رجل يستظلّ بنخلات المدينة، ويحكم على القارات الثلاث، لا ينظر إلا وتتجلى مهابته على عينيه ترعب القلوب. عبقري بسيل، ألمعي لبيب، قال عنه صلى الله عليه وسلم: «إيها يا ابن الخطاب، فوالذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكاً فجّا، قطّ، إلا سلك فجاً غير فجّك!».
عقمت النساء أن يلدن مثله، ويقصر المقتفرون إثره، وليس يربّي أحد في القلب عقده، إلا اللئيم الوضيع، وسبحان من وافق حكمه برأيه! ذلك عمر بن الخطاب؛ الفاتح العادل، الثائب الهائل، المهيب الذي تترعرع الهيبة في قلب من ذَكَره، وقد مضى ألف وأربعمئة سنة!
هذا عمر بن الخطاب، لما همّ بالهجرة، تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهماً، واختصر بعَنزَته، ومضى قِبَل الكعبة، والملأ من قريشٍ بفناءها، فطاف بالبيت سبعا متمكناً، ثم أتى المقام فصلى متمكنا. ثم أقبل لقريش وأعلى صوته الصوت المجلجل فقال: "يا معشر قريش! تعلّموا أني مهاجر، فمن أراد أن تثكله أمه، ويوتم ولده، ويرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي"، فمضى وليس من يتابعه!
هذا عمر بن الخطاب، يتلقب لقب "أمير المؤمنين" في التاريخ لأول مرة، وهو يكرهه. فارس والروم تحت حکمه، وثوبه علیه سبع عشرة بقعة!!!
إن الكلمات والأقلام قاصرة عن وصف هذا الرجل الفذ الذي لم تلد الأمة مثله، فحسبكم قول الرسول (ص) عنه إذ قال: "لو كان من بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب." [مسند أحمد رقم ١٧٤٠٥].
فرضي الله عنك يا عمر؛ حكيما ومعلما، وقائدا لا يشق له غبار...