"دَوْليّّ"  أم "دُوَلِيّ"

يميل معظم خبراء العربية المعاصرين إلى تخطئة من يقول : هذا مطارٌ دُوَلِيّ – بضمّ الدال، وفتح الواو –ويشددون على أن الصوابهو: دَوْلِيّ – بفتح الدال، وسكون الواو، وياء مُشَدَّدة للنسب؛ لأنَّ القياس الصحيح في النسب أن يكون إلى المفرد لا إلى الجمع فهكذا نطقت العرب.. أمَّا قولهم: (دُوَلِيّ) بضمِّ الدال، وفتح الواو وإلحاق ياء مُشَدَّدة فهو نسب إلى (دُوَل) أي أنَّه نسب إلى الجمع وهذا مخالف للقياس عند علماء الصرف ولتوضيح ذلك ، أعطى أحدهم مثال النسب إلى (قَريَة) فنقول : قَرَوِيّ بفتح القاف والراء وإلحاق ياء النسب المُشَدَّدة ولا يجوز أن يُقال: (قُرَوِيّ) بضمّ القاف لأنَّ الأخيرة نسب إلى (قُرَى) وهي جمع.

بيد أني -مع احترام رأي الخبراء فيما يخص قاعدة النسب- أرى أن رأيهم هذا غير سديد لكونه بُني على ما يسمى عند المناطقة بـ"القياس مع الفارق".. وذلك أن لفظ "دُوَلي" على خلاف "قَرَوي" منسوب إلى مجموعة "دول" وليس إلى دولةٍ واحدةٍ بعينها وذلك في إطار مفهوم سياسي جديد وغير مسبوق في العلاقات بين الشعوب والأمم...وعليه تجوز النسبة هنا إلى الجمع لمنع اللبس ولأجل التمييز بين المنسوب "لفظاً" إلى "مفرد معين" وبين المنسوب "مفهوماً" إلى "جماعة أو مجموعة" ترمز إلى نزعة فكرية أو اجتماعية مستحدثة...وأنا أعتبر ذلك من مظاهر التطور الدلالي في اللغات والتوسع في معاني مفرداتها ومبانيها حتى ولو اضطررنا أحياناً إلى مخالفة القياس...ولكننا لن نكون فيما نحن بصدده (دُولي/دَولي ونظائره) مخالفين "لما نطقت به العرب " قديماً وحديثاً...

ولتوثيق أو تأصيل رأيي هذا سأسوق بعض الأمثلة ذات الصِّلة بالنسب إلى لفظ الجمع للسببين المشار إليهما أعلاه (أي منع اللبس من حيث "اللفظ" والتمييز من حيث "المفهوم" الفكري المستحدث كما أسلفت)...

وأقدم مثال على ذلك مصطلح "الشعوبية والشعوبي" نسبةً إلى لفظ الشعوب وهو يرمز إلى "حركة فكرية وسياسية مناوئة للعروبة"..ولذا قال عنها القرطبي:إنها حركة «تبغض العرب وتفضل العجم» ...وبغض النظر عن الخلفية التاريخية أو الدوافع السياسية وراء حركة الشعوبية، فإن هذا المصطلح بالنسب إلى لفظ الجمع دون المفرد قد وُضع وشاع تداوله فيما يسمى بعصر الاستشهاد (إِذْ ظهرت بواكيرها الأولى أواخر العصر الأموي)... ومن أقدم الكتب التي حملت إلينا هذا المصطلح "البيان والتبيين" للجاحظ. ويرى عدد من المؤرخين أن عبد الله بن المقفع كان موضع الشبهة لدى بعض الأمويين بانتمائه سرًا إلى الشعوبيين...! وفِي اعتقادي أن اللغويين القدماء أقروا "الشعوبي" اصطلاحاً وهو منسوب إلى الجمع على خلاف قاعدة النسب إلى المفرد؛ نظرًا لأنه وُضع أصلاً لكي يعبر عن معنى مختلف واتجاه مستحدث.. ألا ترى أنه لو نسب إلى المفرد وقيل "الشعبي" لم يمكن التمييز بين مفهوم وصف "الشعبي" المألوف والمتداول وبين مفهوم "الشعوبي" المستحدث...

ويقاس على ذلك "الدُوَلي" و "الأممي" و "العمالي" و "الجماهيري" و "المعلوماتي" وغيرها من المصطلحات التي ترمز إلى مفاهيم أو اتجاهات مستحدثة في الفكر والثقافة والتقانة ولا علاقة لها بتاتاً بقاعدة النسب الصرفية المعهودة...وإننا إذا لم نقر ذلك وقعنا بأنفسنا وأوقعنا الآخرين في لبس شديد...ولنأخذ مثلاً مصطلح "الأممي" الذي يطلق على أي منظمة أو وثيقة أو فعالية لا تقتصر على أمة بعينها وإنما تشترك فيها أمم وشعوب عديدة فنقول: "منظمة أممية" و "مؤتمر أممي" و "ميثاق أممي" وهلم جرًا.. ولنفترض -جدلاً- أن أحد الخبراء مناصري قاعدة "وجوب النسب إلى اللفظ المفرد" أصر على تطبيقها على "الأممي" فماذا ستكون النتيجة، يا ترى؟ ستصبح منظمة الأمم المتحدة ومواثيقها ومؤتمراتها "منظمة ومواثيق ومؤتمرات أمية"!! وسيكون اللبس الناتج هنا ضخماً جدًا إلى مستوى "الأممية"! لأنه يتعذر علينا عندئذ الفصل بين ما إذا كانت كلمة "أمية" نسبةً إلى الأم أو الأمة أو الأمية؟! ولا مندوحة من هذا اللبس "الأممي" إلا أن نقر "الأممي" اصطلاحاً صحيحاً لوصف مفهوم مستحدث وهو الذي يقال له بالإنجليزية "إنترناشيونال"(International) وهو مرادف لمصطلح "دُوَلي" موضوع النقاش...وأما النسب إلى اللفظ المفرد "دولة" فقد يعني ما يخص دولة بعينها.. فإن قلنا، تطبيقاً لقاعدة النسب إلى المفرد:"سياسة دَوْلية" (بفتح الدال، وسكون الواو، وإلحاق ياء مُشَدَّدة بعد اللام) فيُقصد بها : 'سياسة الدولة أو الحكومة  المعنية'؛  بحيث إنها ستُعتبر اصطلاحاً عربياً بديلاً لنظيره الإنجليزي (state policy)...وبذلك نكون قد تجنبنا الخلط واللبس فيما وصف ونسب ما يخص دولةً واحدةً وما يخص مجموعة دول....                   

ويُضاف إلى ذلك أن لفظ الجمع إذا صار علماً أو لم يكن له مفرد من اللفظ نفسه أو وُجد المفرد ولكنه قد يؤدي إلى اللبس في حالة النسب، يجوز النسب إلى الجمع في كلا الحالين ...مثلما نقول هذه الأيام:"نسائي" لما يخص الإناث و "رجالي" لما يخص الذكور...ومثال ذلك في القديم "الأعرابي" نسبةً إلى الأعراب وهو لفظ الجمع، قال سيبويه: "إنما قيل في النسب إلى الأعراب أعرابي ، لأنه لا واحد له على هذا المعنى"...ومن ثم جرت العادة بصوغ ألقاب الكثير من أعلام اللغة والأدب والفقه والحديث والتفسير والفلسفة ...الخ...على مدار التاريخ العربي والإسلامي القديم والحديث بالنسب إلى لفظ الجمع إما لكونه علماً على مهنة أو حرفة أو اسماً لمدينة أو مكان...ومنها -على سبيل المثال لا الحصر-: عبد العزيز القراطيسي (من رجال ا لحديث)، أبو منصور الجواليقي (لغوي وأديب من علماء بغداد في القرن السادس الهجري)، ومصطفى الغلاييني (من علماء النحو المعاصرين)، وناصر الدين النشاشيبي (صحفي ومؤرخ فلسطيني معاصر)...ومن أمثلة النسب إلى البلدان و المدن التي تحمل أسماء بصيغة الجمع: المدائني، الأنباري، الإماراتي، ونحوها كثير...فنحن ننسب الأشخاص والأشياء إلى هذه الأماكن بحسب تسميتها على صيغة الجمع كما هي وإن كان لها مفرد لأن النسب إلى مفردها يؤدي إلى لبس يلغي نسبها ويفسد أو يحول معناها إلى غير المراد...       

  مع أطيب تحيات "مريض بحب الضاد"

أبو صالح أنيس لقمان
١٥/أكتوبر/٢٠١٩

أبو صالح أنيس لقمان الندوي

رئيس إدارة البحوث والترجمة بمؤسسة سدرة لدمج ذوي الإعاقة
أبو صالح أنيس لقمان الندوي هو رئيس إدارة البحوث بمؤسسة سدرة لدمج ذوي الإعاقة (أصحاب الهمم)، حيث يدعم فريق المؤسسة بطرق متنوعة كمهني واسع الخبرة.
لديه ما يربو على 25 عاما من الخبرة في مجال التربية والتعليم والتوعية، ويعتبر أول غير عربي مرخص له من قبل وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات بتدريس اللغة العربية.
وقد ترجم إلى العربية وشارك في تأليف العديد من الكتب باللغة الأردية والإنجليزية حول قضايا مهمة.
وهو عضو في العديد من اللجان الاستشارية ولجان التحكيم، منها: فريق الاعتماد الأكاديمي بوزارة التربية، ولجنة التحكيم في جائزة الشيخ محمد بن راشد للغة العربية، ومستشار أكاديمي فخري لمدرسة أبو ظبي الهندية.
تخرج الأستاذ الدكتور أبو صالح عام 1985م في دار العلوم ندوة العلماء، مدينة لكناو في الهند، حيث تخصص في الأدب العربي وعلوم الشريعة الإسلامية.
والأستاذ من الغيورين على العربية الفصحى والمنادين بحرقة وإخلاص بحشد الطاقات وتكريس الجهود على كافة المستويات لأجل حمايتها مما يسميها "التلوث اللغوي" الذي يكاد يذهب ببريقها وينخر جذورها الأصيلة.. ويحث على الالتزام بالفصحى كتابةً وتحدثا كواجب وطني وديني وثقافي ومهني.

مجموع المواد : 11
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019