ابتعاد شبابنا عن السياسة!

شبابنا لا يقدرون على معالجة القضايا بأنفسهم وهم متطفلون على موائد الآخرين في فهمها وحلّها دون الاقتناع من صحتها

كنا صغارا يافعين ونسمع حديثا وهو من أكثر الأحاديث تداولا على ألسنة الناس هو "علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل" وقد ترسخ هذا القول أو الحديث في أذهان الناس، فقاموا بتطبيقه في الحياة، معاملين الأولاد مربين إياهم في ضوئه، بالإضافة إلى شيء من التعاليم الدينية، والدراسات الجامعية، مكتفين بتطبيق هذه البنود والأصول في مجال أداء الواجب في حق الأولاد.
وقد نرى اليوم الشباب المثقّفين في مجتمعاتنا التحقوا بالجامعات ودرسوا ونالوا الشهادات في الفروع المختلفة، وقد كثرت الشهادات لديهم بحيث أنهكتهم أحمالها، إلا أنهم رغم حملها ليسوا مؤثرين في المجتمع بعد تخرّجهم من الجامعات، ليسوا عالمين بما يدور حولهم من الأحداث والتيارات، لا يعرفون كنه الأمور وبواطنها، وما حفظوه من العلم في الجامعات طيلة السنوات العديدة، لا يفيدهم في معرفة الواقع وما يجري حولهم، وهم غير مسهمين في إصلاح أوضاع بلادهم المتأزمة، والحكام لا يفتحون لهم أي حساب، يسمعون الأخبار ومن خلالها يطلعون على مآسي المسلمين التي تشملهم أيضا ولكن دون أن يحرك فيهم ساكنا ولا أن يعرفوا مصدر الآلام ومصدر الجرح، لا يتجاوز انفعالهم تجاه الأوضاع الاستنكار في المظالم والنوائب دون معرفة الأسباب الحقيقية، ولا فرق بينهم وبين العوام الذين لم يدخلوا الجامعات ولم يدقّوا أبوابها قطّ، وينظرون إليهم بحقارة، ورضوا بمزاولة التدريس ودرّ مال عليهم من هذا الطريق.

يتواجدون في الواقع الافتراضي وفي مجموعات مختلفة متضاربة الاتجاهات والرؤى، اليوم يتأثرون بمقال لهذا الكاتب وغدا لكاتب آخر مناهض للأول تماما فكريا، ليس لهم منهج ولا فكرة ولم يستطيعوا تحديد هدفهم بالضبط، أصبحوا كالريشة في مهب الرياح العاتية، وباختصار تعوزهم السياسة، فيطبلون ويزمرون مع الطبول والأبواق الخداعة العديدة.

أبعِد هؤلاء الشباب عن السياسة كل البعد وفُهّموا بأنها السم القاتل، من اقترب منها ضائع وهالك لا محالة، وقيل لهم بأن خيركم وصلاحكم وخير مجتمعكم كامن في أن تظلوا بعداء عن السياسة برمّتها ولا تدنوا منها في حال من الأحوال، وحتى الاقتراب بهدف المعرفة أيضا كفيل بالإهلاك والإطاحة.

يعتقد الكثيرون بأن السياسة لا بدّ من الاجتناب عنها وعدم الرتوع حول حماها، لأن معرفتها حتى تعرّض الشخص للآفات والمشاكل ويزيد المجتمع انقسامات، وهرجا ومرجا وفوضى.

يظنون أن بعد معرفة الشباب السياسة يأتي دور التدخل في إدارة البلاد ونقد الحكام، فيأتي ما يأتي من انقسام ومحاذير، مع أن الجهل تكلفته أغلى وما دفعه شبابنا -ولا يزالون- مقابل جهلهم بالقضايا وما هم فيه من الجهل السياسي، هو ليس بأقل مما تخاف الأولياء من وقوعه، وهذا ما جربناه ونعيشه منذ عقود وقرون.

من الضروري تعليم السياسة الأبناء الذين سوف يشكّلون أنشط عضو في مجتمعاتنا وهم الشباب، وسوقهم إلى هذا الميدان، وهذا الطريق هو يبدد الحنادس ويقشع الظلام العتوم التي خيمت على حياتنا ومجتمعاتنا.

شبابنا لا يقدرون على معالجة القضايا بأنفسهم وهم متطفلون على موائد الآخرين في فهمها وحلّها دون الاقتناع من صحتها، وربما يتأثرون من تحليل الأعداء الذين هم بأنفسهم واقفون وراء الأزمات والمشاكل، ثم يحللون القضايا لتضليل الرأي العام وخداع الشعوب التي ذهبت ضحايا مؤامراتهم وخبثهم.

المهم هو حماية الشباب من الجهل، وإنقاذهم من دواماتها المطيحة، فهم لا تفيدهم شهاداتهم الضخمة طالما هم جاهلون بالسياسة وعمون بالنسبة لواقعهم، ولا يعرفون إلى أين سائرون، وماذا عليهم يحيكون وينسجون، أنتم لا تستطيعون تغيير واقعهم المرير وما تقدرون عليه من تقديم إحسان إليهم هو أن تسمحوا لهم يغيرون واقعهم بأيديهم، ولا يتأتى هذا دون قرع باب السياسة والدخول فيها، وكيف يمكن لأحد يغيّر واقعه غير المرضي، وهو لا يعرف مغزاه، يشكوا من الوضع السائد لكنه لا يعرف ماذا يريد بالضبط، مع أنه يحمل الشهادات العليا، وفعلا كيف نحلم بالقيادة والتزعم حالما لا نعرف السياسة؟

تعالوا نقرّب أولادنا وشبابنا من السياسة عكس ما كنا نمارسه فيما مضى من إبعادهم وتنفيرهم، ونضيف إلى الحديث السائر المتداول قطعة ونقرأ من الآن فصاعدا "علّموا أولادكم السباحة والرماية والسياسة وركوب الخيل" وندرج هذا في جدول أعمالنا، حتى تفيد أبناءنا التعاليم الدينية والعصرية ونيل الشهادات ويصنعوا مستقبلا مشرقا بفضل وعي آبائهم وتعقّلهم، فيدعون لهم ويعتزون بهم.

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
وسوم متعلقة
  • #السياسة
  • #الشباب
  • اكتب معنا


    يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

    أرسل من هنا

    المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
    الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
    شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020