مقال 2025/12/24 مشاهدة

نداء اليقظة لمواجهة طوفان الاستئصال في السودان

أخطرُ ما يهددُ السودانَ اليومَ ليس فقط "زحف الميليشيا" وتمددها الجغرافي، ولا نقص التسليح، ولا تكالب الأمم؛ بل هو ذلك الوباءُ الخفيُّ الذي استشرى فينا ونحن لا نشعر: وباءُ "الاعتيادِ" وداءُ "الغفلةِ".

إنه لمن المثيرِ للرعبِ والدهشةِ، أن ترى العدوَ يلتهمُ الأرضَ قريةً تلوَ قرية، وينتهكُ الحرماتِ مدينةً تلوَ مدينة، ويقتربُ رويدًا رويدًا من مناطقنا الآمنة، بينما تجد فئاتٍ عريضةً من الناسِ تغرقُ في "تفاهاتِ" الحياةِ اليومية، أو تنشغلُ بخلافاتٍ جانبية، وكأن الحربَ تدورُ في كوكبٍ آخر!

هذه الحالةُ يسميها العلماءُ "الاستدراجَ بالتمهيد"؛ أن يتركَك العدو تغرقُ في أمنِك الزائفِ، حتى إذا أحاطَ بك وأصبحتِ السكينُ على الرقبة، استيقظتَ.. ولكن بعد فواتِ الأوان.

يا أهلنا، استيقظوا يرحمكُم الله.. فالقادمُ ليس "تغييرًا سياسيًا"، بل هو "طوفانٌ استئصاليٌّ".

علينا أن نفقه (مآلاتِ الأمور) بوعيٍ لا يخالطهُ وهن: هؤلاء "التتار الجدد" لا يأتونَ لحكمِ دولة، بل يأتونَ لإلغائها. إن دخولهم لمنطقةٍ لا يعني تغيير "الوالي"، بل يعني: استباحةَ بيتِك، وسبيَ حرائرِك، ونهبَ مالِك، وتحويلَ مدينتِك العامرةِ إلى خرابةٍ ينعقُ فيها البوم.

من ظنَّ أن "الحياد" سينجيه، أو أن "إغلاقَ الباب" سيعصمُه، فهو يقرأُ من كتابِ الأوهام. السننُ التاريخيةُ تقول أن: "من نامَ عن عدوِّهِ، أيقظتهُ الخيولُ وهي تطأُ صدرَه".

فحالةَ "السيولةِ النفسيةِ" واللامبالاةِ التي نراها عند البعضِ اليوم، هي جريمةٌ في حقِ الدينِ والعرضِ والنفس. فماذا ننتظر؟ هل ننتظرُ أن تُنصبَ الارتكازاتُ تحت بيوتنا؟ أم ننتظرُ أن نصبحَ كلنا "لاجئين" في الخيامِ بعد كل ما سبق؟

وإن سأل سائل: "وماذا بيدي أنا المواطن الأعزل لأفعلهُ أمامَ الجحافل؟" نقول: بيدك الكثير، إن صدقتِ العزيمةُ، وقد تحدث العلماء كثيرا في هذا الباب، أي ما يمكن أن نسميه في فقهِ الأزمة "فروضَ الوقت":

أولًا: كسرُ حاجزِ الصمت (النفيرُ الإعلاميُّ والنفسي): مهمتُك الأولى أن تكونَ "منبهًا" في محيطِك. حارب إشاعات "الاستسلام" و"التخويف" التي تبثها الميليشيا لهزيمةِ الناسِ نفسيًا قبل وصولها. تكلم في المجالس، في المساجد، في مجموعات الواتساب: "الخطرُ قادم، والتجهيزُ واجب، ولا عاصمَ اليومَ إلا الوقوف صفًا واحدًا". اصنع حالةَ "يقظةٍ عامةٍ" تمنعُ الاختراق.

ثانيًا: إسنادُ الظهر (التكافلُ والجهادُ بالمال): إن لم تستطع حملَ السلاح، فاحمل همَّ من يحمله. الجندي، والمستنفر، والمرابطُ على الثغرِ يحتاجون لمن يطعمُهم، ويعالجُ جراحهم، ويكفلُ أسرهم خلفهم. المالُ اليومَ هو "عصبُ المعركة". ساهم في التكايا، ادعم قوافلَ الإسناد. اللقمةُ التي تطعمُها لمرابطٍ قد تكونُ هي السبب في صمودِ ثغرٍ يحمي مدينتَك.

ثالثا: إعدادُ "الاستجابةِ الشعبية" (المقاومةُ المجتمعية): وهذا هو الدورُ الأخطر. يجب أن تنتظمَ الأحياءُ في "لجانِ حماية" و"خلايا يقظة". راقبوا الغرباء، بلغوا عن المشبوهين، أحكموا تأمينَ مناطقكم. الميليشيا تعتمدُ على "الفوضى"، والنظامُ الشعبيُ هو سمُّها القاتل. لا تنتظر التعليمات، كن أنت المبادرة إن كانت لك يد، "لا تنتظر الحل، بل اصنعه".

رابعًا: التعبئةُ الروحية (التوبةُ والاستغفار): واللهِ ما نزلَ بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفعَ إلا بتوبة. وإن هذه الغفلة عقوبة، وهذا التقدمَ للعدوِ هو رسالةٌ لنا بأننا ابتعدنا. أحيوا في الناسِ روحَ "الابتهال" و"القنوت". نريدُ ضجيجًا بالتوبةِ يصعدُ إلى السماء، لعل الله ينظرُ إلينا نظرةَ رحمةٍ يقلبُ بها الموازين.

وخلاصة كل ماسبق مما أود قوله: السفينةُ تخرق، والماءُ يتسرب، وليس فينا مكانٌ لمتفرج. إما أن نتحركَ جميعًا كـ "بنيانٍ مرصوص" وندفعَ هذا الطغيانَ بكلِّ ما أوتينا من قوةٍ ووعيٍ ومال، وإما أن نستيقظَ غدًا فنجدَ أنفسنا "غرباءَ" في وطنٍ كان لنا.

{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}. اللهم قد بلّغنا.. اللهم فاشهد.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!