يا نهر طوس ويا أظلال واديها

يا نهرَ طوسٍ ويا أظلالَ واديها
رسالةُ الشعرِ عني من يؤديها
سل جارةَ السَّدِّ هل في السد من أثَرٍ
لصبّه أم محا الآثارَ ماحيها
مثلتُهُ ديمةً في أفق مرحمةٍ
قصيدة أدمع الباري قوافيها
هل للأزاهر عن أماتها خبرٌ
عن شاعر سكبَ الأطيابَ في فيها
وألبستها صباغَ اخلدِ ريشتهُ
فافتر عن ألف لون في ذراريها
زهر الطبيعةِ يبقى في أماكنهِ
وزهرهُ في فمِ الدنيا وأيديها
في جنبِ إيوانِ كسرى من مواهبهِ
إيوانُ شعرٍ به كسرى زها تيها
كأن في كل بيت من قصائدهِ
روحا تغلغلُ في الموتى فتحييها
ردّ الأكاسرة الغرّانَ فانتشروا
تحت الدرفس نجوما في لياليها
والخيل تلهث في الميدان كالحةً
حمر الحمالق تطويه ويطويها
ورُستمٌ هِرقُلُ الفرسِ الفحولِ إذا
ما انقضّ قلتَ عقابُ الحربِ مُذكيها
وأدهشَ الأرضَ منه عندما نظرت
إليه .. كيف مشت إحدى رواسيها؟
ما عابَهُ أن سيف الله جندلهُ
بل شرّفَ الفرسَ لمّا جاء يهديها
مشى إليها كتاب الله يخطبُها
فأمهَرَتهُ الغوالي من نواصيها
غزا الهدى الكفر لا فرسٌ ولا عرب
يا وقعة هزت الدنياتهانيها
إسلامُ فارس أعراس تميس لها
حور الجنان على توقيع شاديها
لم يرتد المجد إلا من مطارفها
ولا انتشى النصرُ إلا من أغانيها
أشرق أبا قاسم كالشمس مرتجلا
أنشودةَ النور إن الله موحيها
واسكب لنا خمرةَ الفردوس تعصرها
مراشف الحور واشرب في أوانيها
لقد رويتَ فهل من فضلةٍ بقيَت
في الكأس أفعلها في النفس باقيها
لو شام هومير لمحا من أشعّتِها
للألأت عينُهُ وانجابَ داجيها
أو ساف نكهتها عن ألفِ مرحلَةِ
أبو نواسٍ لفدّاها نُواسيها
حنّت لعرسِكَ عرسِ الشعر فاندفقَت
وهجاً وطوّفَ بالأرواحِ ساقيها
من مطلع الشمس حتى قابِ مغربها
عبدٌ كسا الشرقَ تعظيماً وتنويها
ما ألفُ عامٍ وإن طال الزمان بها
من ساعة عشتها إلا ثوانيها
كأن روحك في الادهار عاصفةٌ
هبّت تمزّق أجيالاً وتذريها
حتى سفرت على أشلائها قمراً
ونور وجهك يطفو في نواحيها
عُد بي إلى الأرض حدث عن صغائرها
أيام تصلى بها من زند واليها
نادى لميراثِ كسرى كل قافية
إن مات قائلها ما مات راويها
صبرتَ حتى استكنّت كلُّ جائشَة
وأسلمت زمر الدعوى دعاويها
فرحتَ تبعثها من عبقرٍ شَرَراً
موصولةً بأوالها تواليها
قوسٌ من النور ماجت تحتَهُ أمَمٌ
وغابَةٌ من ظبي غنّى الردى فيها
وفي نَجِيّ القوافي هل وفيتَ له
ربّ الأريكة إذ وافى يُناجيها
أم رحتَ تبرمُ فيه رأيَ حاسدِه
راياً كسا حسنات الملكِ تشويها
أدهى النصيحة ما يأتيك مرتديا
ثوب الصداقة تضليلاً وتمويها
ضَنَنتَ بالذهَبِ ابن التربِ تمنَعهُ
عنه وجاءك بالأفلاك يهديها
إن الملوك على العلاتِ إن وعدَت
فليسَ غير زوالِ الملك يثنيها
الله أكبر نفس الشاعر انفجَرت
حُمرَ القذائفِ لم تخطىء مراميها
رمى بها العرضَ فاصطكّت قواعدهُ
وطوّقَت جيد محمود أهاجيها
يا للعقوقِ أيبني مجدَ أمّتهِ
ويجعَلُ الدهر مولى من مواليها
ويسكُبُ السحر يستهوي النفوس به
في ثغرِ زهرتِها أو حلقِ شاديها
وينشُرُ الوشي لم تنبِتهُ قِمّتُها
ويفجُرُ النهرَ لم ينبَعهُواديها
أشِعّةٌ واهتزازاتٌ وأخيلَةٌ
تكسو الحقائق ألوانً أفاويها
لولا الخيال لما كانت سوى لغةٍ
جردت عنها كناها والتّشابيها
يا للعقوقِ أيبنى مجد أمّتِهِ
حتى إذا ساورت نفسا أمانيها
حتى إذا مدّ للآلاء راحَتَهُ
نحو الأريكةِ عضّتهُ أفاعيها
فارتَدّ يلمُسُ جنبيهِ أأنصلُها
أهوَت عليهِ أم انقضّت ضواريها
جنى لها ثمرَ الأقلام يانِعَةً
وراح يجني الرزايا من مجانيها
أإن وفَت أمّةٌ يوما لشاعرِهاه
رماهُ سافلُها عن قوسِ واشيها
إذا أساءت إلى الآدابِ مملَكةٌ
فاصبِر علها فقد قامت نواعيها
إبشر أبا قاسمٍ إنّ العلى لَثَمَت
ثغرَ القوافي وجاءتها تواسيها
في قبةٍ من جلالٍ أنت رافعُها
ورَيوَةٍ من جمالٍ أنتَ كاسيها