أهمية التعدد اللغوي في ظل العولمة ودوره في فهم الثقافات.

تتمحور هذه المقالة حول أهمية اللتعدد اللغوي في ظل العولمة ودوره في فهم الثقافات في هذا العصر المتحضر وكيف فتح التعدد اللغوي آفاق التبادل التجاري والثقافي والسياسي والعلمي والأدبي وكيف أقام جسر بين الثقافات والحضارات لفهم بعضها البعض وأزال سوء الفم بين الناس في هذا العالم الواسع الرهيب.

           "لونتكلم اللغة المختلفة فنحن ندرك ونفهم العالم المختلف بقليل "  دويغ ويتجستين       

لم تزل اللغة ولا تزال أداة تفاهم وتبادل أفكاروتعتبرميزة خاصة للأنسان الذي تميز بها من بين جميع المخلوقات وتعد وسيلة التواصل والترابط بين الشعوب والأمم وجسرا قويا بين الحضارات والثقافات وسلما متينا بين بني آدم للتعرف على التنوع الهائل في العالم الذي يزداد بستان العالم رونقا وبهاء .هذا من أسرار الكون أن تختلف لغة عن لغة ولهجة عن لهجة وأسلوب عن أسلوب وكذلك جنس عن جنس ولون عن لون ولباس عن لباس وطعام عن طعام وشراب عن شراب وحتى لا تكون المماثلة والتشابه أيضا بين الأشجار والورود والبحار والأجواء والحيوانات بل تخلتف تماما كاملا عن بعضها البعض ومن أجل ذلك نرى ونشاهد العالم امتلأ بالتنوعات والاختلافات وهذه الاختلافات والتنوعات تنعكس وتتجلى في الحضارات والثقافات واللغات واللهجات والمآكل والمشارب والأديان والمذاهب وأساليب الحياة والأجناس والألوان بل في كل جميع الأشياء كلها في هذه الكوكبة الرضية وهذا فقط للتعارف لكي نتمتع بها ونعتز ونستنشق في أزهار العالم المختلفة ونبتهج في ظلالها الوارفة ونتعايش معا في هذا العالم الواسع الرحيب بأمن وسلام وحب ووئام.

 كانت اللغة في البداية لغة واحدة ينطق بها الإنسان للتعبير عما يجول في خواطره ثم يبدأ نطاقها يتوسع بتوسع الإنسان في مناطق نائية ومرت بأحقاب وأزمان وأعوام وأصبحت اللغات المتعددة في هذا العالم الواحد التي ينطق بها الإنسان من بلاد مختلفة وقارات شتى وهذه التنوعات والاختلافات بين سكان العالم لا تكون سبب الاستهزاء بها والاحتقار ولا تكون وسيلة الذل والهوان ولا تصير مصدر التقاتل والتناحر والتباغض والتحاسد فيما بينهم إلا ذريعة للتراحم والتناصر والتعارف على هذه التنوعات الهائلة العملاقة بين الأفراد والأسر والقبائل والقرى والمدريات والمدن والدول والقارات . ومن الأصول الطبيعية أن العالم يجري على قانون الأخذ والعطاء وهذا القانون الكوني يجري في جميع الأشياء كلها في هذا العالم حتى ينطبق على اللغات والحضارات والثقافات فتتأثر لغة بلغة وحضارة بحضارة وثقافة بثقافة أو بالعكس  حتى هذه العملية لا تزال في حركة دائبة وتبادل مستمر فعلاقة لغة مع لغة وطيدة وارتباط ثقافة بثقافة قوي واتصال حضارة بحضارة متين ولذا تخرج مشكواة التنوع من اختلاف اللسان واللون والجنس واختلاف الليل والنهار التي تنور العالم بأنوارها المختلفة وأشعتها المتعددة .

اكتشف العلماء في الثمانيات والتسعينات خصائص الأشياء وأسرار الكون وحاولوا كل المحاولة في مجال العلوم والتكنولوجيا لدفع عجلة التقدم العلمي الهائل إلى الأمام التي قامت بدور فعال في تسهيل الأعمال ورفع مستوى الحياة وتغييرالأفكار والنظريات وتبديل الصعوبات إلى السهولة واليسروطي بساط الرض وتحويلها إلى قرية واحدة حتى تقطع الطائرات السفر من المحيط الهندي إلى البحرالأطلنطي في ساعات حتى يتصل البعض بالبعض وهم جالسون في مكان نائي عبر فسبكوك وواتس اب وهاتف وجوال في دقيقة وثوان وكذلك نطلع على مايجري حول العالم بسرعة فائقة عبر الأعلام والصحف والمجلات والجرائد وما إلى ذلك ولذلك لو تحدث أية حادثة في ناحية من نواحي العالم فيتأثرسكان العالم كلهم بها بالإضافة إلى الاقتصاد العالمي وسياسته ومجتمعه لأننا نعيش في مثل القرية الواحدة إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى.

هذه الاكتشافات العلمية الهائلة فتحت آفاق التبادل الثقافي والحضاري والعلمي بين سكان العالم وانفتح شباك التجارة والاقتصاد بين الدول والقارات وظهرت نظرية السوق الحر والمصرف العالمي والتجارة العالمية على المستوى العالمي التي تتأثر بالمد والجزر في القتصاد العالمي بين الحين والآخروهذه النظرية تدفع عجلة الاقتصاد العالمي إلى الأمام وتخدم لتنمية الموار البشرية وتتصدى لفلاح الإنسانية ، بسبب ذلك اتسعت دائرة اللغة ومست الحاجة الماسة إلى اللغة التعددية للتعبير عن هذا التبادل الثقافي والحضاري والتجاري والعلمي ولفهم روائع الحضارات والثقافات المتعددة التي تحمل في طياتها التنوع الهائل والاختلاف الشديد من بينها . استطيع كمواطن عالمي في ظل العولمة والعلوم والتكنولوجيا أن أفهم الناس بشكل أفضل على حقيقتهم والعادات والثقافات بطريق التعدد اللغوي واطلع على روائع هذا التنوع وجماله واللغة لا تمنح الفرصة السانحة للتعرف فقط على التواصل مع البعض البعض بل الفرصة للتعارف على أناس أكثرفأكثر وفهم عاداتهم وثقافتهم بطريق أفضل وأروع والترابط بين الأشخاص لفهم ميزاتهم وهويتهم في مرآة حياتهم وأن نتقبل الثقافات والحضارات التي تختلف عنا ولم نال جهدا في فهمها بل نتخذ جميع الأدات لتواصل والترابط معها وأن نخلق عالما فيه تتعايش و تتطور جميع اللغات والثقافات و في الحقيقة هذه  التعددية اللغوية قامت بدور رائد مجيد في ترجمة الكتب العلمية والدينية والفلسفية من اللغات المختلفة إلى اللغات المتعددة وأدت دورا فعالا في إثراء المآثر الأدبية والذخائر العلمية الدفينة وقضت على اشتباكات اللغات بين الثقافات وافتخار بلغة دون لغة واحتقار بثقافة دون ثقافة  ومحت سوء الفهم بين الناس والنظرية الخاطئة وعرفت بالأفكار والنظريات والفلسفات المتعددة بين البشرالتي لم يطلع عليها العالم وأقامت علاقة وطيدة بين الحضارات والثقافات لفهم بعضها البعض .

تستطيع نظرية المواطنية العالمية أن تساير مسيرة العولمة وتتفق مع طبيعة الركب الإنساني الجديد في وقت حينما كانت الدنيا كلها قرية واحدة وسكانها كأفراد الأسرة الواحدة يتعايش فيها الأمم والشعوب والطبقات والأعراق ذات الثقافات المختلفة واللغات المتعددة ذات اللهجات والأساليب التي تعهدت بالحفاظ على التنوع والاختلاف والتي تمنح فرصة سانحة لجميع سكان العالم أن يتمتعوا بها التي دائما تبعث سكان العالم على الحفاظ على هذه التنوعات واللغات المتعددة واللهجات المختلفة وتعلمها للتعارف والتفاهم هذه الأبعاد فيها والقضاء على التمييزالعنصري والعرقي والتمييز بين الرجال والنساء والفقر والجوع والمرض والفساد والظلم والجور ومحوالأمية وتهريب الأطفال والنساء والعمال وإزالة الاشتباكات والصدامات وصيانة العالم من التغيير المناخي والاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض والبيئة من الغازات السامة والإشعاعات النووية مع أن تتقدم عجلة التقدم العلمي والرقي والرفاهية والزدهار لمصالح الإنسانية إلى الأمام لكي تعيش الإنسانية كلها في ظل السعادة والأمن والسلام والحب والوئام.

المجتمع الهندي في ضوء اللغات المتعددة:

تميزت الهند عن جميع البلدان في العالم بتنوعها الثقافي والحضاري واللغوي والديني وبما أنها احتضنت جميع الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب في مهدها كالهندوسية والإسلام والبوذية والجينية والسيخية والمسيحية واليهودية التي ترعرت في ظلالها الوارفة وتتمتع اللغات المتعددة التي ينطق بها أبناء الهند بضمان الدستور الهندي للحفاظ عليها والرعاية بها رعاية كاملة وتوفير الفرص لنموها وازدهارها .

وحسب الاحصائيات الرسمية لعام 2001م أن اللغات ذات الأهمية في الهند هي مئة واثنان وعشرون لغة التي تنطق بأوسع نطاق فضلا عن ألف وخمس مئة وتسع وتسعين لغة التي ينطق بها عدد قليل من الناس في البلد ولا يفهمها إلا القليلون ولكنها موجودة من الزمان القديمة إلى يومنا هذا وحافظ الناس على ميزاتها ولهجاتها وآدابها من نوائب الدهر ومع ذلك هي تنمو وتزدهر وتتوسع دائرتها وتتقدم إلى الأمام وسجلت اسمها في سجل التاريخ وتعززالثقافات المختلفة يوما بيوم جذورالتعايش وتعارف البعض على البعض في البلد حتى أصبحت الهند علامة التسامح الديني واللغوي والثقافي في هذا العالم الواسع الرحيب ومثالا لتعايش الأديان والمذاهب والثقافات ولو كانت الحاجة ماسة إلى تعزيزها بأكثر كثير في المستقبل.

خلاصة القول:

في ضوء ما قدمنا في السطورالسابقة حول المواطنية العالمية وفهم الثفافة ودور التعدد اللغوي في زمن العولمة والعلوم والتكنولوجيا  يتجلى واضحا جليا منها أن العصر الذي فيه نعيش يوجد فيه التنوع الهائل مترامي الطراف والجوانب سواء في اللغات والثقافات واللهجات والعادات أو في أساليب الحياة ومناهج العيش أو في المأكل والمشرب واللباس وماإلى ذلك فكيف كمواطني عالمي نستطيع أن نحافظ على هذا التنوع اللغوي والثقافي بالإضافة إلى الحفاظ على حرية التعبير والفكر والانسجام العالمي ومصالح الإنسانية  فكيف نستطيع أن نتمكن من القضاء على  الصدامات بين الثقافات والاشتباكات بين الفئات والفقروالجوع بين الشعوب والتمييزات بين الأمم فكيف نستطيع أن نصون العالم من البيئات الفاسدة والتغيير المناخي والاحتباس الحراري والتلويث بالماء والهواء حتى نعيش في ظل الرفاهية والأمن والسلام والحب والوئام ونتمتع بالهواءالطلق ونتقدم إلى التنمية المستدامة وتكون هذه الكرة مثل الجنة التي لا فيها إلا السلام .

____________

الكاتب: جاويدأختر الندوي، الباحث في جامعة جواهر لعل نهرو

 

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018