حضرت اليوم في الصف بعد الظهر كالعادة، وجلست ثم سألت الطلاب من أين درسنا اليوم؟ فأخبروني عن رقم الصفحة مع عنوان الدرس. فطلبت من طالب كتابه وفتحته ثم شرعته فقبل شروعي في شرح درس اليوم رأيت الطلاب كانوا في أوضاع مختلفة، فالبعض منهم وضعوا مناديلهم على رؤوسهم، وغطوا بها وجوههم. والبعض الآخرون كانوا مكشوف الوجوه، ولكنهم يرى من وجوههم أنهم يعانون شيئا ما. والفئة الثالثة لم يكن على رؤوسهم المناديل والشماخ، ووجوههم مكشوفة، وهم نشطاء أكثر من الغاية.
فأردت توجيه سؤال إلى الجميع. ففردا فردا سألت كل طالب لماذا وضعت منديلك على رأسك وغطيت به وجهك إن كان عنده منديل وبالفعل قد فعل ذلك. فأجابوني أننا مرضى. ولما توجهت إلى الفئة الثانية من هؤلاء فكانت إجابتهم بأننا أيضا مرضى، ولكن نوعية مرضهم كانت مختلفة عن نوعية مرض الفئة الأولى. أما الفئة الثالثة فما كان بحاجة إلى توجيه السؤال إليهم، فتركتهم على حالهم، وبدأت شرح درس اليوم.
أثناء تدريسي جاءني أحد الأساتذة ليخبرني أن اليوم مشورة بين الأساتذة فأرجوك بالحضور والمشاركة فيها، فتركت الطلاب قائلا لهم: راجعوا دروسكم إلى أن أعود إليكم. فدخلت الغرفة وسحبت كرسيا وجلست فيه، ثم بدأت المشورة وقد حضر الشاي مع لوازماته، ثم شرب الجميع الشاي وتناولوا السمبوسة، ثم عادوا إلى ما كنا عليه. وبعد نهاية المشورة مباشرة عدت إلى صفي وبدأت معهم شرح الدرس من حيث تركته.
ولما انتهيت من شرحه طرحت على الجميع سؤالا واحدا، ومنعتهم عن جواب واحد، وهو "ما عندنا وقت" أما الأجوبة الأخرى فيمكنهم الجواب عنها. وسؤالي المطروح عليهم هو " لما ذا لا تكتب يوميات؟" أقصد أنني كلفتهم في بداية السنة بأنهم يكتبون كل يوم من حياته ولو صفحة أو صفحتين، ويكتبون كل ما يشاهدونه في حياتهم باللغة العربية. فكانوا يقولون: طيب، يا أستاذ، نكتب فالبعض منهم كتبوا شيئا، والبعض لم يكتبوا كلمة واحدة فضلا عن يوميات. فكلفتهم اليوم بأنهم يجيبون أية إجابة يشاءونها ولكن لا يجيبون جواب "ما عندنا وقت" فبدأ كل واحد يجيب عن سؤالي المطروح عليهم.
فأحدهم قال: لا أكتب بسبب الخمول والكسل. والثاني قال: ما عندي زاد لغوي حتى أكتب شيئا من حياتي. والثالث كان يقول: علي زحمة الأمور والواجبات. والرابع يقول: نسيت. والخامس أيضا قدم عذرا من الأعذار. فهكذا قدموا أعذارا متنوعة لعدم كتابة اليوميات.
ثم أخيرا قلت لهم: والله هذه الأعذار التي قدمتموها هي لا شيء، وإن أصارحكم فأقول لكم: هذه الأعذار كلها مرفوضة. والأمر الذي تفقدونه، وينقصكم جميعا هو أنه ليس لديكم رغبة، فإذا كانت لديكم رغبة لما فعلمتم هكذا، بل كنتم قد كتبتهم يوميا. ثم خاطبتهم قائلا: هل ترك أحدكم فطوره وغداءه وعشاءه بسبب الخمول والكسل؟! فأجاب الجميع بتحريك رؤوسهم يمينا وشمالا قائلين: لا. ثم قلت لهم: هل تركتم طعامكم إن لم يكن لديكم في مطعمكم؟ فإجابتهم أيضا كانت بالنفي حيث قالوا: ما تركناه، إن لم نجده في المطعم نطلبه من خارج بالمبلغ. ثم قلت لهم: هل تركتم الطعام بسبب زحمة الأمور والأعمال. فأجابوا: كلا وحاشا لم نترك طعامنا وإن وضع على رؤوسنا جبل من الجبال. ثم قلت لهم: هل وضع أحدكم مبلغا قدره ثلاث مائة ألف عند أحد، ثم نسيه؟! قالوا لي: كلا، كلا، لا ولن ينسى أحدنا ذلك المبلغ. فإذن لماذا تنسون كتابة اليوميات. فنسيانكم دليل على أنكم تفقدون رغبتكم حول الكتابة، فلذلك تتركونها بسبب الخمول، أو بسبب عذر قلة الزاد اللغوي، أو بتقديم عذر نسيان أو غير ذلك من الأعذار.
لما انتهيت من ترغيبهم شعرت أنني طولت كلامي اليوم. فلما لمحت الساعة فإنها كانت تشير إلى انتهاء الدوام المسائي، فأمرت الطلاب بالانصراف، فحملت حقيبتي وجئت بها إلى الغرفة وجلست في مكاني.
حررت بتاريخ: 01-11-2021م