هل يصح قولنا: جاء القوم إلا حمارا؟!

فائدة في الاستثناء

اعلم أنه لا يكون الاستثناء المنقطع إلا إذا كان للمستثنى علاقة بالمستثنى منه، فيتوهم بذكر المستثنى منه دخول المستثنى معه في الحكم، فتقول: "جاء السادة إلا خدمهم"، إذا كان من العادة أنهم يجيئون معهم، فان لم يكن العادة ذلك فلا معنى لهذا الاستثناء. وتقول: "رجع المسافرون إلا أثقالهم، أو إلا دوابهم"، لأن الإخبار برجوعهم يتوهم منه رجوع أثقالهم أو دوابهم معهم. وقد تكون العلاقة بينهما، لكنه لا يتوهم دخول المستثنى في حكم المستثنى منه، وإنما يذكر لتمكين المعنى في نفس السامع والتهويل به، كأن تقول: "لا يخطب في الحرب خطيب إلا ألسن النيران". وقد صح الاستثناء مع عدم التوهم لمكان المناسبة بين صوت النار وصوت الخطيب المتأجج حماسة، وللتهويل بشدة الحال. وكذا إن قلت "سلكت فلاة ليس فيها أنيس إلا الذئاب، أو إلا وحوشها"، فلمناسبة التضاد بين الأنيس والذئاب، ولتمثيل هول الموقف. لهذا لم يتعد الصواب من أجاز من العرب البدلية في الكلام التام المنفي، من هذا الاستثناء، لأنه في حكم المتصل معنى، ألا ترى أنك إن حذفت المستثنى منه وسلطت العامل فيه على المستثنى صح اللفظ والمعنى، فتقول: "لا يتكلم في الحرب إلا ألسن النيران"، وتقول: "مررت بفلاة ليس فيها إلا الذئاب"، من غير أن ينقص من المعنى شيء إلا ما كنت تريده من إعظام الأمر وتهويله.
وبما قدمنا، تعلم أن في إطلاق النحاة الكلام في الاستثناء المنقطع تساهلا لا ترضاه أساليب البيان العربي. وتمثيلهم له بقولهم: "جاء القوم إلا حمارا" شيء يأباه كلام العرب. نعم يصح أن تقول: "جاء القوم إلا الحمار، أو إلا حمارا لهم، أو إلا حمارهم" إن كان من العادة أن يكون معهم. أما "جاء القوم إلا حمارا" فلا يجوز، وإن كان من العادة مجيء حمار معهم، لأنه لا يجوز استثناء النكرة غير المفيدة (أي التي لم تخصص) من المعرفة، كما قدمنا.1
[من كتاب: جامع الدروس العربية لمصطفى الغلايينى، المتوفى: 1364هـ]


1- قال في بحث الاستثناء: لا يستثنى إلا من معرفة أو نكرة مفيدة، فلا يقال: "جاء قوم إلا رجلا منهم"، ولا "جاء رجال إلا خالدا". فإن أفادت النكرة جاز الاستثناء منها، نحو: "جاءني رجال كانوا عندك إلا رجلا منهم" ونحو: "ما جاء أحد إلا سعيدا"، قال تعالى: {فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] .
وتكون النكرة مفيدة إذا أضيفت، أو وصفت، أو وقعت في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام.
وكذا لا يستثنى من المعرفة نكرة لم تخصص، فلا يقال: "جاء القوم إلا رجلا". فإن تخصصت جاز، نحو: "جاء القوم إلا رجلا منهم، أو إلا رجلا مريضا، أو إلا رجل سوء".

التعليقات

  • أشكرك يا سعد إبراهيم على هذه المقالة النافعة، التي هي إلى علم البلاغة أقرب منه إلى علم النحو.

  • ماشاء اللہ

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018