تحت كل محنة .. بشرى وخير ومنحة

حديث عن الأمل الموجود بين ثنايا الألم ، ونظرة إيمانية جعلت من محنة السرطان منحة ربانية .
لا يعلم الإنسان من أين يمكن للخير أن يأتيه.. ترى نفسك في كل يوم ساعيا في شؤون تعتقد أنك ستجني من ورائها شيئا يهدئ نفسك التي بين جنبيك... والأمر الذي يكاد يتفق عليه معظم ذوي الخبرة من البشر.. هو أن الخير غالبا.. يأتينا من حيث لا نحتسب.. وبطرق ما كانت لتخطر لنا على بال... وعلى أيدي أناس.. ما توقعنا يوما أنه سيأتينا من جهتهم خير..
وأن الشر أحيانا.. يأتينا من تلك الطرق التي نسلكها بأنفسنا.. ظانين أنه سيأتينا من ورائها خير وسعادة.. ويأتينا من أولئك الذين قصدناهم بخطى واثقة.. معتقدين أن خلاصنا بأيديهم..
لعل الطريقة من بدايتها خطأ.. وربما باطل.. وما بني على باطل فهو باطل.. وما كان للقاعدة أن تكون قوية مادام أساسها مهترئا..
أو.. لعل الطريقة صحيحة إلا أن وقت تنفيذها غير مناسب.. فأثر خطأ اختيار الوقت على صحة الطريقة فنتج عنها سوء فهم..
أو لعل الأمر من الأساس غير ضروري... والاهتمام به هو الخطأ في حد ذاته..
غير أن ضعف الإنسان وعجلته التي جبل عليها وحرصه على تهدئة نفسه وإرضائها، أمور جعلته يقع في الكثير من الأخطاء التي يعض أصابعه ندما على مجرد تفكيره فيها لأول وهلة..
على المرء إعادة التفكير في نظرته إلى الحياة ووزنه للأمور..
عليه _ مادام مسلما _ وضع الحسابات الأخروية نصب عينيه .. 
فالغفلة عن هذه الحسابات سبب خساراته التي لا يجد لها تفسيرا واضحا.. 
لا يمكنه تجاهل صوت الضمير في قلبه.. لا يمكنه الهرب من تلك الفروق الواضحة.. بين فعل يخدم الدنيا مقابل خسارة منزلة في الآخرة.. وبين فعل يخدم الآخرة مقابل صبرٍ على فتن الحياة الدنيا
عندما أرغب في الحديث عن الجانب المشرق من مرض السرطان، وأحاول التعبير عن الخفايا الوجدانية في الخلايا السرطانية أجد صعوبة في ترتيب الأفكار وصعوبة في إخراجها بأسلوب يليق بها ..
فلو لم يكن في السرطان من فائدة سوى أنه يكشف لك أيها الإنسان كم أنت ضعيف وكم أنت محتاج إلى ربك فقير إليه لكفى بها فائدة عظيمة تغنيك طيلة عمرك عن الدنيا وما فيها وتجعلك عزيزا بحب الله فخورا بدينك مشتاقا لوجه الكريم المتعال..
ومن دون هذه الحقيقة لن يقر لك في الأرض قرار، وستعيش فيها ضيقا حرجا متكدرا مغموما ضائعا حائرا لا تعرف لك وجهة مأمونة ولا سبيلا مستقيما ..
حقيقة أنك ضعيف أيها الإنسان، وأن خلية عابرة لا ترى بالعين المجردة بإمكانها إخراجك من قصرك رغم أنفك ورميك على سرير في مستشفى تتلقفك أيدي الأطباء والممرضين وأنت مستسلم لهم لا حول لك ولا قوة..
حقيقة أنك عبد للقوي العزيز، الله الذي رفع السماوات ومهد الأرض وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الخافض الرافع المعز المذل ..
حقيقة أن الطبيب ودواءه لن يشفياك إلا بإذن الله، ولو اجتمع أطباء الأرض وأدويتهم على علاجك فإنك لن تشفى إلا بإذن الله وأمره ..
من أجل ذلك لم أكن معتمدة على الأطباء بشكل كلي وإنما كنت أتتبع نصائحهم أخذا بالأسباب وفي قلبي يقين راسخ بأن الله الذي خلقني هو يهدين، وإذا مرضت فهو يشفين، فهذه الخلايا من خلق الله، وكما ظهرت بأمر الله فستزول بأمر الله.. رفعت الأقلام وجفت الصحف.
ومن الخبايا الإيمانية في هذا المرض أنه يجعلك تتذكر محن الأنبياء وخاصة مرض أيوب عليه السلام وكيف كان صابرا راضيا بقضاء الله وكيف كان يدعو ربه ويتضرع إليه، وتتذكر دعاءه وتردده معه قائلا: " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين "، تحس للحظات أنك تشارك نبيا من أنبياء الله في بلائه وألمه، وتقتدي به في توكله على الله عز وجل، فتجد لذة في المناجاة ولذة في الصلاة، تلك الركعات والسجدات التي تؤديها وأنت متعب ضعيف لا تقوى على الوقوف.. تشعر بالصدق في دعائك، وتشعر أنك تصلي لله بخشوع وبنفس متجردة من كل شواغل الحياة الدنيا، ستسأل الله الشفاء.. وإن بلغ بك اليقين مبلغا رفيعا ستنسى نفسك ومرضك ومعاناتك وألمك وستسأل الله أن يغفر لك ويرضى عنك ويجعل آلامك مكفرات لذنوبك..
سترى حقيقة الحياة الدنيا، وستتذكر تقصيرك وخطاياك ودينك الذي فرطت فيه، وسترى الصحة تاجا على رؤوس الأصحاء خاصة حينما تحتاجها لتعبد الله وتخدم نفسك بنفسك وتستغني عن منن الخلق مهما أبدوا سرورهم بمساعدتك، لأن شعورا بأنك عالة عليهم سيلازمك طيلة أيام عجزك، فتتمنى العافية لتتخلص من ذلك الشعور البغيض..
ذلك أن الحاجة للناس تورث ألما نفسيا لا يطاق، سوف تشعر بذوي الاحتياجات الخاصة وأنت نائم على السرير لا تتحرك إلا بجهد وعناء.. سوف تشعر بآلامهم وتفهم إحساسهم تماما، وستكره نظرات الشفقة وتفهم لماذا يكرهونها، وستحاول أن تبدو بخير وسعيدا وراضيا وستفهم لماذا يبدون كذلك، وستحترمهم أكثر عندما تجرب شيئا من أحوالهم وأنت تعلم أنه مؤقت بالنسبة لك.. ستتمنى لو أنك تمتلك عصا سحرية كتلك التي في الرسوم المتحركة ما أن توجهها لمُقعد حتى يقوم ماشيا على قدميه.. ولأنك لا تملك من أمرك ولا من أمرهم شيئا ستكتفي لنفسك ولهم بالدعاء.. ستكون أكثر إنسانية.. ستكون أكثر رحمة .
 
زهيرة بودهان
كاتبة من الشرق الجزائري 
 
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2021

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن

اكتب معنا


يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

أرسل من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2021