الحمدُ للهِ مُدبِّرِ الأيّام، ومُصرِّفِ الليالي والأعوام، وأصلّي وأُسلّم على سيّدِ الأنام، وخيرِ من ختمَ اللهُ به ختامَ الكلام. أما بعد، أيّها الحضورُ الكرام…
نجتمعُ اليومَ في لحظةٍ لها من الشجنِ ظلّ، ومن البهاءِ محلّ؛ نودّعُ فيها مرحلةً خفَقَت لها القلوبُ سرورًا، وازدانتْ بها الروحُ نورًا. يا لحظةَ الوداع… ما أضيقَ فيكِ الصدور، وما أوسعَ فيكِ الذكريات!
نفترقُ اليوم، لكنّ خيوطَ الودِّ بيننا لا تنقطع؛ فالقلبُ يحفظُ من أحبّ، كما يحفظُ النسيمُ رائحةَ الورد. نمضي… ولكن آثارَ خُطانا تبقى شاهدةً أنّ الدربَ كان يومًا يجمعنا. يا رفاقَ الأمس… إن ضاقت بنا الدنيا، فذكراكم متّسعٌ لا يضيق. فما الوداعُ إلا امتحانُ محبة… فمن صَحّت مودّتُه، عاد ولو بعد حين.
قَبل أن أبدأ قصيدتي… دعوني أبوح لكم بشيءٍ خفيّ: هذه الأبيات لم تُكتب على الورق أولًا، بل كُتبت في قلبي قبل أن تُسطَّر بالحروف. كل كلمةٍ فيها وُلدت من لحظة حنين، ومن شعورٍ يختلط فيه الفرح بالحزن، ومن خوفٍ خفيف أن يغيب اليوم الذي يجمعنا. كتبتها وأنا أستعيد وجوهكم، وبسماتكم، ومواقف لن تعود… فصارت القصيدة مرآةً لروحي، وهديةً صغيرة لقلوبٍ أحببتها، وها أنا أقدّمها لكم كما خرجت: صادقة، دافئة، وممتلئة.
أخي إنني كنت في ظلمة
وكنت امرأً من عصاة البشرْ
ولكن هداني إله الورى
بهذا انجلى في حياتي السحرْ
مشيتُ إلى توبةٍ عازما
وعاديتُ نفسي لخطبٍ أمرْ
بكيت الليالي أناجي إلى
إلٰهي ينوِّر درب السفرْ
أتى بي إلهي إلى مدرسٍ
منارِ الهدى والتقى و الفكر
فأمضيتُ نحو العلا مركبي
أروم لآلي التقى و الدررْ
سعيت إلى فهم علم الكتاب
من الصرف والنحو والمستطر
بذلت الذي كان في طاقتي
سهرتُ الليالي وذُقتُ الصبِر
رقيت ذرى العلم مستمسكا
بحبل الإله الذي مقتدر
فأرويت نفسي و حليتها
بعلم الكتاب و فقه الخبر
وها قد مضى ههنا تسعة
زمان الإخاء و جمع الثمر
وداعا لكم رفقة المدرس
سنذكر دوما ليالي السمر
لقد كنتم خير صحب لنا
يد العون إن جاء يوم عسر
عزيز على النفس توديعكم
لقينا وعشنا كنظم الدرر
وكنا نرى أن يدوم اللقا
ولكن مضينا كلمح البصر
إذا ما حيينا سنلقاكم
وهذا فراق لأمر قدر
فشكراً إلى كل أستاذنا
هم في ليالي الدجى كالقمر
أناروا لنا الدرب نحو العلا
هم فيض علم الهدى المستقر
جزاهم إلهُ السما جنة
سقاهم من الكوثر المستمر
وبارك لهم يا إله الورى
بألوان خير و جود المطر