مع العُشّاق

مع عشاق الكتب والقراءة

قال الأصمعيّ: "خرجتُ مع هارون الرشيد إلى الرقة، فقليتُ إسحاق الموصلي بها، فقلتُ له: هل حملتَ شيئا من كتُبك؟ فقال: حملتُ ما خفّ. فقلتُ: كم مقدارُه؟ فقال: ثمانية عشر صندوقا. فعجبتُ وقلتُ: إذا كان هذا ما خفّ فكم يكون ما ثقُل؟ فقال: أضعاف ذلك". (معجم الأدباء ٢|٥٩٥)

هذا خبر رجل من قوم قد نظروا إلى القراءة كضرورة، فعاشوا مع الكتاب واتّخذوه خيرَ جليس وأنيس ونديم وسمير، يقضون معه أفضل ساعاتهم، والنظر فيه أرقّ لهم من النسيم وأروق من التسنيم.
عشقوا الكتب والقِراءة عشقا لا يتركهم يعيشون إلا والمعشوق قرينهم، في الحِلِّ والترحال، والسكون والانتقال، معهم حينما يأكلون ويشربون، ويمشون ويسافرون، وشريكهم في الفِراش حيمنا يهجعون، بلغ حبّهم به إلى مدى أذهلهم عن أنفسهم!
يصادفون في القِراءة السَعادة، يغرقون في بِحار الكُتب ويغوصون ويغوصون، ولكنهم على يَقينٍ أنهم لن يهلكوا، لأنه غَرقٌ في النعيم، وغَوصٌ يرفعهم للأعالي، فكلما ازدادوا خوضا ازدادوا ارتفاعا.
اعتبروا القراءة ضَرورة كالهواء والماء والطعام، ورُبَّما يضحّون بوجبة لذيذة من أجل كتابٍ، مكتفين برغيفٍ يابس، وساعة الأكل تكون عليهم أشق الساعات، لأنها تفصلهم عن معشوقهم!

كيف لنا أن نحدّث جيلنا عن أمثال إسحاق النديم الموصلي وإن أحدهم لو سألناه: ماذا قرأتَ هذه الأيّام؟! يردّ باستخفاف: أنا لا وقتَ لديّ لأقرأ !!  فهل مثله يستوعب إسحاق الذي يحمل معه ثمانية عشر صندوقا من الكتب أو  الجاحظ الذي يستأجر دكاكين الورّاقين ويقضي ليله فيها قارئا؟
هل هو يدرك ما نقله العلامة الذهبي عن الحافظ ابن المقرئ وهو يترجم له في كتابه "تذكرة الحفاظ": "مشيتُ بسبب نسخة مفضّل بن فضالة سبعين مرحلة، ولو عُرضتْ على خبّاز برغيف لم يقبلها!" (٣|٩٧٤)
وهل يقبل أحدُهم ما أورده العلامة المؤرخ ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" من غرام أبي الحسن الفالي وكلفه بالكتب، بحيث كانت أعز شيء عنده، وأغلى من كريمتيه، لا يحلو له أن يبيع كتابا بوزنه ذهبا، ثم تدور عليه الأيام وتصيبه إضاقة شديدة فيضطر أن يبيع نسخة كتاب "الجمهرة" لابن دريد التي في غاية الجودة، فيشتريها الشريف المرتضى بستين ديناراً، وما يتصفح النسخة إلا ويفاجئ بأبيات كتبها بائعها أبو الحسن الفالي وهى:
أنِسْتُ بها عشرين حولا وبعتُها
فقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظنّي أنّني سأبيعها
ولو خلّدتني في السجون دُيوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية 
 صغار عليهم تستهلُّ جُفوني
فقلتُ ولم أملك سوابق عبرة
مقالة مكويّ الفؤادِ حزينِ:
وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أمّ مالك
كرائمَ من ربٍّ بهنّ ضَنين

وعندما يجد الشريف هذه الأبيات يرقّ قلبُه لحال الفالي وغرامه ويرجع النسخة إليه ويترك له الدنانير.

رحم الله هؤلا العُشّاق الذين استهواهم الكتاب، ولا غرو فقد كانت "اقرأ" هي الكلمة الأولى التي نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- في خمس آيات من كتاب عزيز لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه.

سيد مسعود 
     إشراقة/ ١٧ رمضان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020