حب أم انتحار ؟!

 

 كان لي صديق منذ الطفولة أحبه لعلمه وموهبته أكثر مما يحب المرء صديقه لأوصاف أخرى. فيروقني منظرُه ويُؤنسني محضرُه وكنت لا أعبأ بعد ذلك بشيء من صلاحه أو طلاحه.

 قضيت بجواره عهدا طويلا حتى فرق الدهر بيننا بحيث لم أعرف أين مصيره؟ ولكنِّي بذلت جهدي لالتماسه إلا أن القدر اقتضى شيئا آخر؛ فلم أجده بعد جهد جهيد حتى أيقنت أني لن أجد بعد اليوم إليه سبيلا.

 مرّت عشر سنوات. ولم يبلغني أين هو؟ فبينما أنا أقضي عطلة العيد في هذه السنة إذ سمعت من أهل القرية أنه رجع إلى بيته وقد صارت أمه رهينة قبرها وصديقي طريح فراشه فهببت إليه مسرعا وفاءّ بحق الصداقة فرأيت من عجائبه ما أدهشني كل الدهشة. ومن محزناته ما أبكاني بكاء أجمع. إذ رأيت من أمره مالا عهد لي بمثله فيما قبل.

 وصلت إلى غرفة مظلمة تريد أن تنقضّ على أهلها لضعفها وقِدمها. فلم أزل أتردّد في شأن الدخول حتى دخلتها رغم ما أنجبتْ نفسي من حكمها فخُيّل إليَّ أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات. وبدا أن هذه الغرفة التي دخلتها هي قبر وهذا المريض أمامي هو ميت فدنوت منه شبرا بعد شبر حتى بلغ الدنو مبلغه وصرت بجانبه فإذا هو قفص من العظم  يتردد فيه النفس الأخير، فوضعت يدي على جبينه، ففتح عينيه، وأطال النظر في وجهي ثم فتح شفتيه قليلا قليلا، وقال بصوت خافت: "اللهم لك الحمد، ها أنا ذا قد وجدت صديقي المنشود". فجدَّد لي مَقاله حزنا كان في قلبي كمينا وبين أضالعي دفينا بعد فراقه منذ أمد بعيد. فسألته: "ما هذه الحال التي صرت إليها؟" فما لبث أن جاء بقصته الغابرة. وأنشأ يقصّ عليّ قصته:

 لقد عقد الود بيني وبين إبنة عمي عقدا لا يحلُّه إلا ريب المنون، فكنت لا أرى لذة العيش إلا بجوارها، ولا أرى نور السعادة  إلا في فجر ابتسامتها، وهي أيضا تحبني أكثر من حب الزهرة الذابلة للقطرة الهاطلة، وما هي إلا أيام قلائل حتى أراد عمي تزويج ابنته الوحيدة ففارقت أنا وابنة عمي منزلنا وأزمعنا الرحلة إلى حيث فضاء الله ومنفسح آفاقه  وعلاجُ نفسنا من الهم والحزن، فرحلنا رحلة طويلة قضيت فيها بضعة أشهر، وكانت معنا صُبابة من المال، فاتخذنا بها مسكنا في العاصمة داكا وعشنا زمانا طويلا في بهاء الحياة وبهجتها.

 ورأيت يوما من الأيام إلى الفضل الباقي الذي كان في يدي من المال؛ فإذا هي ناضبة أو أوشكت على النفاد، فخرجت ألتمس الوظيفة فلم أظفر بها ثم رجعت إلى غرفتي العاشرة ليلا، لكن لم أر فيها صاحبتي إلا أن وجدت رسالة على طاولتي فإذا هي بخط ابنة عمي وقرأت فيها هذه الكلمات التي لا أزال أحفظها حتى الساعة:

"يا ابن عمي! فارقتك ولم أودِّعك وما ألجأني إلى ذلك إلا شقاءُ أمك المسكينة التي تدبُّ إلى الموت دبيبا ولا تزال تتمنى أن تراك في آخر لحظاته من الحياة فارحمها كما رحمتك وربتك صغيرا."

 وما وصل من حديثه إلي هذا الحد حتى رأيت مدامعه تنحدر على خديه،  فسألته:  وماذا حدث بعد ذلك يا خوي! قال:  ما إن قرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة تتمشى في جميع أعضائي، وخيل إلي أن صدري يحاول جاهدا فى سبيل الإنشقاق عن قلبي حزنا وجزعا، فأسرعت إلى القرية لألبّي نداء أمي. ومن سوء حظي أن المنيَّة سبقتني فرأيتها جثة هامدة لا حراك بها، وقد حملها الناس على السرير ليذهبوا بها إلى المقبرة،  وشقيقي الصغير يمشي وراء نعشها يبكي وينتحب. وما انقضي النهار حتى انقضى كل شيء! فأصبحت أمي رهينة قبرها ومن ثَمَّ لا أزال طريح فراشي أبكي بكاء النادم الذي لا ينفعه الندم. الله يعلم أني أكتب قصته وصوته يرن في أذني حتى الآن، وعيناي تذرفان الدموع التي لا أتمكن من إمساكها.

فيا أيها الشبان! رفقا بأنفسكم العاطفية، رفقا بضعفاء النفوس من النساء. ولا تلقوا بأيديكم إلى الدمار والتهلكة باسم الغرام والمحبة؛ إذ الحب الذي يؤدي إلى الهلاك والعاقبة النحسة فهو في الواقع نفس الهلاك بل هو الانتحار وإن سماه الناس بأسماء رائعة من الحُرِّية أو التقدُّم وزعموا أنه ترفيهي والحقيقة أنه منطق شيطاني لا قول إسلامي زيَّنه أعداء الله بأثواب جذَّابة ومُريئة.

احذروا الشهوات والشبهات فإنكم لا تعلمون حين تُؤثِّرون وجدكم علي عقلكم وبيئتكم على دينكم إلى أي خسارة تتقدمون؟! وإلى أي عاقبة تصيرون؟! ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين

معصوم بالله غلزار

أستاذ كلية اللغة العربية بمركز الدراسة الإسلامية داكا
المترجم والكاتب العربي ومعلم اللغة العربية
مجموع المواد : 5
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019