بأيّ ثمن ؟!

(أريد أن أُذكَر ولو باللعنة!) يتحدث الكاتب في المقال بأسلوبه الشيق عن الشهرة والتلهف وراءها..

ذكر بعض المؤرخين

"أنّ رجلا فيما سلف من الزمان بال في ماء زمزم، فذهبوا به إلى الخليفة؛ لينال جزاءَه الأوفى على فعله هذا الذي لا يُقدم عليه إلا من اتّخذ إبليس وليّا ونصيراً، فسأله الخليفة: ما حملكَ على هذا الصّنيع؟ فقال بكل شجاعة ووقاحة: أردتُ أن أدخل التاريخ".

هذا كان في قديم العصر والأوان وحيث وسائل التشهير غير متاحة لدى الناس والمواصلات معدومة أو في منتهى الضعف، وفي زمن قلما يوجد فيه من يشتهر ويطير صيته في الآفاق. والذي يحظى بالشهرة فتكون شهرته منحصرة في منطقة دون المناطق الأخرى، ومع ذاك وسواس الشهرة كان يداخل البعض، أمثال هذا السفيه الوقح.

 اليوم وفي ظل التكنولوجيا الحديثة، وهذه الوسائل الإعلامية، وشبكات التواصل الاجتماعي، بالطبع تعزّز الواسواس والدافع، وكثر الذين يريدون الاشتهار والدخول في التاريخ، ممن لا يعرفون الليل من النهار في البحث عن الطرق المؤدّية إلى الشهرة، ولو عرّضه هدفه هذا للمهاوي أو ألجأه إلى الدخول في جحر الضبّ.

 إن الشهرة أصبحت اليوم سهلة المنال، قريبة المأخذ، مع هذه المنصات العالمية كالفيسبوك وتويتر وتيليغرام، وواتساب والإنستقرام وغيرها من الشبكات الاجتماعية والمنصات الإلكترونية على صعيد العالم الأزرق.

كثيرون أولئك الذين يتهافتون على الشهرة تهافت الفراش على النار، ولا يتركون طريقا غير مسلوكة، لتثبت في نهاية المطاف سفاهتهم وحمقهم لدى العالمين، وتبدو سوآتهم، ويصبحوا بدل الحصول على الغنيمة فاقدي العرض أذلاء صاغرين. منهم هؤلاء الذين يروّجون المجون والإباحية والدعارة، ومنهم هؤلاء الذين يسبون الأنبياء والصحابة والأسلاف الصالحين والأمة التي مضت وأفضت إلى ما قدّمت، أو يسيؤون إلى الشخصيات المعاصرة، ويفترون عليهم، ويرمونهم بالتهم، كل ذلك أملا في نيل الشهرة.

  وحدّث ولا حرج عن محبي الظهور والشهرة عن طريق الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي، فهناك من يروّج شواذ المسائل، وغريب الآراء، نزولا إلى مقولة "خالف تُعرف، وآخر يقدّم نفسه علامة وشخصية كبيرا وأستاذا للأساتذة وأديبا وكاتبا على هذه الصفحات، قد خدعته إعجابات نالها من بعض الأراذل، فخيّل إليه أنه أبو عُرّيف مع أنه أبو جهل والضلال بن السبهلل، ثم لا يظل جهله خافيا بل يحدث من المواقف ما يضطره على إماطة اللثام عن وجهه الدميم، فإذا بالأستاذ الكاتب الأديب المفكر، هو "عبد القفا واللهازم" (كما قال الشاعر). فيدّق على يديه ويعضّ كتفيه، غير أنه لا يمكن إعادة اللبن المسكوب إلى الثدي.

نعم، قد سهّلت هذه الوسائل اكتساب الشهرة، وطوت الطريق إليها، ولكن ما زالت السلامة في الجانب، والذي يحبّ الشهرة لينظر الطرق والأسباب التي يختارها لتحصيلها، والثمن الذي يدفعه مقابلها.

إن فرعون دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وكذلك نمرود، وأبو جهل وأبو لهب، وقبلهم إبليس، ومثلهم الكثير وهم وراء العدّ، قد اشتهروا ودخلوا التاريخ ولكن كيف دخلوه؟ وكيف تذكرهم الخلائق على مرّ العصور. فلا يجعلْ أحدُنا نيل الشهرة نصب عينيه، مهما كانت الأسباب والعوامل، قائلا: أريد أن أُذكَر ولو باللعنة! كالذي بال في ماء زمزم يريد الدخول في التاريخ فقد تحققت أمنيته، وها قد دخل التاريخ مصحوبا بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

   سيد مسعود

    إشراقة/ ٥ شعبان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020