مقال 2026/09/24 مشاهدة

المفكر القرآني التيجاني عبد القادر: رجل الفكر العميق والعمل الهادئ

بعد صلاة الفجر، وكان الوقت وقت هدوء وسكينة، ولم يكن ساعة دخول إلى فيسبوك، غير أني كنتُ على موعد مع القدر، فدخلتُه في غير ميعاده.

صادفني منشور للدكتور الكريم أبي بكر إبراهيم، يحمل صورة العالِم المفكر الدكتور التيجاني عبد القادر؛ فاستوقفني المنشور، وجذبني إلى قراءته، وكنت أؤمّل أن يحمل خبرًا من أخبار السعادة، مثل صدور كتاب جديد له، أو نشر مقال جديد، أو تقديم محاضرة... فإذا به يحمل ما لم يكن في الحسبان.

كان المنشور يحمل خبرًا فاجعًا لي ولغيري من محبي الدكتور التيجاني؛ إذ كان ينعى إلى الأمة رحيل الرجل، الذي كان يحمل في قلبه حبًا عميقًا لها، وفي عقله فكرًا منشغلًا بقضاياها ومصالحها، وفي مسيرته رسالة يدعو إليها ويكدّ لأجلها. إنه نبأ الحق الذي بدأ به المولى سبحانه وتعالى قصة خلق الإنسان، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

فإنا لله وإنا إليه راجعون...

غير أن نبأ الموت يثير في عاطفة المحب شجون الحياة؛ إذ إنه يحاول التشبث بأسباب الأمل، غاضًّا طرفه عن أخبار الأجل؛ فأخذني هذا النبأ إلى عهدي مع الراحل الكريم، حيث كان لي شرف قضاء سنوات خُضْر معه، والاستفادة منه، والاقتراب من قلبه النابض بالحب والوداد، ومن عقله الفائض بالعلم، ومن نفسه المتوثّبة إلى العطاء والإفادة. 

بدأ شريط الذاكرة يمرّ سريعًا أمام عيني، وتتزاحم فيه صورٌ ومشاهد وأحداث كثيرة؛ بعضها يعود إلى سنوات، وبعضها يعود إلى شهور، وكلها تتداعى إلى الذاكرة. 

وهاكم بعض تلك الصور، أسوقها دون ترتيب ولا تنسيق، إذ إنها ليست سيرة مستوفاة، ولا ترجمة علمية، وإنما هي لمحاتٌ من حياة عالم عرفته عن قرب، وشهاداتٌ من ذاكرة تلميذٍ استفاد من صحبته، لعلها تكشف شيئًا من جوانب تلك الشخصية، التي تركت أثرًا في نفسي وفي نفوس غيري.  

  1. رحلة علم بدأت بالميلاد ولم تنتهِ بالوفاة 

وُلد الصبي التيجاني عبد القادر في مدينة أم دم الواقعة في شمال كردفان، بأرض السودان الخصبة، وبدأ رحلته مع العلم فيها، تلك الرحلة التي لم تكن تعرف السكون، ولا الاستقرار، ولا القناعة، إذ كان بيت أبي الطيب السائر في الآفاق شعاره في الحياة:

وإذا كانت النفوس كِبارًا *** تعبت في مرادها الأجسامُ

ومن ثم لم يكن الطفل الطموح ليقنع بما اكتسبه من العلم والمعرفة في مدينته، ولا ليجعل من حدود المكان الذي نشأ فيه حدودًا لطموحه وآفاقه، حيث كان في نفسه توقٌ إلى المعالي، وفي وجدانه شغفٌ إلى العزائم، يتجاوزان جغرافيا المكان التي وُلد وترعرع فيها. 

ضاقت به آفاق المدينة بعد مدة، فشملتْه رحماتُ الرحمن، فوسّعت أمامه آفاق الوطن؛ فحمل عصا الترحال، وشدّ الرحال إلى الخرطوم، عاصمة السودان، وفيها التحق بجامعة الخرطوم، وانضم إلى قسم الفلسفة، حيث وجد نفسه في فضاء مختلف، تتقاذف فيه الأسئلة الكبرى، وتتزاحم فيه الأفكار المتضاربة، وتتفتح فيه أبواب النظر والتأمل، فأكمل دراسة البكالوريوس والماجستير في هذه الجامعة، ثم انضم إلى سلك التعليم. 

 

غير أنه قد شعر، بعد وقت قصير، أن موعد الإفادة لم يَحِنْ بعد، وأنه لا بد من إعداد النفس بمزيد من العلم والمعرفة والخبرة قبل أن يبدأ مهمة التدريس، فرحل إلى جامعة لندن، وواصل مسيرته العلمية هناك في فضاء علمي جديد، اتسعت فيه تجربته العلمية، وثقفت فيه أدواته المعرفية، وتعززت فيه صلته بالبحث العلمي.

 

عاد الشاب التيجاني إلى وطنه، وانضم إلى أعضاء هيئة التدريس بجامعة الخرطوم. وهنا بدأ فصلًا جديدًا من حياته، فصلًا لم يَعُدْ فيه العلم شأنًا شخصيًا، وإنما صار رسالة ومسؤولية؛ إذ وجد في التعليم سبيلًا إلى خدمة الأجيال، وفي البحث العلمي طريقًا إلى خدمة الأمة، وفي الأستاذية فرصة لأن يزرع في طلابه ما كان قد تلقاه هو من شغف بالسؤال، وحب للجواب، وإيمان برسالة العلم والمعرفة. 

 

غير أن نفسه التوّاقة لم تعرف قرارًا طويلًا، والنفس التي ألفت الرحلة لا تستريح إلى الإقامة الدائمة؛ فما لبث أن حمل عصا الترحال من جديد، وطاف بأرض الله الواسعة، نشرًا للعلم، وبحثًا عن آفاق جديدة للعطاء، وإفادةً للبشر، وكانت ماليزيا محطة أخرى في هذه الرحلة الطويلة، حيث التحق بالجامعة الإسلامية العالمية، ودرّس فترة غير قصيرة في تلك الجامعة، التي التقت فيها ثقافات متعددة ومشارب فكرية متنوعة، وواصل رسالته التعليمية والبحثية، وأسهم في تكوين أجيال من الطلاب، ونقل إليهم ما حمله في رحلته الطويلة من علم وتجربة ورؤية.
ثم قاده العلم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وانضمّ إلى جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا، وقضى فيها فترة غير قصيرة، مدرسًا وباحثًا ومشاركًا في ذلك الحراك الفكري والعلمي الذي كان يتشكّل في تلك المرحلة من تاريخ الأمة. وهناك أضاف إلى تجربته العلمية بعدًا جديدًا، واحتكّ بنخبة من الباحثين والمفكرين من طراز عالٍ، من رموز حركة أسلمة المعرفة، تحت مظلة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرجينيا، وانخرط في مشروع فكري كان يسعى إلى إعادة وصل المعرفة البشرية التائهة بالمرجعية الإلهية الصحيحة، واستعادة البعد القيمي والحضاري لمسيرة العلم والفكر.
ومن أمريكا انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث درّس في جامعة زايد، وواصل مسيرته في التعليم والعطاء. وأخيرًا، وبعد رحلة طويلة بين بلدان العالَم ومؤسساته، وضع عالِمنا عصا الترحال على أرض قطر الخصبة، تلك الأرض التي وجد فيها قلوبًا متفتّحة وعقولًا ناضجة، تقدّر العالِم، وتوفّر له بيئة علمية مناسبة؛ لنشر رسالته في الحياة، حيث انضم إلى هيئة التدريس بجامعة قطر المرموقة، بدءًا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية وانتهاءً بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ ليواصل فيها ما بدأه منذ عقود؛ رحلة العلم والتعليم والبحث وخدمة الأمة.
وبذلك اكتملت خطوط الرحلة الطويلة التي قطعها مفكّرنا؛ إذ انطلق من أفريقيا، في جنوب الكرة الأرضية، ثم رحل إلى أوروبا في شمالها، ثم إلى آسيا في شرقها، ثم إلى أمريكا الشمالية في غربها؛ ليستقر أخيرًا في قلب العالم، في جزيرة العرب. بدأ رحلته من بلدة أم دم في السودان فتىً، واختتمها في مدينة الدوحة في قطر شيخًا.
  1. لقاءٌ عابر مع القرآن الكريم... ثم امتدّ إلى نهاية العمر

كان الشاب التيجاني في ريعان شبابه، وكانت تتّقد في ذهنه أسئلة الفلسفة، وتتّسع في نفسه آفاق البحث عن الحقيقة، وكان يدرس الفلسفة بجامعة الخرطوم، وقد اختار لنفسه طريقًا بين أروقة فلاسفة الغرب، راغبًا في أن يتعمق في أفكارهم، وأن يمتلك أدواتهم؛ ليضعها في خدمة قومه وأمته. 

وكان يظن أن الطريق إلى خدمة أمته يمر ببوابة الفلسفة الغربية، وأن التبحر في تراثها ومدارسها الكبرى قد يفتح أمامه أبوابًا يستطيع من خلالها أن يسهم في نهضة قومه، وأن يشارك في صياغة مستقبلهم الفكري والمعرفي. 

غير أنه، وفي خضم تلك الرحلة وفي لحظة عابرة منها، لقي رجلًا نصوحًا، جمعتهما الصدفة -ولا صدفة في دنيا الرحمن-، وجرى بينهما حديثٌ موجز، حيث نصحه الرجل بأن الفلسفة الغربية وحدها، على ما فيها من ثراء وإسهام في تاريخ الفكر الإنساني، لا تكفي لتقديم ما تحتاج إليه أمته، وأن من أراد أن يخدم قومه خدمة أصيلة، لا ينبغي له أن يكتفي بالنظر في فلسفة الإنسان، بل عليه أن يستفيد من فلسفة القرآن؛ ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، والذي جاء هدى للعالمين.

وأكّد عليه الرجل النصوح أيضًا ألا يهدم ما بناه، وألا يقطع صلته بماضيه الدراسي، بل عليه أن يجعل نفسه جسرًا تصل بين عالمين، وأن يبحث عن موضوع بحثٍ لمشروع تخرجه للبكالوريوس يجمع بين الفلسفتين؛ فلسفة القرآن وفلسفة الإنسان.
اقتنع الشاب بالفكرة، وبدأ مرحلة جديدة من حياته العلمية؛ فأخذ يقلب صفحات الكتب، ويطيل النظر فيها، ويتتبع الأسئلة التي يمكن أن تجمع بين القرآن الكريم والفلسفة، ويقضي أيامه ولياليه في البحث عن ذلك الموضوع المنشود. وأخيرًا، هداه الله تعالى إلى مفهوم الزمن في القرآن الكريم والفلسفة، الذي أكمل به مشروع تخرّجه.
ويبدو أن عالِمنا لم يكن يبحث في دفّات الكتب عن عنوان بحثٍ لمشروع تخرج جامعي في الحقيقة، وإنما كان يبحث، من حيث لا يدري، عن بداية طريق جديد، ذلك الطريق الذي سيلازمه مدى الحياة.
ومن ثم لم تنتهِ صلته بالقرآن الكريم بانتهاء المشروع، بل كانت بوابة، دخل منها إلى عالَم القرآن الكريم الفسيح، حيث امتدت صلته به طوال رحلة العمر، حتى أصبح جزءًا رئيسًا في مشروعه العلمي والفكري.
ومن هذه الصلة تتابعت الكتب والبحوث والمقالات، التي جعلت القرآن الكريم محور اهتماماته، وكان من أبرز ثمارها رسالته للماجستير: أصول الفكر السياسي في القرآن الكريم (مطبوع من المعهد العالمي للفكر الإسلامي)، وكتابه: النص القرآني وأصول الاجتماع السياسي: مداخل فلسفية (مطبوع من منتدى العلاقات العربية والدولية)، إلى جانب ما كتبه من بحوث ومقالات تناولت قضايا الفكر والإنسان والمجتمع من بوّابة القرآن الكريم.

وكانت آخر محاضرة قدّمها الدكتور التيجاني في مركز ابن خلدون عن تأملاته في سورة البقرة بعنوان: "السورة القرآنية وحدة تحليل مستقلة: حالة سورة البقرة"؛ تحدث فيها عن صحبته الطويلة مع هذه السورة الكريمة وتدبره الطويل في محتواها، وأنه ظل يتدبرها سنوات، يتأمل في مضامينها، ويتتبع محاورها، حتى انتهى إلى النتائج التي توصّل إليها. 

  1. التعرف على فكر الإمام الشافعي في المخبأ

لم يحصر الشاب التيجاني نفسه في زاوية العلم، بل كان نشِطًا في الحركات السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت تموج بها جامعة الخرطوم خصومًا و السودان عمومًا في ذلك الوقت، حيث كان ناشطًا في الحركة الإسلامية في السودان، وكان رئيس اتحاد الطلبة بالجامعة.

وكانت الحركة الإسلامية تمرّ في مسيرتها بمدٍّ وجزر. وفي أحد أزمنة الجزر، اشتدّت مطاردات الحكومة لرجال الحركة، لا سيما قادتها الشباب، وكان الشاب التيجاني واحدًا من أولئك المطارَدين، فاضطرّ إلى الاختباء في بيت أحد أصدقائه، وكان الرجل يعمل في الجيش، ومن ثم كان بيته بعيدًا عن موضع الشبهة والتهمة. 

غير أن المخبأ، وإن وجد فيه الأمان عن بطش المتربّصين، إلا أنه أبعده عن بيئة العلم ومصادره، فطلب من صديقه أن يأتيه ببعض الكتب التي يقضي بها نهمه العلمي؛ فبحث صديقه العسكري البعيد عن الأجواء العلمية عن كتب، واهتدى إلى مجلد من مجلدات كتاب (الأم) لعالِم قريش الإمام الشافعي المطلبي، وبدأ الشاب المتعطّش إلى العلم بقراءة الكتاب، ولكنه لم يفهم منه إلا القليل؛ لأن أسلوب الكتاب وطريقة تناوله للموضوعات غير مألوف لديه، ولكنه أنه لم يكن لديه أي خيار آخر، فأعاد قراءة الكتاب مرات.

وأخيرًا، بدأت زهور الكتاب تتفتح أمام ناظريه، وشرعت ثماره تتدلى بين يديه، واكتشف أن المجلد الذي ظل يقرأه من كتاب الأم لم يكن إلا كتاب (الرسالة) ذاته! ذلك السِّفر العظيم، الذي يمثّل أحد الأعمدة الكبرى في صرح علم أصول الفقه، والذي وضع فيه الإمام الشافعي أصول النظر في الأدلة، وقواعد الاستدلال، وأسس التعامل مع نصوص الوحي الشريف. 

وبين جدران ذلك المخبأ، وجد الشاب التيجاني نفسه أمام علم الإمام الشافعي، يتعلم منه كيف يُبنى التفكير العلمي، وكيف تُقرأ نصوص الوحي، وكيف تُنظَر في الأدلة، وكيف يتحول العلم من معلومات متناثرة إلى منهجٍ متكامل. 

وقد تركت تلك الصحبة أثرًا بالغًا في تكوينه العلمي؛ إذ أفادته في ضبط المنهجية العلمية، وأكسبته حسًّا أعمق في التعامل مع التراث الإسلامي، وكشفت له أن تراث علمائنا المتقدمين ليس صفحات مطوية من الماضي، وإنما هو مدرسةٌ حيةٌ لمن أحسن قراءتها، وصبر على مفاتيحها، وأطال صحبتها. 

  1.  بأول لقاء

في نهاية عام 2016، رأيت أستاذنا الدكتور التيجاني لأول مرة، وذلك في ورشة حول علم الاستغراب، نظّمها أستاذنا الدكتور نايف بن نهار في فندق ماريوت. وهناك استمعت إليه للمرة الأولى، فاستوقفتني طريقته في تناول الموضوع، وما كشف عنه من أهمية علم الاستغراب في فهم الآخر والإفادة والاستفادة منه. ثم قرأت له بحثًا بعنوان: "علاقات المسلمين الخارجيّة: نموذج تفسيري"، فإذا بي أكتشف عالمًا من طراز رزين؛ لا يكتب لمجرد الكتابة، ولا يستعرض المعرفة لمجرد الاستعراض، وإنما يكتب وهو يحمل إشكالًا معرفيًا، ويبحث عن نتائج علمية مقنعة، ويتلمس حلولًا عملية لمشكلات الواقع الحقيقية. 

ثم تابعت قراءتي لكتاباته، وكنت كلما قرأت له مقالًا انفتح أمامي جانب من شخصيته العلمية، وأني لست أمام أكاديمي يرى في التعليم والبحث وظيفة، بل أمام عالم يمتلك رؤية، ومفكر يحمل رسالة، وصاحب مشروع يتجاوز حدود الكتابة إلى هموم الإنسان والمجتمع والأمة.

ثم تشرفت بالعمل تحت إدارته في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر الغالية، إذ كان رئيسًا لقسم العلوم الاجتماعية في المركز. وهناك عرفته عن قرب، فوجدت فيه حرص المسؤول الذي يرغب في إنجاز ما أوكل إليه بصمت، حيث كان يعمل بنفسه، ويوجّه من تحته، ولكن من غير صخب ولا ضجيج؛ يقدّر حين نحسن، ويوجّه حين نخطئ، ولم أره قط غاضبًا على أحد، أو رافعًا صوته على أحد، أو متصرفًا بطريقة توحي بأنه مسؤول يمتلك صلاحيات!

وكان بين مكتبه ومكتبي جدار خفيف، وكنت أسمع صوته حين يتحدث، ومع ذلك، كان إذا أراد شيئًا مني، جاء بنفسه، ولم يطلبه عبر الهاتف، مع أنه أمر معتاد. وكنت أقول له دائمًا: دكتور، يمكنك أن تأمرني بالاتصال أو بالنداء من مكتبك، فلا يفصل بيننا إلا جدار. فيبتسم ويقول: دعني أتحرك قليلًا!

ولم تكن تلك عادته معي وحدي، بل كان ذلك ديدنه مع الجميع؛ وكأن الرجل كان يرى أن المسؤولية لا تعني أن يجلس الإنسان في مكانه منتظرًا؛ ليأتيه الآخرون -ولا إشكال فيمن يفعل ذلك ما لم يكن بقصد إظهار المكانة-، وإنما أن يتحرك هو بنفسه؛ ليشرف على ماجريات الأعمال. 

وكنت إذا ذهبت إليه للاستشارة في أمر علمي، يفتح أبواب قلبه بالإفادة، فأشعر أنني أمام عالمٍ يحمل همّ العلم، ويرغب في بذل جهوده لرفع مستوى مستفيديه، ويدلّهم على أبعاد من الموضوع لم ينتبهوا إليها، ويرشدهم إلى مراجع لم يكونوا يعرفوها، وإذا أحسّ بثقل الموضوع على المستفيد، يتحفه بقصة أو طرفة ذات صلة بالموضوع، فيخفّف بها من وطأة الحديث العلمي الجافّ. وما أكثر القصص والطرائف التي كان يعرفها! وما أعجب قدرته على استحضارها في مواضعها! 

  1. كل عام وأنت -يا أستاذنا- بخير عند ربك

كان من عادة الدكتور التيجاني، أنه كلما التقى بأحد منا في طريق، أو مكتب، أو اجتماع، أو سوق، أو ندوة أن يبادر بالقول: كل عام وأنتم بخير؛ ولو لم يكن ذلك مطلع عام جديد، ولا مناسبة خاصة تستدعي التهنئة.

ويبدو أنه كان ينظر إلى كل يوم جديد على أنه فرصة نادرة، وأن اليوم الذي يعمل فيه الإنسان بجده ونشاطه يغدو عامًا كاملًا، لما يحمله من معان وإنجاز، وبذلك يستحق أن يهنَّأ به. ولعله كان يتمثل في ذلك ببيت أبي الطيب المتنبي:

كل يوم لك احتمال جديدُ *** ومسيرٌ للمجد فيه مُقامُ

وبعد رحلة مديدة في طلب العلم ونشره وخدمة قضاياه، وبعد أن طاف قارّات العالَم الأربع الكبرى، لبّى مفكرنا الكبير نداء ربه سبحانه وتعالى في 5 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 16 سبتمبر 2026م.

وقد وُوري جثمانه الثرى يوم الجمعة، 7 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 18 سبتمبر 2026م، على أرض قطر التي أحبها، وظل وفيًا لها، بعد أن صلّى عليه جمع غفير من المشيّعين من زملائه وطلابه ومحبيه وذويه وعامة أهل قطر. 

اللهم إن عبدك التيجاني قد رحل إليك، وكان يهنئنا بكل يوم نلتقي فيه به، فهنِّئه بصحيفة أعماله اليمنى، واجعل أيامه كلها عيدًا وفرحًا وسرورًا ونعيمًا. 

اللهم اجعل علمه الذي نشر، وفكره الذي حمل، وأثره الذي ترك، نورًا له في قبره، وزادًا له يوم لقائه بك. 

اللهم أكرم نزله، وآنس وحشته، ووسّع مدخله، وارفع درجته في عليين، وألحقْنا به في دار كرامتك، ونزُل ضيافتك برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدوحة - قطر

11 ربيع الآخر 1448هـ 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!