء واحد؟ ومن التي يسابقها زوجها فيُسبق ويسبق فكانت الأخرى بالأولى؟ ومن التي يردفها زوجها ويعتذر إليها كي يذهب ما وجدت في قلبها عنه من أمر أبيها؟ فأين وأين وأين...

فتحسر وتتحسر أن كان لها حظ مثل نصيب من كانت يضاجعها زوجها في أيام عذرها ويؤانسها، ومن كانت يستدفئ بها إذا برد، ومثل من يجلس لها زوجها عند بعيره، فيضع ركبته وتضع رجلها على ركبته حتى تركب.

حاشاك أن تستغرب أن المرأة التي رجحت كفة ميزانها مما نالت من حب زوجها وحنانه، زوجة من أمرنا الله بطاعته، وكانت طاعته تجلب حب الله.

فما الذي يشغل عنها زوجَها حتى لا تنال منه مثل ما نالت المرأة المغبوطة والسعيدة في حظها!؟ وما الذي صرف نظره عن ما وصاه به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:" استوصوا بالنساء خيرا " !؟ وما الذي يمنعه أن يكون مصداق قول من هو خير زوج حتى من أبي زرع لأم زرع، فقد قال صاحب الخلق العظيم:"خيركم خيركم لأهله" !؟ وما الذيي أخفق مسعاه أن لايتأسى بمن يستر زوجته برداءه حتى تشبع من رؤية لعب أهل الحبشة، ويصبر لها حتى هي التي تسأم وتنصرف!؟ وبمن لا يعاف أن تلين له زوجها السواك فتزيده رطبا بلعابها فيستاك به!؟ وبمن يمس بفيه الإناء من حيث مست شفتاها!؟

أوَ عجبت أن تحلى بمكارم الأخلاق هذه وأعار هذا الاهتمام أهله من أُرسل إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا ليعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم!؟

فإلى الله المشتكى من رجل يريد طاعة زوجها وبرها ورعايتها في بيتها ولا يحسن عشرتها حتى لا يكافئها، ومن زوج يبني مجده ويغفل عمن استرعاهم الله أمرهم من أهل وأولاد.

أصلح الله حال من كان في تثقيف نفسه من مطالعة الكتب وانهمك فيها، حتى مر عليه هزيع من الليل تنتظره وفيتها، فسرحت شعرها وبدلت ثيابها وعطرت رقبتها لتضمها إليك فـتحس ما تقول بأنفاسها، وتعبث بأشعارها وشحمة أذنها، فلا يرجع إلا مكدودا متعبا عابس الوجه قد ذهب بهاؤه وزال ضياءه وخمد نوره، ما يريد إلا أن يأخذ قسطا من الراحة ليستجد نشاطه.

آتى الله الرشد من يجد عارا في أن يقوم بأعمال البييت فيقطع مع زوجته اللحم، أو يرقع ثوبه، أو يخصف نعله، أو يحلب شاته، ومن يقول بالعار إذا قام من مجلسه ومشى ليودع زوجه.

رزق الله حسن النظر لمن يرى بأسا في أن يكون مكان رأسه من فخذ زوجتها فترجله وتمشطه.

فقه الله في الدين ابن آدم الذي كان لباسه فضفاضا يواري سوآته ويسع اثنين مثله، ولم يكن وسَطا فيكون عورة وريشا.

هدى الله من استزلته نفسه في أمر من ظنت أنها تلوذ من متاعب الحياة ومن ضنك المعيشة بمن يعاشرها بالمعروف، فرأى الحياة الزوجية شركة تجارية، يؤدي كل من الشركاء ما يجب عليه ويأخذ ما يحق له ويمضي في سبيله. ألم يكفه موعظة قول الله عز وجل [وعاشروهن بالمعروف]، وكفى بالآية تذكيرا [ومن آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة].

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!