فكرة البحث:
ابن خلدون كان علما من أعلام الإسلام، وآية من آيات الله تعالى، على وجه الأرض، من شدة الذكاء والفطنة المتوقدة، وله بصمات فائقة على لسان الناس، في جميع العلوم والفنون، عبر العصور. ما ترك علما وفنا إلا استوعبه ابن خلدون بأسلوبه رائع، وبعد أن تعرّف على العلوم والفنون، وابتعلها ابتلاعا وصاغها بأسلوب جديد، ومنهج سديد، حتى عُرف في الأوساط العلمية، اصطلاحه، (علم الاجتماع) وكذلك في التاريخ، ((النقد التاريخي السلبي)). وعلق على بعض المؤلفين، في النحو مثل ابن هشام الأنصاري في قطر الندى، والأدب العربي، مثل أبي الفرج الأصفهاني في (الآغاني) وغيرهم.
سيقوم الباحث، في هذه الأوراق، عرض حياة هذه الشخصية الفذة، و اخترته بما أن في حياته لنا عبرة وعظة، حيث قضى معظم حياته في العلم والتعليم والتأليف والقضاء، فحياته المباركة مليئة بالكفاح والاجتهاد. فعلينا أن نتأسى بأسوة هذا العملاق في درب العلوم والفنون والمعارف، وأن نتبع منهجه، بما أن منهجه سليم وفي غاية الدقة والتحقيق، عن المنهج الكلاسكي التقليدي، حيث أن ابن خلدون دراسته قائمة بالواقع، ويشك في صحة النقل، حتى يتأكد من صحة الأخبار.
سيتناول الباحث هذا البحث حسب المواضيع الآتية:
-
المراحل التي مرت بهذا المؤرخ العملاق العظيم.
-
يقدم شيأ عن أسرة ابن خلون، ومولده وننشأته.
-
أساتذته ومؤلفاته.
-
طرائق البحث التاريخي قبل ابن خلدون.
-
المنهج الجديد عند ابن خلدون.
-
قواعد المنهج العلمي.
-
قواعد المنهج العلمي.
-
أهم قواعد المنهج العلمي.
-
أهم مصادر المعرفة الخلدونية.
-
خاتمة، يتحدث فيه أهم النتائج التي توصلت إليه، وثناء العلماء لابن خلدون، والمصادر والمراجع.
-
الفهرس.
الفصل الأول
يتحدث عن المراحل التي مرت بحياة هذا العبقري التاريخي، اجتاز ابن خلدون في حياته أربع مراحل تمتاز كل مرحلة منها بظاهرة خاصة من نشاطه العلمي، والعلمي.
المرحلة الأولى:
مرحلة النشأة والتلمذة والتحصيل العلمي والمعرفي، وتمتد من ميلاده سنة 732هـ لغاية سنة 751 هـ استغرق زهاء عشرين عاما، وقد قضاها كلها في مسقط رأسه بتونس، وقضى نحو خمسة عشر عاما في حفظ القرآن، والقراءات، والتلمذة على يد الشيوخ، وتحصيل العلوم الآلية.
المرحلة الثانية:
مرحلة الوظائف الديوانية والسياسية، وتمتد من أواخر سنة 751هـ إلى أواخر سنة 776هـ فاستغرق زهاء خمسة وعشرين عاما، قضاها متنقلا بين بلاد المغرب الأدنى، والأوسط ولأقصى وبعض بلاد الأندلس، وقد استأثرت الوظائف الديوانية، والسياسية بمعظم وقته وجهوده أثناء هذه المرحلة.
المرحلة الثالثة:
التفرغ للتأليف، وتمتد هذه المرحلة من أواخر سنة 776هـ إلى أواخر سنة 784هـ فاستغرق نحو ثمان سنين، قضى نصفها الأول في قلعة ابن سلامة، ونصفها الأخير في تونس. وقد تفرغ في هذه المرحلة تفرغا كاملا لتأليف ((كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)).
ملاحظة: هذا الكتاب له شهرة فائقة وجولة ساحقة لدى الناس عبر العصور، ويطلق الآن على القسم الأول من هذا الكتاب، اسم مقدمة ابن خلدون، وهو يشغل مجلدا واحدا من سبعة مجلدات، يشغلها هذا الكتاب بحسب طبعة بولاق، ولم يستغرق تأليف هذا القسم في وضعه الأول إلا خمسة أشهر فحسب.
المرحلة الرابعة:
مرحلة وظائف التدريس، والقضاء، وتمتد من أواخر سنة 784هـ إلى أواخر سنة 808هـ، فاستغرق زها أربع ووعشرين سنة، قضاها كلها بمصر. وقد استأثرت وظائف التدريس والقضاء بأكبر قسط من وقته المبارك، وجهوده القيمة، أثناء هذه المرحلة.
الفصل الثاني
سأتناول هنا ‘ اسم ابن خلدون، وكنيه ولقبه وشهرته: هو عبد الرحمن أبو زيد ولي الدين بن خلدون ‘ إذا اسمه عبد الرحمن، وكنيته أبو زيد، ولقبه ولي الدين وشهرته ابن خلدون. وقد اشتهر ابن خلدون نسبة إلى جده التاسع، خالد بن عثمان، وهو أول من دخل من هذه الأسرة بلاد الأندلس مع الغزاة الفاتحين من العرب، واشتهر بخلدون وفقا للطريقة التي جرى عليها حينئذ أهل الأندلس والمغرب.
أسرته ترجع إلى أصل يمني حضرمي، فيقول في فاتحة كتابه العبر: (يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الخضرمي، وفقه الله تعالى).
تاريخ أسرته:
نشا بنو خلدون بمدينة ((قرمونة بالأندلس)) وهي التي استقر بها جدهم خالد بن عثمان، ثم نزحوا بعد ذلك إلى ((اشبيلية)) قبل أواخر القرن الثالث الهجري. لم يكن لهم شأن يذكر في تاريخ الأندلس، بدأ نجمهم يسطع في أفق السماء عهد عبد الله بن محمد الأموي (274-300 هـ). يقول ابن حيان أسرته شهيرة في الأندلس بالسياسة والعلم معا إلى الآن.
مولد ابن خلدون:
ولد ابن خلدون بتونس، ولا زال أهل الأندلس يعرفون تلك الدار، التي ولد فيها هذه الشخصية الفذة، عجز الزمان والأم أن يأتي بمثله وأن تنجب إلى الآن. الدار تقع بشارع (تربة الباى)، ولما بلغ سن التعلم بدأ الدراسة بحفظ القرآن والقراءات على يد المشيخة الكبار. المسجد الذي يتلقى قيه ابن خلدون العلم يسمى ((مسيد القبة)) يسميه أهل تونس، بلهجتهم العامية.
وكان أبوه المعلم الأول في المدرسة، وكانت تونس في ذاك الوقت منبع العلم، وقبلة العلماء والأدباء في بلاد المغرب. ودرس على يد مشايخ المدرسة العلوم الشرعية، في التفسير، والحديث، والفقه على المذهب المالكي، والأصول والتوحيد، وبالإضافة درس عليهم العلوم اللسانية، من لغة ونحو وصرف وبلاغة، وأدب، ثم درس المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية، والرياضية فيما بعد، وبرع في جميع العلوم، ونبغ فيها نبوغا بارزا، حتى يشار إليه البنان.
ومن أساتذته:
-
محمد بن سعد بن برال الأنصاري.
-
محمد بن العربي الحصايري.
-
محمد بن الشواش الزرزالي.
-
أحمد بن القصار.
-
محمد بن بحر.
-
محمد بن جابر القيسي.
-
محمد بن عبد الله الجياني.
-
الفقيه أبو القاسم محمد، وغيره من العلماء الكبار.
وطالع كتب كثيرة في مختلف الفنون، حيث في الحديث مؤطا للإمام مالك، وصحيح مسلم، وفي قواعد الحديث، مقدمة لابن الصلاح التسهيل لابن مالك، كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني، ديوان المتنبي، والحماسة، ومختصري ابن الحاجب في الفقه والأصول، والمدونة لسحنون في الفقه المالكي، والسير لابن إسحاق، وغيرها من الكتب التراثية النافعة.
ومن أهم مؤلفاته:
العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر في سبعة مجلدات أولها المقدمة، وهي تعد من أصول علم الاجتماع، ترجمت هي وأجزاء منه إلى الفرنسية وغيرها. وختم (العبر) بفصل عنوانه (التعريف بابن خلدون) ذكر فيه نسبه وسيرته وما يتصل به من أحداث زمنه. ثم أفرد هذا الفصل، فتبسط فيه، وجعله ذيلا للعبر، وسماه (التعريف بابن خلدون، مؤلف الكتاب، ورحلته غربا وشرقا). 1ومن كتبه (شرح البردة) وكتاب في (الحساب) ورسالة في (المنطق) و (شفاء السائل لتهذيب المسائل) وله ديوان.
ملاحظة مهمة: هناك بعض الناس شكوا، على أن ابن خلدون ما قرأ هذه الكتب بل ذكرها جرءة، حول مختصري ابن الحاجب، والأغاني، وغيرها على سبيل المثال طه حسين وأعوانه، ولكن في التحقيق أن ابن خلدون قرأ جميع الكتب التي ذكرها في هذه الفقرة، وذلك أن مختصرين مهمين عبر العصور في المذهب المالكي، العلماء يحفظونها ضبطا في الصدور وفهما في العقول، وابن خلدون من المذهب المالكي. كذلك الأغاني قرأ ابن خلدون، وحفظ كثيرا من أشعاره، بدليل ما نقل من نصوص الأغاني في ((مقدمته)) مثل قوله في المقدمة، (((لا يعدل بكتاب الأغاني في ذلك كتاب فيما نعلمه))) وفي كتابه العبر، ولكن يبقى السؤال، لمذا قال طه حسين مثل هذا الكلام، وذلك بناء على المصادر الاستشراقية الفرنسية الزائفة.
حدثان خطيران في حياة هذه الشخصية الفذة:
هاذان حدثان عاقاه عن متابعة الدراسة، وهو ابن الثامنة عشرة، وكان لهما أثر بليغ في حياته الطيبة. أحدهما فحادث الطاعون، الذي انتشر سنة 749هـ في معظم أنحاء العالم شرقية وغربية فطاف بالبلاد الإسلامية من سمرقند إلى المغرب ومعظم البلاد الأوربية، مات مبلغ كبير من الناس، كما سمى ابن الخلدون هذا الطاعون ((الطاعون الجارف)). يقول ابن خلدون ((لم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا على تحصيل العلم، حريصا على اقتناء الفضائل، متنقلا بين دور العلم، وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب بالأعيان والصدور، وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله تعالى)).
أما الحادث الآخر، فهو هجرة معظم العلماء والأدباء الذين أفلتوا من هذا الوباء الجارف من تونس إلى المغرب، سنة 750 هـ مع سلطانه أبي الحسن صاحب دولة بني مرين. وقد استوحش لهذين الحادثان، وتعذر عليه من بعدهما متابعة الدراسة؛ لانقباضه، وضيق صدره. عقب هاذين الحدثين؛ تغير مجرى حياته، وأخذ يتطلع إلى تولي الوظائف العامة.
الفصل الثالث: طرائق البحث التاريخي قبل ابن خلدون
علم المجتمعات أو علم العمران أو علم الاجتماع، لم يكن مطروحا كمادة للدراسة والبحث، قبل ظهور مقدمة ابن خلدون العملاقة بحسب تعبيره. ولم يخطر لدى طبقات المؤرخين، على اختلاف مستوياتهم، أن ((الكل الاجتماعي)) بأجزائه وشرائحه الاجتماعية المختلفة، يخضع لقوانين ثابتة، ثبات القوانين، التي يخضع لها ((الكل الطبيعي- الفزيقي)) أو ((الكل الفلكي)) بكواكبه ومجراته المختلفة.
إن الناس في التاريخ العام مغيبون، إن القائد هو الذي يذكر، ومن وراء القائد يقف الوالي، ومن وراء الوالي يقف الخليفة، وأما الناس؛ فهم مجرد أدوات يحركها هؤلاء. والتركيز على الفاعلين الظاهرين، لكن هذا التركيز بعيد كل البعد عن الحقيقة.
الطريقة الأولى:
((كانت الطريقة التاريخية الغالبة قبل ابن خلدون، التي ذهب أعلامها بفضل الشهرة والإمامة المعتبرة مثل، ابن إسحاق، والطبري، وابن الكلبي والواقدي والمسعودي، وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز، ما هو معروف لدى الأثبات والثقات)). هؤلاء فقط يصفون الظواهر، بطبيعة الظواهر، وكان أقطاب هذه الطريقة التاريخية الغالبة، يحصرون عمليتهم في حشد الروايات، و توثيق السند، دون القيام بنقد الأخبار، على أساس طبائع العمران، ومنطق العقول، فهم فقط حصروا التاريخ كما في الشريحة السياسية.
ويقول الطبري: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستنشعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى له في الحقيقة، فليعلم أن لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو، ما أودي إلينا ولو عالجوا موضوعات من السياسة، والقضاء والاقتصاد والمجتمع، فإنما عالجوا بطريقة مفككة، لا صلة لها بنسج المجتمع العام، ولا بحركته، بل كثيرا كانت الظاهرة تتفكك.
طريقة ثانية في كتابة التاريخ:
كان أصحابها يدعون إلى المبادئ، التي تفرز الظواهر الاجتماعية، وتتفق مع معتقدات الأمة وأخلاقها، فهي ترغب في هذه المبادئ، وتحث عليها. وهذه الطريقة اشتهر بها عند ابن مسكوية في كتاب (تهذيب الأخلاق) وابن قتيبة في: (عيون الأخبار)، والماوردي في: (الأحكام السلطانية) والطرطوشي في كتابه: (سراج الملوك).
وعن كتاب الأخير يقول ابن خلدون، رافضا هذا المنهج، في علاج الظاهرة الاجتماعية: ((وكذلك حوم القاضي أبوبكر الطرطوشي في كتابه (سراج الملوك)، وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا، ومسائله، لكنه لم يصادف فيه الرمية، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، إنما يبوب الباب للمسئلة، ثم يستكثر من الأحاديث وألآثار، وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس والهند)).
طريقة ثالثة:
من مناهج الكتابة التاريخية، هذه الفئة حاولوا جعل التاريخ متونا علمية مختصرة، شبيهة بالأجرومية كما فعل ابن رشيق في ميزان العمل. أمام هذه المناهج التقليدية وقف ابن خلدون وقفة حاسمة، هذه المناهج أفقدت المادة التاريخية رواءها، وأفقدت الدراسة التاريخية جزء من علمياتها و فائدتها. ألزم ابن خلدون نفسه، أن ينصف تاريخ الأمة، بمجتمعاتها الإسلامية، فيفصل أخبارها بابا بابا، ويبدي في هذا الرصد لأولية الدول والعمران، عللا وأسبابا.
نموذج أخطاء المسعودي، ((أن (إرم ذات العماد) اسم لمدينة كانت على الجن، بناها شداد بن عاد بن عوص من الذهب، والزبرجد، والياقوت في صحراء عدن، وهذا كذب لا أصل له)).
عثر ابن خلدون على أخطاء منهجية في كتب المؤرخين السابقين ومن أهمها:
-
عدم الموضوعية بسبب ((التشيعات للآراء والمذاهب)).
-
عدم تحكيم العقل في ضوء قوانين الطبيعة، التي وضعهها الخالق- سبحانه تعالى-.
-
الجهل بطبائع الأشياء، ولا سيما قوانين الحضارة.
-
عدم إدراكهم للأهداف الاجتماعية والمعايشة والتاريخية.
-
عدم وجود معيار منهجي تنقد به الوقائع والأخبار.
خلاصة الكلام: إن المنهج التاريخي عند سلف ابن خلدون لم يساعده على فهم واقعه وظواهره وأزماته، ففضل السلف من المؤرخين النقل على العقل، والتعصب على الموضوعية، والمنهج الروائي على المنهج التحليلي، والتاريخ لحياة الملوك على دراسة أحوال العمران.
الفصل الرابع: المنهج الجديد عند ابن خلدون
لم يرو ظمأ ابن خلدون، من الأساليب التقليدية في التاريخ، بقدر ما زاده عطشا لمعرفة طبائع العمران. لقد علمته تجارب الحياة أن للوقائع التاريخية، نظامها وطبائعها. ومن يتبصر في أحول الخليفة، والأمم والحضارات، يدرك تماما، أن بواعث قيام الحضارات، واندثارها، لا يرد إلى مصادفات، وإنما إلى المجتمع الإنساني نفسه.
المنهج الذي تناوله للقضاء على هذه الأساليب التقليدية: النقد التاريخي الذي مارسه ابن خلدون (النقد الباطني السلبي) ويقصد به بيان قواعد المنهج التاريخي، طرق التثبت من صدق المؤلف، وعدالته، ومن عدم انخداعه ووقوعه في الخطأ والكذب.
هذا المنهج يختلف عن النقد الباطني التفسيري الإيجابي، الذي يقصد به تحليل الأصل التاريخي بقصد تفسيره وإدراك معناه، ويتم ذلك على مرحلتين: أولا، تفسير ظاهر النص، وتحديد المعنى الحرفي له؛ وثانيا: إدراك المعنى الحقيقي للنص، ومعرفة غرض المؤلف مما كتبه.
إن تخليص التاريخ من الأغلاط وتحوله من فن الى علم، إنما يتوقف على مسألتين:
-
الأولى: تحديد القواعد المنهجية لعلم التاريخ.
-
الثانية: موضوع هذا العلم.
إن المنهج ما هو إلا طريقة وأصول التفكير والمنطق الذي يسلكه الباحث في دراسته للظاهرة موضوع البحث بقصد الوصول الى الحقيقة. لقد ابتكر ابن خلدون منهجا جديدا يقوم على استقراء واقع عصره ومجتمعه معتمدا في ذلك على ملاحظاته ومشاهداته وخبراته لقد نحا منحى تجريبيا.
الفصل الخامس: قواعد المنهج العلمي
ابن خلدون رفض المنهج الوصفي عند سلفه؛ لأنه يفتقر الى القواعد والمبادئ المنهجية السليمة، كما أنه قاصر عن إدراك طبائع أو قوانين العمران البشري والتغيرات البنيوية التي طرأت على المجتمع العربي. إن قواعد المنهج العلمي الخلدوني تختزل كثيرا من المنهج اللاحقة، وعلى الأخص مبادئ المنهجيين الإستقرائي التجريبي والوضعي.
أما أهم قواعد المنهج العلمي:
القاعدة الأولى:
قاعدة النقد الباطني السلبي، وتقوم على التحري عن مصدر الأخبار وطرق التثبت من صدق المؤلف ومن عدم انخداعه ووقوعه في الخطأ والأغلاط. فعوامل الإنخداع والوقوع في الأغلاط متعددة، فقد يكذب المؤرخ طمعا في مكسب ذاتي؛ فيبتعد عن الموضوعية، وقد يتعمد المؤرخ عن المصادر الثانوية فتأتي معلوماته مشوهة، والصحيح هو أن يستقى المعلومات من مصادرها الأصلية.
القاعدة الثانية:
وتتمثل في الابتعاد عن التشيع والتعصب للآراء والأحكام المرتجلة والقبلية والتزام جانب الموضوعية في عرض وقائع العمران، وإذا لم يلتزم المؤرخ بالموضوعية فإن الأهواء والنزاعات الذاتية قد تستبد به.
القاعدة الثالثة:
وهي موسوعية المعرفة عند المؤرخ إذ يتعين عليه الإلمام بقواعد السياسة وطبائع العمران والملك وتاريخ الأمم والإقتصاد والسياسة في الأعصار المختلفة. ولما كان العمران البشري يؤثر في الوقائع التاريخية والإجتماعية، فلا بد للباحث من الإحاطة بطبائعه كي يدرك أثره في النظم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
القاعدة الرابعة:
وقد نهج ابن خلدون منهجا من الشك جاء الشك الديكاريتي فيما بعد أشبه ما يكون به. فلكي يبني المؤرخ منهجه المعرفي على أساس متين، يتعين عليه أن يشك في صدق المعلومات التي كان قد حصلها ما دام الشك فيها له ما يبرره.
القاعدة الخامسة:
لكي نقطع الشك باليقين، وننتقل من دائرة الاحتمال إلى داءرة اليقين، ونسير خطوة خطوة على طريق المعرفة، علينا أن نعتمد على المعارف العقلية، باعتبارها أحد المصادر الأساسية للمعرفة، فننظر إلى الأخبار، ولا نأخذ منها إلا بما يقبله العقل، ونرفض ما دونه.
القاعدة السادسة:
هي قاعدة العلية، يرى ابن خلدون، أنه لا بد للمؤرخ من معرفة طبائع العمران، فلك حادث ممن الحوادث طبيعة تخصه في ذاته، لابد لكل حادث محدث. وبهذا لم يعد التاريخ وصفا للوقائع، (وإنما هو باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات، ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق).
القاعدة السابعة:
إن أمانة الباحث والشك والسببية والعقلانية؛ إنما هي مبادىء وقواعد أساسية للبحث الاجتماعي، فمن خلال تحليل العمران البشري، وتعليله يستقرىء ابن خلدون، القوانين العامة للاجتماع البشري.
الفصل السادس: أهم مصادر المعرفة الخلدونية
أولا: القرآن
سلك ابن خلدون، مسلكا حديثا في تفسيره للمعرفة، لم يسبقه أحد إليه، علما أن العلماء مهدوا السبيل لابن خلدون، ومن ثم جاءت فلسفته خلاصة ثقافته الفكرية الإسلامية، وتجاربه وخبراته، ولا سيما ثقافته القرآنية. لو دققنا النظر في القرآن نظرة متأنية، لوجدنا أنه يوجه العقل البشري، إلى استخدام منهج متكامل في البحث، في الكون. المنهج القرآني يخاطب الإنسان عقلا وحدسا، والكون ميدان المعرفة.
ثانيا: الحديث الشريف
فأول قاعدة من قواعد النقد التاريخي، هي القاعدة التي تقرر، أن أخلاق الراوي، عامل مهم في الحكم على روايته. ومن ثم يظهر هنا تأثير قواعد الحديث، في المنهج الخلدوني، والاستعانة، بقواعد الجرح والتعديل. حيث اشترط في المؤرخ، أولا: الصدق، وثانيا: عند النقل، يعتمد على اللفظ دون المعنى. ثالثا: أن لا يأخذ من المذاكرة، رابعا: وأن يسمى المنقول عنه وغيرها من الصفات التعريفية في شخصية المؤرخ.
ثالثا: علم الكلام والفلسفة
إن الميدان المعرفي الإسلامي خصب جدأ، وقد خاض غماره ابن سينا ،و الفاربي،، ابن عربي ، وابن رشد. إن ابن خلدون استفاد من المنهج العقلي الإسلامي، وسلك على المنهج العقلي الإسلامي. يقول محمد عابد الجابري ((وبالفعل فمقدمة ابن خلدون، درس للعقل من العقل، عبرة للتاريخ من التاريخ، إنها خطاب من الماضي إلى المستقبل)).
رابعا: تجارب ابن خلدون، وخبراته
حياته وتقلبه في خدمة البيوتات الحاكمة، وتعرفه عن كثب إلى مجريات الأمور، وإلى خفايا القصور، و أسباب النزعات بين القبائل، قد عمقت نظرته المعرفية، وجعلته يعيد النظر في المناهج السابقة، ولا يسلم إلا بما يقبله الواقع والمنطق الحسي. كان بحق داهية سياسية.
خاتمة
ابن خلدون له بصمات جميلة في التاريخ، حيث القدماء أكبوا على كتابة التاريخ، بطرق تقليدية، حتى أن جاء هذا العبقري الفذ، فصاغه بأسلوب ممتع، خيث ابتكر منهجا جديدا في التاريخ، لم بعرفه الناس من قبل. وبالتأكيد أن ابن خلدون تأثر بالتراث الإسلامي المجيد، وفي نفس الوقت طبقه في حياته العملية، كما يقال: (لإنسان ابن البيئة، يتأثر بها ويؤثر فيها).
ثناء العلماء على ابن خلدون:
قال إيف لاكوست عن مؤلَّف ابن خلدون (المقدمة): التحليل والتأليف والبحوث التي حققها هذا المغربي العبقري في القرن الرابع عشر تساعدنا اليوم على إجادة فهم القضية التي هي بلا ريب أوسع القضايا وأشدّها مأساوية في عصرنا؛ ألا وهي التخلف. وقال كارّا دو فو: إنَّ نزعة الاهتمام بالبحث في تاريخ النشوء والتطور تضع ابن خلدون في مصافِّ أرقى العقليات في أوربا الحالية. ووصف كثير من الكتاب الغربيين سرد ابن خلدون للتاريخ بأنه أول سرد علمي منهجي للتاريخ، وهذا تقدير كبير عندهم.
وفاة ابن خلدون:
تُوُفِّي ابن خلدون بمصر سنة (808هـ = 1406م)، عن عمر يناهز (78)، ودفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة.