حديث عن النفس، في سبيل العربية

هذه المقالة تتحدث عن جهود الكاتب في ممارسة الأدب العربي.

كنتُ أتسكع في الشارع، و أخطو خطواتي و أتنفس من الهواء الطلق، و أدير في رأسي أفكاري، و أستحضر ذكرياتي و ملفات حياتي، و أخرق الرداء الذي سدل علی حياتي، كنت منكشِفا عن ما يجري حولي، أتمتم و أهمس في نفسي أيمكنني يوماً أصعد سلالم الأدب العربي و أبلغ مبلغه؟ أيمكن لمثلي أن ينال حظه من الأدب؟ الذي لم يولد في دولة عربية، و لم يترعرع في أسرة عربية، لم يبدأ حياته الدراسية في بيئة عربية، و تساهل معلمو مادة اللغة العربية في تثقيفه و تنميته، فكيف يرتقي سلالم الأدب؟ كيف يتلألأ في سماء الأدب؟ تلطمني هذه الأسئلة و تتكاثر و تتزايد عليَ، كم سعيت أن أفر منها، و أخلص نفسي منها، و أريحها و أستريح و أسند ظهري علی جدار أو شجرة أو صخرة و أشفق علی نفسي، أنا أتعبت نفسي فوق ما تطيق، و أزعجتها كثيراً، كم سهرتُ الليالي؟ كم طالعتُ؟ كم كنتُ أمشي في الشوارع و في يدي كتاب أطالعه؟ كم كنتُ أحضر النوادي العربية و أتمارس فيها الخطابة؟ و كنت أشجع زملائي علی إلقاء الخطابة، كم تدرَّبتُ الخطابة و الكتابة.

 ثم بدأتُ كتابة مقالاتي و نشرها في الواتس آب، خطوت خطواتي تجاه اللغة و الأدب بها، بذلتُ قصاری جهودي، استمعتُ إلی خطابات العلماء و المثقفين و الأساتذة، طالعتُ كتب الشيخ الندوي رحمه الله تعالی، و كتب الشيخ الطنطاوي رحمه الله تعالی، طالعت كتب نجيب الكيلاني، كما يقول الشاعر: 
بقدر الكد تكتسب المعالي  **  مَن طلب العلی سهر الليالي
لايحصل العلی بالمنی، 
مَن جد وجد.

 كلما كنتُ أطالع كتاباً كنت أسجل تعبيراته و كلماته، مع ذلك لا أستحضر و لم أتذكر منها شيئا، كأنني لم أطالع شيئا، كأنني لم أسهر الليالي، كأن مقالي هذا يكذّبني و يزدري بي و يسخر مني، كيف تنسب هذه الإنجازات إلی نفسك؟ كيف تطيق هذه المحنة؟ الله يعلم أني صادق فيما سطرته هنا، كنت في مستهل الأمر طفقتُ أكتب المقالة رأيتُ بعض الإخوة اتخذوني سخرياً و ازدراء، يزدرون بي ويستهزئ بعضهم بي، كم كنتُ أتالم و أحترق.

 لماذا هؤلاء يزدرون بي؟ حتی عزمت علی أن لا أمارس الكتابة و لا أخوض في هذه المعركة الحاسمة، يئستُ من نفسي و تفوقي و حياتي و نجاحي، لأنني لم أدرس لدی أديب بارع أو كاتب عبقري أو أستاذ متضلع، بل بدأتُ أطالع و أحفظ التعابير و الكلمات، بل المطالعة هي التي ثقفتني و علّمتني العربية، المطالعة غذتني تغذية عربية و فكرية، كنتُ أقتطف منها الدرر و اللآلي، و كنت أستلهم أفكاري منها، كنتُ أكتب ما يخطر ببالي، و ينسجه خيالي و يصدقه فؤادي و يسطره قلمي، كم أتحسر و أتاسف علی نفسي، لمَ لم أولد في دولة عربية، لمَ لم أترعرع في أسرة عربية، علی الأقل لمَ لم ألتحق بالجامعات العربية في الجزيرة العربية؟ لمَ لم تنجب أرضنا أمثال المنفلوطي و الرافعي و الندوي و الجاحظ وغيرهم من الكاتبين البارعين، لكي نتلمذ عندهم و نتدرب عندهم الأدب و الكتابة، حقاً بلادنا مفتقرة إلی أمثالهم.

عبدالسلام العمري البلوشي

المدرس و باحث الفكر الإسلامي و السياسي
أنا متخرج جامعة عين العلوم جشت و تخصصت في الحديث النبوي و الأدب العربي
مجموع المواد : 20
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020