تَحيَّة وَسَلام يا أَبا شادي
عَلَيكَ من مهجٍ حرّى وَأَكبادِ
غادرتها نهب وجدٍ شبّ لاعجه
وَعفتها طعم نارٍ ذات إِيقادِ
وَالنار تأكلُ ما تَلقاه من أَثرٍ
مَتى تشبّ لَظاها بعد إخمادِ
هَل بعد وافين أمجاد يكلّفني
دَهري الوَفاء لقوم غير أمجادِ
وَهل كغيبة أَحبابي إِذا بعدوا
خطب يرنّق إِصداري وَإيرادي
خطب تنكّر ماضيه وَحاضره
فَحال ما بين إِنشائي وَإِنشادي
خطب أَلمّ بآمالي فَفاجأها
مِن بعد فَتحي لبابيها بإيصادِ
لَولا الشَرايين تَطغى كلّ آونة
ما صدّنى عَن مَنال القصد فَصادي
يَرضى وَيَغضَب وَالآمال ساخطة
تأهّبي لِتَلافيها وإعدادي
وَربّ بالِغ قصدٍ عزّ مبلغه
من غير ما نصب فيه وإجهادِ
يأساً من القرب إِذ لَم يَبقَ لي طمع
في القرب من أَغلَب بالنَفس جوّادِ
لَيث تَولّاه إِذ أَوفَت سنابله
في خيسه هادم الدنيا بحصادِ
فَراح طَرفي طَليقاً في منابعه
وَراحَ قَلبي أَسيراً بَينَ أصفادِ
قالوا تولّى أَبو شادي عَلى عجل
فَقُلتُ لا بَل تَولّى خير أَعضادي
لَم يَخلُ عام وَلَكِن قَد خَلَت حقب
في عامه من تَباشير وَأَعيادِ
عجبت للجبلِ العالي وَذروته
فَوق النُجوم هَوى تَحتَ الثَرى الهادي
كَيف اِنطَوى الطود يحوي كلّ مكرمة
ملء الفجاج سناها طيّ أبرادِ
أَمسى أَبو أَحمَد وَالخير في حفر
أَمسَت قراراً لأعلام وَأَطوادِ
يا أَيُّها البطل الفَيّاض مربعه
في غير روضك شعري غير مرتادِ
إِذا تزوّد مِن زاد أَخو سفر
فَفي التُّقى خير ما زودت من زادِ
قُل لِلَّذي جهل الدنيا ورقدتها
وَعاشَ ما بَينَ جهال وَرقّادِ
يغنيك عَن واعِظ الدُنيا وَمرشدها
ما في المنيّة مِن وعظِ وإرشادِ
كَيفَ السَلامة وَالأَيّام آخِذة
مَدى الزِيادة من كيدٍ وأحقادِ
لينثن الدهر وَلتنأد جوانبه
إنّ السبيل قويم غير منآدِ
وَلتأخذن خطى الأحياء مأخذها
إنّ الرَدى واقِف منها بمرصادِ
ما أَسرَع الحتف للمخلوق من نطف
كَأَنَّما الحتف مقرون بميلادِ
الحرّ في مشرق الدنيا وَمغربها
دريئة لسهام الأزلم العادي
وَذو الفَضائِل لَم تَسلَم مقاتله
من نطق لوامة أَو عين حسّادِ
كَذاكَ كانَ أَبو شادي فَلا عَجَب
إِذا الخُطوب تولته بقصّادِ
يا مَن فدت نفسه أَوطانه كرما
هَلّا فداك لدن حمّ القَضا فادِ
بدأت بالفضل لا تَبغي الجَزاء به
عَقيدة منك أَن الفضل للبادي
أَمانة لك عِندي لا أخون لها
عَهداً وَلا أتعدّاها بإرصادِ
وَحرمة لك عِندي لست أكذبها
وَعداً وَلا أَنثَني عنها بإيعادِ
وَمنّة لك في جيدي عرفت بها
أَطواق مَنٍّ تَوالى فَوقَ أَجيادِ
أَصخ إِليّ تصخ مني وَمن قَلَمي
إِلى شكور لربّ الفَضل حمّادِ
إِذا تأخّرت عَن فرض أَقومُ بِهِ
فَقَد تقدّمت في بَثّي وإيفادي
وَمن يُؤاخِذ وَالأعذار خافية
فَإنّ عذري ما بَينَ المَلا بادِ
من أَنتَ يا من قَرى الأَضياف راحته
وَزادَ في شرف الجَدوى بإرقادِ
ألست من لا يَخاف الدهر في جلل
وَلا تراع بإبراق وإرعادِ
ما بالك اليَوم لا تصغي إِلى كلف
وَلا تُجيب نداء المدنف الصادي
أَأَنتَ في مصر تَسعى دون بغيتها
أَم أَنتَ في رفح تهزا بإبعادِ
ناعيك إن حزّ في مصر وَساكنها
فَفي دمشق صدى منه وَبغدادِ
مقدار علمك بالأَشياء علّمنا
أَنَّ المَقادير لا تأتي بميعادِ
حَياة مثلك طول الدهر خالِدَة
وَلَيسَ موتك إِلّا موت وفّادِ
لَك الألوف تَعاليما وَمكرمة
إِذا أَتى صاحِب الحسنى بآحادِ
أَضحى مريدوك في ساحات محنتهم
كالجيش يَغشى الوَغى من غير قوّادِ
آراؤُهُم وَقفت في كلّ معضلة
كَما الظبى بَينَ تَجريد وإغمادِ
يهنيك قومك إن يمسي تآلفهم
فينا تآلف أَرواح وأَجسادِ
فَكلّهم صارِم في كلّ قاصمة
وَكلّهم لامة في كلّ إقصادِ
شملان من ثقة في مصر قد جمَعا
لا روّع اللَه شمليها بِبَغدادِ
هنا لَك اليَوم لأنداد بك احتَفَلوا
وَها هناك احتِفال عند أضدادِ
مَن ذا رأى قبل هَذا اليَوم مجتَمعا
في المنزِلين لأضداد وَأَندادِ
سَلوا الرَئيس بمن ذا جاء محتَفِلا
بِمَبدئٍ حادِث أَم مبدئٍ عادي
من جيش سعدٍ ومن قوّاد جحفلة
ذاكَ الَّذي جاءه سعد بميعادِ
وَلَيسَ قائدنا الأَعلى بِمُنتَصِر
لَولا تعاون قوّاد وأَجنادِ
يا مَن أَمدّك زَغلول بهمّته
هَل أَنتَ مفتقر يَوما لإمدادِ
وَمَن يَكُن ركنه سعد فمخطمه
لمعزعات اللَيالي غير منقادِ
شاخَت سنوه وَما شاخَت همامته
من لَم يَلِن عوده يَوماً لخضّادِ
كالرمح يَزداد حُسنا في تأوّده
وَالسَيف بُدّل أغماداً بأغمادِ
صَحيفة الطاهرِ اِستجلت ظواهرها
عَن باطِن الخلق من ضيم وَمن عادِ
قَد كانَ عرضك موفوراً بها شمما
وَكانَ مالك منها نهب قصّادِ
سَلوا المُحامين كَم حامى نَقيبهم
عَن الحقوق وَكَم لبّى لإنجادِ
في كُلِّ معترك فارَت قَواصده
بمقول منه دون الحقّ ذوّادِ
وَلَم يَكُن عنده في الحق تَسأله
من فارق بَينَ أَفراد وَأَفرادِ
أَينَ الطَرير إِذا كلّت عَزائمنا
أَمسى لحدّ ظباها خير حدّادِ
أَينَ الأَديب الَّذي إبداعه عبق
للناطقين من الأفصاح بالضادِ
أَينَ الكَريم الَّذي عمّت فَواضله
فَكانَ موئل ورّاد وروّادِ
أَينَ العزوف الَّذي ساعات عزلته
كانَت عَناوين أذكار وأورادِ
أَينَ الطروب إِلى الآيات من كلمي
وَبلبل الشرق يَشدو فَوقَ أَعوادِ
يا مَن غدوت وَيا من رحتَ مدّكراً
حَديثك اليَوم ذكر الرائِح الغادي
قَد سار في كلّ ما تَرجوه من أَمل
عَبير ذكرك من ناد إِلى نادِ
حدوا بذكرك في سرّ وَفي عَلَن
وَأَطيَب الذكر ما يَحدو به الحادي
عدوا بشخصك فَردا لا نَظير له
في حين فعلك لا يُحصى بتعدادِ
بِاللَه لا تَذكروا من لَم يَكُن أَحَد
يَنساه في معضلات الأزلم العادي
تُثير ذكري أَبي شادي لَنا شجنا
لما يثرها سِوى ذِكري أَبي شادي