احترام الوقت

إنّ احترام الوقت ثقافة مضيّعة في مجتمعاتنا لا بدّ من تدريب الأبناء والتلاميذ عليها منذ الحداثة

وصل أحدُ الطلاب الجدد ذات صباح إلى قاعة الدرس متأخرا، عشر دقائق، ولما لم يكن يعرف الأستاذَ ولا الطلابَ فقد طرق باب القاعة وسأل الأستاذ: هل هذا هو صفّ الأستاذ محمد؟أجاب الأستاذ: "لا، فدرُسه بدأ الساعة الثامنة". أجاب الأستاذ بشكل طبيعي. فانصرف الطالبُ الجديد خائبا ولم يُدرك معنى ضحك الطلاب الذي لاحقه، ولكنه علم بعد ذلك أنّ الأستاذ لقنّه درسه الأول بصورة لا تنسى. وفحواه: احترِمْ الوقتَ.

إنّ احترام الوقت ثقافة مضيّعة في مجتمعاتنا لا بدّ من تدريب الأبناء والتلاميذ عليها منذ الحداثة، حتى تتأصل هذه الثقافة لديهم، وتترسخ في أذهانهم قيمة أعمارهم وأوقاتهم، فيتعاملون مع الوقت طيلة حياتهم على أساس هذه الثقافة كأغلى ما يملكون. كما فعل هذا المدرّس المحنّك الخبير بقيمة الوقت.

إن الوقت أغلى مملوك بلا شك، ولكنّه في ذات الوقت أصبح أرخص مضيَّع لدينا، وقد أدرك العلماء الأقدمون قيمة الوقت، وإننا كلما نقرأ قصصهم في اغتنام الوقت يحاصرنا الاستغراب من كل جانب، وتبدو قصصهم لنا أساطير لا أساس لها من الصحة.

فقد جاء في سيرة معروف الكرخي -رحمه الله- أنه كان يواظب على أوقاته أشد المواظبة، وحدث أن جاءه مرّة جماعة وقعدوا عنده فأطالوا الجلوس، فقال:

إن مَلَك الشمس لا يَفتَر عن سَوقها، فمتى تريدون القيام؟

ونُقل عن عامر بن قيس (التابعي): أنّ رجلا قال له كلّمني، فقال له عامر بن قيس:

أمسِكْ الشّمسَ!

مثل هذه القصص يقرؤها البعض منا فيضحك بها مصنّفا إياها في قائمة الفكاهيات والمسلّيات، وليس بمقدوره التيقّن بها كقصص واقعية قد عاشها قوم عرف قيمة الوقت فقدّره حق قدره.

إن أسلافنا كان لديهم "الغيرة على الوقت" وهذا التعبير بات اليوم غريبا، واستعماله يثير الاستغرب لدى الناس إلى حد ربما يتهمون مستعمِله بالخطل في عقله، متسائلين: ما العلاقة بين الوقت والغيرة؟ وهل الوقت ممّا يغار عليه؟! ولكن هذا هو الحافظ الإمام ابن القيم -رحمه الله- يتحدّث في كتابه "مدارج السالكين" عن الغيرة ومنزلتها وشمولها لكثير من الأمور، وممّا يضرب له نصيبا من الغيرة الوقت! يقول:

"الغيرة على وقت فات، فإنّ الوقت وحيُّ التقضّي- أي سريع الانقضاء- أبيّ الجانب، بطيء الرجوع. والوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المُريد: هو وقت الإقبال على الله، والجمعيّة عليه، والعكوف عليه بالقلب كلّه. والوقت أعزّ شيء عليه، يغارُ عليه أن ينقضي بدون ذلك! فإذا فات الوقتُ لا يمكنه استدراكه البتّة، لأنّ الوقت الثاني قد استحقّ واجبَه الخاصّ، فإذا فاته وقتٌ فلا سبيل له إلى تداركه". [مدارج السالكين٣|٤٩]

إن أفضل وسيلة تعرّفنا قيمةَ الوقت، وتبعث فينا الشعور بمكانته، ومن ثمّ تجعلنا نتعامل معه كرأس مال حيانتا، وأغلى ما في حيازتنا، قراءة قصص الأسلاف مع الوقت.

ومن أحسن الكتب المؤلفة في هذا المجال الكتاب اللطيف المسمّى "قيمة الزمن عند العلماء" للعلامة المحدث، الفقيه، الأصولي، الأديب، المُسنِد عبد الفتاح أبي غدة الحلبي -رحمه الله- (ت ١٤١٧). فهذا الكتاب كما أنه كفيل بتأصيل قيمة الوقت لدى القارئ من خلال السير به على قصص العلماء الأسلاف كذلك تُطْلعه على آثارهم الضخام ومشاريعهم العلمية الجسام التي وفّقوا لتأليفها في ظل اغتنام الوقت.

ويا حبذا لو جعلنا هذا الكتاب القيّم في سلّم مطالعتنا خلال هذه الأيام التي نقضيها في الحجر الصحي المفروض علينا بسبب الوباء.

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن

اكتب معنا


يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

أرسل من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020