حياة حضرة مولنا نور محمد السندي السجاولي وخدماته العلمية

قررت اللجنة الإدارية أن تزيد الرواتب للأساتذة، فقال لها مولنا نورمحمد: لماذا تزيد راتبي، وأنا لست بحاجة إلى مبلغ إضافي، وذلك لأنني أنا وابني نحن نتقاضى راتبا يغطي حاجاتنا، ولم يكن علينا دين من أية جهة، فلذا لا أحتاج إلى زيادة شيء في راتبي.

     الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه وأهل بيته أجمعين، أما بعد:

     إن صفحات تاريخ سند مملوءة من العباقرة الأفذاذ، والأعلام الكبار الذين خلفوا آثارا كثيرة لاتزال ماثلة في حياة الأمة الإسلامية الباكستانية، فمن هؤلاء الأعلام، العباقرة في منطقة "سجاول" الشيخ حضرة مولنا نور محمد السجاولي – رحمه الله رحمة واسعة- فإنه قد قضى حياته في الجهود الدعوية لإصلاح المجتمع في شبه القارة الهندية، ولا سيما في داخل السند، فشخصيته كانت تحمل صفات تجعل الإنسان يحتل مكانا مرموقا، وينال درجة سامية عند الله وعند الناس. ولقد أصبحت شخصيته معروفة  كل المعرفة في شبه القارة الهندية، ولا سيما في داخل السند، لكنها كانت غامضة ولم تعرف بعد في العالم العربي لدى أصحاب اللغة العربية، ولم يكن لدى الناطقين بالعربية إلمام حوله، فمسكت قلما جاهدا أن أدرس حياته في مقالة مستقلة باللغة العربية تحيط بمختلف جوانبها، وتبرز أهم خصائصها، ومميزاتها.

اسمه:

     اسمه الكامل، نور محمد بن حافظ عمر بن دوست محمد، من قبيلة "رات" الحداد.([1])

     كان أبوه حافظ القرآن الكريم، ولقد حفظه في مدرسة "دار الرشاد" التي تقع في قرية "بير جهندا" ولقد بايع السيد رشد الله شاه –رحمه الله رحمة واسعة- وكان جده قد بايع  السيد رشيد الدين (المتوفى 1375هـ).

وكان وطنه الأصلي قرية، اسمها  " واهور"، فالناس قديما كانوا ينتقلون من مكان إلى مكان آخر بسبب القحط، فانتقل آباؤه وأجداده إلى قرية "خالصة" وهي قريبة من سجاول، فولد في هذه القرية سنة 1332 الهجري الموافق سنة 1913 الميلادي، وكان مولده قبل استقلال باكستان في عهد انجليز.

بعد بضع سنوات انتقل آباؤه إلى موطنه الأصلي، ثم عام 1342 الهجري رجعوا جميعا مرة ثانية لأجل القحط إلى مدينة "سجاول" من مديرية تته من بلاد السند باكستان حاليا فهذه المرة بعد نهاية القحط كلهم رجعوا إلا أباه فإنه قد استوطن مدينة "سجاول" لأجل العمل، ولأجل دراسة ابنه .

وكان لأبيه "حافظ عمر" علاقة وثيقة مع السيد عبد الرحيم -رحمه الله رحمة واسعة- الذي قد أسس حجر الأساس لمدرسة " هاشمية" عام 1339هــ وكان حافظ عمر  يصلي فيها كل رمضان  التراويح، فكان أول حداد في مدينة سجاول" ثم السيد عبدالرحيم قد عينه كمدرس في مدرسته عام 1345هــ، فعرض فيها خدماته الدينية قرابة ثلاث وثلثين سنة.

نشأته ودراسته:

     نشأ الشيخ المكرم في بيت متدين، وكان والده حافظ القرآن الكريم، فبدأ يحفظ القرآن الكريم عند أبيه، لكن انقطعت هذه السلسة بسبب تراكم الأمور العائلية، ثم بدأ من جديد عند ما استوطن مدينة سجاول.

     فحفظ القرآن الكريم عند مولنا محمد وتعلم الفارسية من مولنا محمد بنوي ومولنا محمد يعقوب ميمن، ثم بدأ العلوم العربية عام 1347هـ فمن إرشاد الصرف إلى نور الأنوار درس عند مولنا محمد يعقوب، ومختصر المعاني وقطبي درس عند مولنا فتح علي، أما الكتب العليا فقد درسها عند مولنا محمد نور، ومولنا شمس الحق الأفغاني.

رحلاته للدراسة:

     ولم يكتف بالمكث في السند للعلوم، بل سافر عدة رحلات بصدد هذا، فسافر إلى مدينة وزير آباد" التي هي إحدى مدن إقليم بنجاب، ودرس هناك ميرزاده، قاضي مبارك، أمورعامة، عند مولنا محمد خليل ، ثم رحل إلى منقطة "اجره" التي تقع في مدينة لاهور، درس هناك ملا حسن ومطول  وحسامي عند مهر محمد.

ثم سافر إلى "دابيل" ودرس هناك جلالين، المشكاة، والكتب الأخرى عند مولنا عبدالرحمن أمروهي،  أما التفسير وعلم التفسير فقد درس عند مولنا عبيد الله السندي -رحمه الله رحمة واسعة- في مدرسة دار الرشاد" التي تقع في قرية بير جهندو.

     وكانت رغبته أنه يسافر إلى دارالعلوم ديوبند، كي يتلمذ على  الشيخ حسين أحمدالمدني –رحمه الله رحمة واسعة- لكنها لم تنفذ بعد، وكان يتأسف عليه دوما، وكان يقول: " بعد "دابيل" كنت أشتاق بالذهاب إلى دارالعلوم ديوبند كي أدرس عند الشيخ حسين المدني -رحمه الله رحمة واسعة- لكن بعد وصولي إلى القرية قد عُيِّنْتُ كمدرس، فلذا لم أتلمذ على الشيخ حسين أحمد المدني، وأنا دام إلى يومنا هذا.

أساتذته:

     تلمذ الشيخ نور محمد على العلماء الأجلاء في بلده، منهم:

  • مولنا عبيد الله السندي.
  • مولنا شمس الحق الأفغاني.
  • مولنا محمد نور ميانوالي.
  • مولنا محمد يعقوب ميمن السجاولي.
  • مولنا محمد خليل وزير آباد.
  • مولنا محمد عثمان كتي (المتوفى1940م)
  • مولانا فتح علي جتوئي (المتوفى 1355هـ).
  • مولانا محمد ميمن البنوي (المولد 1903).

تدريسه وتلامذته

لقد خدم في مجال التدريس ثلاثا وخمسين سنة، فمن عام 1357الهجري إلى 1368 الهجري عرض خدماته  التدريسية في مدرسة " دارالفيوض الهاشمية " التي تقع في مدينة سجاول، ومن 1369هــ إلى 1372 الهجري درس في مدرسة مولنا محمد خان نوحاني، التي تقع قرب مدينة "دكهري"([2]) ومن عام 1372هـ إلى 1400هــ درس في مدرسة دارالفيوض الهاشمية".

     تلامذته كثر،  لكني أذكر هاهنا أشهرهم:

 فمن تلامذته الشهيرة مولنا عبدالرحمن سومرو، مولنا عبدالغفور القاسمي السجاولي، مولنا محمد إبراهيم، مولنا محمد إسماعيل البنهور،  مولنا محمد يعقوب نظاماني، مولنا قائم الدين اوتو، مولنا محمد سومرو، مولنا محمد صالح (الابن)  السيد عبدالله شاه البخاري السكهروي، مولنا عبدالغفور المكي، مولنا حبيب الله التتوي، مولنا عبدالقيوم، مولانا عبدالرحمن السومرو، المفتي نذير أحمد العمراني، مولنا محمد عمر ، مولنا عبدالصمد، مولنا خدا بخش، مولنا السيد حسين شاه السجاولي.

أقرانه

     قد أكرمه الله تعالى من المواهب والصلاحيات التي جعلته يتفوق على أقرانه وزملائه في كل فن من الفنون، فقد وهبه الله سبحانه وتعالى لسانا طلقا، وأسلوبا رشيقا، وملكة قوية، وقد أحسن -رحمه الله تعالى- في استخدام هذه المواهب الربانية في الدفاع عن حياض الشريعة الغراء، والذب عن شريعة الله الخالدة.

فمن أقرانه حاجي أحمد الملاح، مولنا خوش محمد الميروخاني، مولنا عبدالحق الرباني (المتوفى 1983) ، مولنا عزيز الله الساند (المتوفى 1966) العلامة الدكتور عمرالدين دائو بوتو، سيد غلام مرتضى الشاه السنائي، مولنا محمد اسماعيل لغاري، مولنا عبدالكريم لغاري، الحاج رحيم بخش "قمر" (المتوفى 1993م) حضرة حماد الله الهاليجوي (المتوفى 1962م) مولنا عزيز جروار، مولنا عبدالله الكدهري (المتوفى 1964م)، مولنا عبدالله المري ، المفتي على محمد المهيري (المتوفى 1367م) مولنا علي محمد كاكيبوتو، شيخ الحديث قطب الدين اندر، مولوي حاجي محمود الميمن (الخطيب السابق في مسجد جامع في مدينة السجاول) محمد خان مجيدي الشاعر، مولوي محمد هارون الجونيجو، مولوي عبدالله بن خضر الميمن السجاولي، مولوي نور محمد الميمن، مولوي محمد عمر ، مولانا عبدالله الميمن، السجاولي، السيد غلام مصطفى (شيخ الجامع السنده جامشور).

جهوده السياسية

      كان مولنا نور محمد السجاولي – رحمه الله رحمة واسعة- عضوا من أعضاء حزب جميعة علماء باكستان،  ولقد ساهم في حركة التحرير، ولما بدأ الناس كانوا يؤدون  مراسم الحج في "لواري"([3]) فقام العلماء الأجلاء من  السند ضدهم، وكوّنوا لجنة " مجلس تحفظ حرمة حج"  وكان مولانا عضوا من أعضائها.

     ولقد رشح نفسه للانتخابات عام 1977م من التته" وعانى ما عانى من الصعوبات والمشاكل آنذاك.

      يقول رسول بخش التميمي في كتابه: " إن ضياء الحق  الذي كان رئيس البلد آنذاك، عند ما جاء إلى مدينة  "تته"، فسأل هل هناك ولي من أولياء الله، فإذا كان هناك أحد فأتوا به حتى أتشرف بزيارته،  فمولنا عبدالله كان حاضرا في مجلسه، فصفق يده على صدره، قائلا في نفسه: نعم، عندنا أحد أولياء الله تعالى، فذهب إلى مولنا نور محمد لمناداته، فقال له: يا مولنا رئيس البلد ضياء الحق يطلبك في مجلسه.

     فسأله مولنا نور محمد، لما ذا يطلبني، هل رفع أحد الشكوى ضدي أنا، فقال عبدالله : لا، كلا، بل إنه يرغب بزيارتك.

     فقال: إذن ينبغي له أن يتشرف بقدومه إليَّ لزيارتي، أما نحن الفقراء فلا نذهب إلى أي باب غير باب الله سبحانه وتعالى للزيارة.

     كان المفتي محمود يثق به، فعينه رئيسا في إقليم السند على حزب جميعة علماء باكستان.

البيعة

     كما ذكرت سالفا أن مولنا نور محمد كان متمنيا بالذهاب إلى دار العلوم ديوبند ليتلمذ على الشيخ مولنا حسين أحمد المدني -رحمه الله رحمة واسعة- لكنه لم يتمكن من الذهاب، فأمل على الأقل أن يبايعه على يده، فسافر عام 1374هـ إلى ديوبند، وعرض نفسه على الشيخ حسين أحمد المدني، وبايعه ثم قضى عشرة أيام من الشعبان وشهر رمضان الكامل عنده.

     بعد وفاة الشيخ حسين أحمد المدني رجع إلى أحد خلفائه، مولنا خورشيد الساكن في بنجاب، وعرض نفسه للمبايعة، لكنه أبى قائلا: إن مبايعتك على يد الشيخ حسين أحمد المدني يكفيك، فلا تحتاج إلى أن تبايعني على يدي.

خدماته الدينية

     لقد أنشأ عدة مدارس دينية في داخل السند، وتم تعيينه كمدير على عدة مدارس أيضا، وفي زمنه بعد محاولته لقد تم إنشاء لجنة باسم " لجنة إصلاح المدارس" وكان ريئس تلك اللجنة، ومدير أعماله كان مولانا غلام محمد سومرو.

     لقد سجلت رسميا في تلك اللجنة عدةُ مدارس دينية، منها: مدرسة باب الإسلام، مدرسة دارالفيوض الهاشمية سجاول، مدرسة مدينة العلوم ميربور خاص، مدرسة مدينة العلوم بيندو، مدرسة باب مدينة العلوم جنهان سومرو، مدرسة دارالقرآن تندو غلام علي، مدرسة باب دارالفيوض تند باكو، مدرسة دارالفيوض القاسمية دري موري، مدرسة بدر العلوم بدين، مدرسة أنوار العلوم كدن، مدرسة دارالعلوم محمديه كنري،  مدرسة عربية يعقوبية بلري شاه كريم،  مدرسة بدرالعلوم ملاكاتيار.

إخلاصه وسذاجته

     كان ذا خلق حسنة، ويقول عزيز الجعفراني عن خلقه: كان حليما ذا وقار، ولأجل أخلاقه الحسنة وشخصيته الشهيرة  بدأ الناس يتأثرون به ".

كان مدرسا في مدرسة دارالفيوض الهاشمية، فمرة قررت اللجنة الإدارية أن تزيد الرواتب للأساتذة، فقال لها مولنا نورمحمد: لماذا تزيد راتبي، وأنا لست بحاجة إلى مبلغ إضافي، وذلك لأنني أنا وابني نحن نتقاضى راتبا يغطي حاجاتنا، ولم يكن علينا دين من أية جهة، فلذا لا أحتاج إلى زيادة شيء في راتبي.

كان مشفقا على طلبة العلم، وكان ينفق عليهم كل ما يستلم الهدايا من معارفيه.

الوصية

     قد كتب مولانا نور محمد السجاولي وصية لابنه في أيامه الأخيرة من حياته، فكانت محتوية على عدة نقاط، فأحببت أن أذكر بعض النقاط منها:

1 – بدلاتي كلها لابني مولنا محمد صالح، فإن أحب أن يرسل بعضها إلى المدرسة فله ذلك.

2 – لدي كتب المدرسة المستعارة من قبل الإدارة، فليرجعها إلى المدرسة.

3 – لم يكن عليَّ دين من أية جهة معينة، لكن من باب الاحتياط فليسأل  أصحاب الحوانيت، ولا سيما حاجي عمر.

4 – كفني يكون موافقا للسنة، دون الإسراف .....

5 – ليكن قبري إلى جانب قدمي مخدوم محمد هاشم التتوي في مقبر مكلي.

6 – ممكن أنني كلمت أساتذة المدرسة كلاما شديدا، فيرجى منهم العفو.

7 – من له دين علي من الأساتذة والطلبة فليأخذه من ابني محمد صالح، أو يعفو عني.

8 – أنصح الأقرباء والأصدقاء  بالحفاظ على الصلوات والصيام.

9 – علي صيام  شهر وثلاثة عشر يوما، فابني محمد صالح يفديه.

وفاته ومدفنه

     لقد رحل من هذه الدنيا إلى الآخرة 24 ذي القعدة 1410 الهجري الموافق 18 يونيو 1990 الميلادي يوم الإثنين، ولقد صلى عليه جنازة ابنه مولنا محمد صالح، ودفن في مقبر "مصري شاه" الذي يقع  في مدينة سجاول،.

     أولاده

كان له خمسة أبناء من الأولاد وست بنات، ولم يبق من الأولاد إلا ابن  (مولنا محمد صالح) وبنت. أما الأولاد الأخرى توفيت رحمهم الله رحمة واسعة في حياته .

 


 ([1] ) أبوه كان يمل في مدينة سجاول عمل الحداد، فلذا بدأ الناس يلقبونه بـ "الحداد".

([2] )  هي مدينة من مديرية ميربور خاص من بلاد السند باكستان حاليا.

([3] )  هي اسم قرية من قرى سند، فمرة  بدأ النارس كانوا يؤدون مراسم الحج كمراسم الحج في المكة والمدينة.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018