عن الكتب المُرعِبة في مدارسنا!

لو صدمك العنوانُ فلا بأس إذ الحقيقةُ جديرة بأن تصدمنا، ففي منهجنا الدراسي من الكتب ما قد أصبح مرعِبا لدى الطلاب، وإنّ إجراء استفتاء يكشف لنا عن هذا الرعب مع أنه لم يعد خافيا ليحتاج إلى الكشف. بَيد أنّ صفة الرعب ليست في ذات هذه الكتب وإنما هي صفة طارئة حصلت نتيجة تضافر أسبابٍ، وليس من حقها أن تكون هكذا.

من هذه الكتب المرعِبة "ديوان الحماسة" الذي هو نسيج وحده، وقد كان حديثُنا في المقال السابق عنه، و"المعلقات السبع" و"مختارات من أدب العرب" للإمام الندوي -رحمه الله- وبعض الكتب الأدبية الأخرى، وصفة الرعب موجودة في الكتب العربية كافة، مترنحةً بين الشدة والخفة، على أن في المذكور أعلاه قد وصلت منتهاها. 

من أهم الأسباب لجعل هذه الكتب مرعبة -لو لم يكن السبب الوحيد- هو أسلوب إلقائها المُرعِب في المدارس! فالأسلوب هو الذي أرعب الطالب وجعله ما إن يأخذ الكتاب بيده إلا ويفكر في أنه كيف يمكنه أن يخلّفه وينجو من الرسوب في اختباره ! فينظر إليه كمادة صعبة وكابوس يعكّر عليه صفوه.
أجل، إن ما سبب تزايد الرعب في هذه الكتب هو الأسلوب المتّبع في مدارسنا وإلا فهي محبوبة مألوفة ميسورة في نفس الأمر.

جعلنا هذه الكتب مرعبة مكروهة يوم نظرنا إليها كمادّة تقتضي منا الترجمة إلى الفارسية كلمةً كلمةً، وفهّمنا الطالب الدارس فيه مهدّدا بأن عليه أن يعرف ترجمة ما فيها من اللغات المعقدة والتعابير الصعبة إلى الفارسية (في إيران) والأردية في الهند وباكستان، هكذا عرفها الطالب يوم عرفها فأصبحت كابوسا له يبذل قصارى مجهوده لحل اللغات، وقد يواجه لغات غريبة لا يجد حلها حتى في المعاجم ! مما صيّره كلما يتذكر هذا الكتاب يسقي كأس الردى وتصل روحه إلى قدميه، ولا يفكر في شيء تفكيره في الاختبار! ولا يرى فيه نفعا سوى أنه من سوء حظه ابتلي بدراسته وهو ممتحَن منه لا محالة ! والامتحان هو العلاقة الوحيدة التي تربط الطالب بهذه المادة الصمّاء الشمطاء ! ويكون اعتماده ليلة الامتحان على الكتيّبات (جزوات) وحل أسئلة الأعوام السابقة.

يمكننا تفهّم هذه الحقيقة المرّة أيام الاختبارات أكثر من أي وقت آخر، ومعرفة مدى الرعب والكراهية التي تعتمل في أحشاء الطلاب بالنسبة لهذه الكتب القيّمة.
بهذه الرؤية التي يتبنّاها الطالب تجاه هذه الكتب ترى كم  يستفيد منها وماذا يمكن أن تحمل له من نفع؟! نفس هذه الرؤية السلبية تكفي لنسف أهمية الكتاب عند الطالب وليهرب منه فضلا عن أن يأنس به ويألفه!
 ولستُ شاكّا في أننا لو أجرينا في مدارسنا استفتاءً بشأن شطب ديوان الحماسة، والمعلقات السبع، وبعض المواد الأدبية الأخرى من المنهج الدراسي تأتي كفة الشطب راجحةً. لماذا يصوّت الطلاب لإزالة هذه الكتب رغم ما تملك من النفاسة والحلاوة والطلاوة التي تسحر كل قلب وتسلب كل لبّ؟! أفلا يدعو هذا الوضع للتفكير؟! 

 لو كان التركيز في هذه الكتب وما شابهها على النصوص العربية وتذوّقها كما هي وما يُعرف بالطريقة المباشرة، بدل التركيز على الترجمة الفارسية واللغات الأجنبية الأخرى بهذا الشكل المُدهش المملّ، لكان لهذه الكتب في مدارسنا اليوم شأنٌ غير هذا الشأن، ولم تكن تخسر مكانتها اللائقة فحسب بل تأسر أفئدة الطلاب وتدخُل في قلوبهم على الرحب والسعة ويألفها الطالب ويسترسل معها ويتغنى بما فيها من كنوز الأشعار وعيون الحكم في غدواته وروحاته.

تعالوا نترك المجال للطالب يأخذ العود ويحرّك الأوتار مغنّيا بمقطعات "الحماسة" وغيرها، فيتذوّقها وينتشي بموسيقاها الحلوة وألحانها المطربة لتدبّ فيه الحرارة، ولا نحول بالترجمة بينه وبين الجولة في هذه الأسفار التي كأنها حديقة غناء أخذت زُخرفها وازّينت وسُكرت أغصانُها من رحيق الظل فتمايلت، وجمعت بين علالة النسيم وعذوبة التسنيم.

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020