رسول المحبة والسلام

تطل علينا مناسبة من أعز المناسبات في تاريخ الأمة الإسلامية. وهي مناسبة ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. أطل علينا نور المصطفى يحمل للدنيا رسالة رب العالمين، وهذه هي الرسالة التي غيرت مجرى التاريخ، وفي هذه الرسالة النبيلة للعدل والمساواة والمحبة السلام وجدت الإنسانية سبيلا للخروج من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.

إن السلام سمة إنسانية بارزة وفلسفة راسخة يهدف إلى تحقيق الخير والسعادة للبشرية جمعاء. والسلام قيم إنسانية مشتركة للتسامح والتعايش والحوار واحترام التعددية الثقافية وقبول الآخر ونبذ العنف كافة أشكال العصبية والتطرف والكراهية والتمييز. إن الإسلام دين السلم وشعاره السلام، جاء الإسلام وأخذ يدعوهم إلى السلم والوئام، فإن القرآن جعل غايته أن يدخل الناس في السلم جميعاً، فنادى المؤمنين بأن يتخذوه غاية عامة، قال الله عز وجل مخاطباً أهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة: 208)

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً وقدوة في الصفح والعفو من أجل السلم مبدأ وغاية، لقد كانت المرحلة المكية من الدعوة النبوية فترة عصيبة أُوذي فيها النبي صلى الله عليه وسلمفي شخصه الكريم، وفي أهل بيته وفي صحابته، ولكنه لم يكن يرد الإيذاء، بل كان يردّ رداً جميلاً، ثم إنه لما انتصر على قوى الكفر والطاغوت ورجع إلى مكة فاتحاً كان أرحم بأهلها من الأم بولدها، وحقق السلم المطلق فلم تُرق قطرة دم في فتح مكة، ولما قال بعض أصحابه: "اليوم يوم الملحمة" قال: "بل اليوم يوم المرحمة"، وخاطب أهل مكة قائلاً: "ما تظنون أني فاعل بكم"، وقد أقدره الله عليهم، قالوا: "أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وكان يوماً سجله التاريخ في تحقيق الفتح بالسلم، فهل هناك سلم مثل سلم محمد صلى الله عليه وسلم.

إن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم نور يُستضاء به في ظلام الجاهلية، ومحبة خالصة تؤلف بين القلوب، وأن الإسلام شمس مضيئة أنارت ظلام الجاهلية، وهو دين الحب والأمل والحياة واليسر، وشرائعه هي شرائع الحق والعدل وأحكامه هي أحكام الحياة، وللقيمة الرفيعة لخلق الحب والمحبة في الحياة، وأهميته في تحقيق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع والأمة والإنسانية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم سعى لتحقيقه بوسائل متعددة، وربّى أصحابه وأمته على هذه النفسية الراقية، وحث على إشاعته بين الناس، ببناء كل العلاقات على أساس من حب الإنسانية. فقد استطاع السول صلى الله عليه وسلم في سنوات يسيرة بسماحة تعاليمه وعظيم أخلاقه أن يجمع كلمة العرب وغيرهم بعد عهود من التفرق والتمزق، وأن يبعث فيهم روحاً جديدة مليئة بالصفاء والنقاء والإخاء والوفاء والمحبة والتسامح.

إن التاريخ الإنساني على وجه الأرض لم يعرف عظيما من العظماء ولا زعيما من الزعماء ولا مصلحا من المصلحين استوعب في صفاته الذاتية والعقلية والنفسية والخلقية والدينية والروحية والاجتماعية والإدارية والعسكرية والتربوية ما استوعبه  شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم  بما أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء رحمة للناس كافة، كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ كافةً للنّاس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون (سبأ: 28) وأرسل دينه رحمةً لجميع مخلوقاته، وهي واضحة في أنها مسلك لتحقيق السلم وفتح الآفاق. هكذا استطاع رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يلقب برسول المحبة والرحمة والسلام.

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة عالية، كولكاتا- الهند
مجموع المواد : 3
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019