لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش

حياة قائد من أروع قادة الحضارة الإسلامية السلطان محمد الفاتح و إبداعاته في فتح القسطنطينية وقيادته المثالية في تاريخ البشر.

هذه صفحات وجيزة عن قائد من أروع قادة الحضارة الإسلامية في القرون الخمسة الأخيرة ، إن لم يكن بحق هو أعظمهم، كان محمد الفاتح شابا بعيد العشرين بقليل، وكان مسلما قبل أن يكون عثمانيا وكان قد تسلّم قيادة أعظم إمبراطورية إسلامية تقف وحدها مدافعة عن المسلمين بعد سقوط الأندلس، وبعد انهيار خلافة العباسيين، وبعد أن تداعت آيلة للسقوط دولة المماليك، أبطال موقعة عين جالوت، التي صدوا فيها الغارة التتارية سنة 658هـ. وحمل العثمانيون الراية بعد تداعى هذه القوى (أيوبية، وعباسية، ومماليك) فصدّوا أوربا التي كانت قد زحفت على شمال إفريقية (تونس والجزائر ومراكش) بعد سقوط غرناطة سنة 897هـ/1492م. فكان ظهور العثمانيين إنقاذا من الله للعالم الإسلامي.

محمد الفاتح هو السلطان محمد الثاني بن مراد الثاني (855هـ/1451م) وهو السلطان السابع في سلسلة آل عثمان، يلقب بالفاتح وبأبي الخيرات، وقد حكم نحو ثلاثين سنة ،كانت خيرا وبركة على المسلمين ، وتولى حكم الخلافة العثمانية في 16 محرم 855هـ /18 فبراير 1451م. وعمره إذ ذاك 22 سنة، وكان الفاتح شخصية فذة. جمعت بين القوة والعدل.

وكان محمد الفاتح محبا للعلماء ويقربهم لمجالسه، وقد تعلم منهم بعض الأحاديث النبوية التي تثني على فاتح القسطنطينية ومن ذلك قول رسول الله عليه وسلم "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش" ولهذا كان الفاتح يطمح في أن يكون هو المقصود بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

تربية محمد الفاتح

ولقد أثمرت تربية العلماء له حب الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن وسنة سيد الآنام، ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية ، واتصف بالتقى والورع ، وكان محبا للعلم والعلماء، ومشجعا على نثر العلوم.

لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الأفاضل ممن يخالف الأمر السلطاني إذا وجد به مخالفة للشرع، ويخاطبه باسمه، ومن الطبيعي أن يتخرج من تحت يد هؤلاء أناس عظماء كمحمد الفاتح ، وأن يكون الفاتح مسلما مؤمنا ملتزما بحدود الشريعة، مقيدا بالأوامر والنواهي معظما لها، ومدافعا عن إجراءات تطبيقها على نفسه أولا، ثم على رعيته، تقيا صالحا، يطلب الدعاء من العلماء العاملين الصالحين.

وكان الفاتح يميل لدراسة كتب التاريخ، وقد سار على المنهج الذي سار عليه أجداده في الفتوحات. ولهذا برز بعد توليه  السلطة في الدولة العثمانية بقيامه بإعادة إدارات الدولة المختلفة، واهتمّ كثيرا بالأمور المالية، فعمل على تحديد موارد الدولة، وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ والترف، وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش، وأعاد تنظيمها، وسجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر، وعمل على تطوير إدارة الأقاليم. وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم، وعزل من ظهر منه تقصير أو إهمال، وطور البلاط السلطاني، وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة. مما أسهم في استقرار الدولة والتقدم إلى الأمام.

ولم يكتف السلطان محمد بذلك بل إنه عمل بجدّ ، من أجل أن يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. والمعقل الإستراتيجي المهم للتحركات الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن ، والتي طالما اعتزت بها الإمبراطورية البيزنطية بصورة خاصة والمسيحية بصورة عامة، ومن أجل جعلها عاصمة للدولة العثمانية.

الإعداد لفتح القسطنطينية

لقد بذل السلطان محمد الفاتح جهودا خارقة في مجال التخطيط لفتح القسطنطينية، كما بذل جهودا كبيرة في دعم الجيش العثماني بالقوى البشرية. حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد، وهو عدد كبير إذا قورن بجيوش الدول في تلك الفترة ، كما عني بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المخلتفة. وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للجهاد المنتظر. كما اعتنى الفاتح بإعدادهم معنويا قويا، وغرس روح الجهاد فيهم ، وتذكيرهم بثناء الرسول عليه الصلاة والسلام على الجيش الذي يفتح القسطنطينية ، وعسى أن يكون نواهم هذا الجيش المقصودة بذلك.

وفي الناحية التكتيكية العسكرية بدأ محمد الفاتح خطوة عملية كبيرة حين صمم على إقامة قلعة روملي حصار في الجانب الأوربي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي.

وقد حاول الإمبراطورية البيزنطي إثناء السلطان الفاتح عن عزمه في بناء القلعة مقابل إلتزامات ملية تعهد بها ، إلا أن الفاتح أصر على البناء. لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة ، وصل ارتفاعها إلى 82م، وأصبحت قلعتان متقابلتين ، ولا يفصل بينهما سوى 660م تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربية. وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى  القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة.

كما اعتنى السلطان بتطوير الأسلحة اللازمة لهذه العملية المقبلة ومن أهمها المدافع التي أخذت اهتماما خاصا منه. حيث أحضر مهندسا مجريا يدعى أوربان كان بارعا في صناعة المدافع، فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية ، وقد تمكن هذا المهندس من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة. كان على رأسها المدافع السلطاني المشهور، والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان ، وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه.

كما أعطى الفاتح عناية خاصة بالأسطول العثماني، حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة ، ليكون مؤهلا للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية ، وهي مدينة بحرية لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة ، وقد ذكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربع مائة سفينة.

الزحف نحو القسطنطينية

ثم زحف السلطان محمد الفاتح على القسطنطينية فوصل إليها في (26 ربيع الأول 857هـ) السادس من ابريل سنة 1453م، فحاصرها من البر بمائتين وخمسين ألف مقاتل ، ومن البحر بأربعمائة وعشرين شراعا. فوقع الرعب في قلوب أهل المدينة، إذ لم يكن عندهم من الحامية إلا خمسة آلاف مقاتل ، معظمهم من الأجانب. وبقي الحصار 53 يوما، لم ينفك العثمانيون عن إطلاق القنابل.

ومن الخطوات القوية التي قام بها الفاتح قيامه بتمهيد الطريق بين أدرنة و القسطنطينية،  لتكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية ، وقد تحركت من المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية في مدة شهرين، حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية، فجمع الجند وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي، فخطب فيهم خطبا قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة ، وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء. وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك. كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية، وفضل الجيش الفاتح لها وأميره وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين ، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء وكان العلماء ينبثون في صفوف الجيش مقاتلين مجاهدين معهم. مما أثر في رفع معنوياتهم حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر، ليؤدي ما عليه من واجب.

ومن ثم قام السلطان محمد الفاتح بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة، مشكّلا ثلاثة أقسام رئيسية ، تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات، كما أقام الفاتح جيوشا احتياطية خلف الجيوش الرئيسية، وعلم على نصل المدافع أمام الأسوار ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق الذي أقيم أمام باب طوب قابي . كما وضع فرقا للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، وقد انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة ، إلا أنها في البداية عجزت عن الوصول إلى القرن الذهبي ، حيث كانت السلسلة العملاقة تمنع أي سفينة من دخوله بل وتحطم كل سفينة تحاول الاقتراب.

وكان هذا القرن الذهبي وسلسلته هو التحدي أمام العثمانيين ، فالحصار بالتالي لا يزال ناقصا ببقاء مضيق القرن الذهبي في أيدي البحرية البيزنطية ، ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمرا دون هوادة ، حيث أبدى جنود الانكشارية شجاعة عجيبة وبسالة نادرة ، فكانوا يقدمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي ، وفي يوم 18 إبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند وادي (ليكون) في الجزء الغربي من الأسوار، فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة ، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي ألقوها عليها، ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة (جستنيان) استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار، واشتد القتال بين الطرفين دون جدوى.

مشكلة السلسلة حول القسطنطنية والتغلب عليها

لكن الله ألهم السلطان الفاتح إلى طريقة يستطيع بها إدخال سفنه إلى القرن الذهبي دون الدخول في قتال مع البحرية البيزنطية متجاوزا السلسلة التي تغلق ذلك القرن،  وهذه الطريقة تتمثل في جر السفن العثمانية على اليابسة حتى تتجاوز السلسلة التي تغلق المضيق والدفاعات الأخرى ، ثم إنزالها مرة أخرى إلى البحر. وقد درس الفاتح وخبراؤه العسكريون هذا الأمر، وعرفوا ما يحتاجونه من أدوات لتنفيذه،  والطريق البرية التي ستسلكها السفن، والتي قدرت بثلاثة أميال، وبعد دراسة دقيقة ومتأنية للخطة؛ اطمأن الفاتح للفكرة ، ولقي التشجيع من المختصين لتنفيذها ، وبدأ العمل بصمت على تسوية الطريق وتجهيزها دون أن يعلم البيزنطيون الهدف من ذلك كما جمعت كميات كبيرة من الأخشاب والزيوت .

وبعد إكمال المعدات اللازمة أمر الفاتح مساء يوم 21 إبريل بإشغال البيزنطين في القرن الذهبي بمحاولات العبور من خلال السلسلة ، فتجمعت القوات البيزنطية منشغلة بذلك عما يجري في الجهة الأخرى ، حيث تابع السلطان مدّ الأخشاب على الطريق الذي كان قد سوّي ، ثم دهنت تلك الأخشاب بالزيوت وجرت السفن من البسفور إلى البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال،  حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي ،  وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعبين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، وبطريق لم يسبق إليها السلطان الفاتح في التاريخ كله قبل ذلك.

وقد كان القائد محمد الفاتح يشرف نفسه على العملية التي نفّذت في الليل بعيدا عن أنظار العدو. وفي صباح 22 إبريل استيقظ أهل المدينة على صيحات العثمانيين وأصواتهم يرفعون التكبير والأناشيد التركية في القرن الذهبي ، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي ، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطنية وبين الجنود العثمانيين.

طرق مبتكرة لاقتحام القسطنطينية

وقد لجأ العثمانيون في المراحل المتقدمة من الحصار إلى طريقة جديدة في محاولة دخول المدينة ، حيث عملوا في حفر أنفاق تحت الأرض من أماكن مختلفة إلى داخل المدينة التي سمع سكانها في 16 مايو ضربات شديدة تحت الأرض ، أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريج،   فأسرع الإمبراطور بنفسه ومعه قواده ومستشاروه إلى ناحية الصوت , وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض.

وإلى جانب ذلك لجأ العثمانيون إلى طريقة جديدة في محاولة الاقتحام ، وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران، وشحنت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها ، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كلّ من يطِلُّ برأسه من فوق الأسوار.

وقد عمد السلطان محمد الفاتح إلى تكثيف الهجوم ، وخصوصا القصف المدفعي على المدينة في ظل سيطرته البحرية الكاملة، حتى إن المدفع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام، وقتل المشغّلين له ، على رأسهم المهندس المجري أوربان ، الذي تولى الإشراف على تهميم المدفع، ومع ذلك فقد وجه السلطان بإجراء عمليات تبريد للمدافع بزيت الزيتون ، وقد نجح الفنيون في ذلك ، وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى ، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة ، إضافة إلى ضربها للأسوار والقلاع .

وفي يوم الأحد 18 جمادي الأولي 27 من مايو، وجه السلطان الجنود إلى الخشوع ، وتطهير النفوس ، والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة وعموم الطاعات والتذلل، والدعاء بين يديه، لعل الله أن ييسر لهم الفتح وانتشر هذا الأمر بين عامة الجند المسلمين، كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة ومعرفة آخر أحوالها، وما وصلت إليه وأوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة، وحدد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف المدفعي.

وفي ليلة 29 مايو، نزلت بعض الأمطار على المدينة وماحولها ، فاستبشربها المسلمون خيرا , وذكّرهم العلماء بمثيلها يوم بدر ,أما الروم طمعوا أن تشتد الأمطار فتعرقل المسلمين ، ولكن هذا لم يحدث فقد كان المطر هادئا ورفيقا.

وعند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857 الهجرية ،2 مايو 1453 الميلادية ، بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أعطيت إشارة البدء للجنود ،  فعلت أصوات الجنود المسلمين بالتكبير وهم منطلقون نحو الأسوار، وفزع أهل القسطنطينية وأخذوا يدقون نواقيس الكنائس ، وهرب إليها كثير من الناس، وكان الهجوم العثماني متزامنا بريا وبحريا في وقت واحد حسب خطة دقيقة رسمت سابقا ، وطلب كثير من المجاهدين الشهادة ، ونالها أعداد كبيرة منهم كل شجاعة وتضحية وإقدام ، وكان الهجوم موزعا في العديد من المناطق، ولكنه مركّز بالدرجة الأولى في منطقة وادي (ليكوس) بقيادة السلطان محمد الفاتح بنفسه.

جيش الفاتح يقتحم القسطنطنية

ومع ظهور نور الصباح في يوم 30 مايو 1453ميلادي أضحى المهاجمون يتمكنون من تحديد مواقع العدو بدقة أكثر، وأخذوا في مصاغفة الجهد في الهجوم مما جعل الإمبراطور "قسطنطين" يتولى شخصيّا مهمة الدفاع في تلك النقطة، يشاركه في ذلك (جستنيان) الجنوي أحد القادة المشهورين في الدفاع عن المدينة.

         وقد واصل العثمانيون ضغطهم في جانب آخر من المدينة، حيث تمكن المهاجمون من ناحية باب أدرنة من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج ، والقضاء على المدافعين فيها، ورفع الأعلام العثمانية عليها، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة. ولما رأى الإمبراطور البيزنطي الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة أيقن بعدم جدو الدفاع، وخلع ملابسه حتي لا يعرف ونزل عن حصانه وقاتل حتى هلك في ساحة المعركة، وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم البيزنطيين، حيث تمكنت بقية الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة، وفرّ المدافعون بعد انتهاء قيادتهم ، وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة.

ولم تأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 875 29 من مايو 1453 إلا والسلطان محمد الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقواده يرددون "ما شاء الله" فالتفت إليهم وقال "لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية الذين أخبر عنهم رسول الله صلي الله عليه وسلم" وهنأهم بالصبر ونهاهم عن القتل، وأمرهم بالرفق بالناس والإحسان إليهم ثم ترجل عن فرسه وسجد لله على الأرض شكرا وحمدا وتواضعا ، ثم قام وتوجه إلى كنيسة آيا صوفيا ، وقد اجتمع بها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان ، الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، فلما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها ووجلوا وجلا عظيما، وقام أحد الرهبان بفتح أبواب له ، فطلب من الراهب تهدئة الناس وتطمينهم ، والعودة إلى بيتهم بأمان، فاطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة ، فلما رأوا تسامح محمد الفاتح وعفوه ، خرجوا وأعلنوا إسلامهم.

وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينيين،  الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى.

وهكذا نجح محمد الفاتح بعمل أسطوري يكاد يكون عملا خارقا، وباعتماد كامل على الله وبعزيمة لا تعرف اليأس، وإصرار عجيب على أن يكون هو المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يخبر فيه عن فاتح القسطنطينية بأنه "نعم الأمير" وبأن الجيش الذي بفتحها "نعم الجيش".

وكان محمد الفاتح إنسانا رحيما بكل معنى الكلمة، لكن أوربا التي تشوّه كل رموز الإسلام ، وتنسى لهم كل حسناتهم ، لدرجة أن القائد الذي دخل دمشق في الحرب العالمية الثانية ، ذهب إلى قبر صلاح الدين وركله بقدمه ، وهو يقول "عدنا يا صلاح الدين".

فهل يستحق صلاح الدين هذا من هؤلاء المجرمين، وهو الذي قدم لهم صفحة من أروع صفحات الرحمة بعد انتصاره الحاسم ودخوله القدس؟

شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020