الحمد لله العلي العالي
الحمد لله العلي العالي
ذي المجد والجلال والإفضال
ثم الصلاة والسلام السامي
على النبي المصطفى التهامي
وآله الأئمة الأطهار
ما اختلف الليل مع النهار
يقول راجي العفو يوم الدين
المذنب الجاني بهاء الدين
تجاوز الرحمن عن ذنوبه
وأسدل الستر على عيوبه
بليت في قزوين وقتاً برمد
مقرح للقلب من فرط الكمد
يمنع من صرف النهار فيما
يرضي اللبيب الحاذق الفهيما
من بحث أو تلاوة أو ذكر
أو درس أو عبادة أو فكر
حتى سئمت من لزوم منزلي
والنفس عن أشغالها بمعزل
ولم يكن من عادتي البطالة
لأنها من شيم الجهالة
فرمت شيئاً مشغلاً لبالي
عما أقاسيه من البلبال
فلم أجد أبهى من الأشعار
وليس نظم الشعر من شعاري
وكنت في فكر بأي وادي
ألقي جياد الفكر في الطراد
فبينما الأمر كذا إذ سألا
مني بعض الأصدقاء الفضلاء
أن أصف الهراة في أبيات
جامعة للنشر والشتات
معربة عنها على الحقيقة
مطربة لكل ذي سليقة
فقلت والجفن بأدمعي سخي
على الخبير قد سقطت يا أخي
ثم نظمت هذه الأرجوزة
بديعة رائقة وجيزة
قضيت في نظمي لها نهاري
كا يقضي الليل بالأسمار
سميتها إذ كملت بالزاهرة
فهاكها مائة بيت فاخرة
إن الهراة بلدة لطيفة
بديعة شائقة شريفة
أنيقة أنيسة بديعة
رشيقة نفيسة منيعة
خندقها متصل بالماء
وسورها سام إلى السماء
ذات فضاء يشرح الصدورا
ويورث النشاط والسرورا
حوت من المحاسن الجليلة
والصور البديعة الجميلة
ما ليس في بقية الأمصار
ولم يكن في سالف الأعصار
لست ترى في أهلها سقيما
طوبى لمن كان بها مقيما
ما مثلها في الماء والهواء
كلا ولا الأثمار والنساء
كذلك الباغات والمدارس
فما لهن فيهن من مجانس
هواؤها من الوباء جنة
كأنه من نفحات الجنة
فيبسط الروح وينفي الكربا
ويشرح الصدر ويشفي القلبا
لا عاصف منه تمل الحرة
ولا بطيء السير فرد مره
بل وسط يهب باعتدل
كغادة ترف في أذيال
فمن رماه الدهر بالإفلاس
حتى عن المسكين واللباس
فلا يصاحب بلدة سواها
لأنه يكفيه في هواها
جبيبة واحدة في القر
شربته باردة في الحر
فهذه في حرها تكفيه
وتلك عند بردها تكفيه
لو قيل إن الماء في الهراة
يعدل ماء النيل والفرات
لم يك ذاك القول بالبعيد
فكم على ذلك من شهيد!؟
تراه في الأنهار جارٍ صافي
كأنه لآلئ الأصداف
لا يحجب الناظر عن قراره
بل يطلعنه على أسراره
تظن غور عمقه شبرين
من الصفا وهو على رمحين
خفيف وزن رائق الأوصاف
ما مثله مآء بلا خلاف
يهضم ما صادف من طعام
كأنما أكلته من عام
نساؤها مثل ظباء النافرة
ذوات ألحاظ مراض ساحرة
يسلبن حلم الناسك الأواه
يسلمن جسمه إلى الدواهي
من كل خود عذبة الألفاظ
تقتل من تشاء بالألحاظ
أضيق من عيش اللبيب ثغرها
أضعف من حال الأديب خصرها
فاتكة قد شهدت خداها
بما بنا تفعله عيناها
ترنو بطرف ناعس فتاك
يفسد دين الزاهد النساك
والصدغ واو ليس واو العطف
والثدي رمان عزيز القطف
والجسم في رقته كالماء
والقلب مثل صخرة صماء
ولفظها وثغرها والردف
سحر حلال أقحوان حقف
وقدها ونهدها والخد
غصن ورمان طري ورد
والشعر والرضاب والأجفان
صوارم مدامة ثعبان
غيد حميدات خصالهن
طوبى لمن نال وصالهن
ثمارها في غاية اللطافة
لا ضرر فيها ولا مخافة
عديمة القشور عند الحس
تكاد أن تذوب حال اللمس
تخال في أغصانها الدواني
أشربة الحسن بلا أواني
مع أنها بهذه الكيفية
رخيصة عندهم زرية
يطرحها البقال فوق الحصر
حتى إذا ما جاء وقت العصر
وقد بقي شيء من الثمار
يطرحه في معلف الحمار
ولست محصياً لوصف العنب
فإنه قد نال أعلى الرطب
أدق من فكر اللبيب بزره
أرق من قلب الغريب قشره
أبيضه في لطفه والطول
يحكي بنان غادة عطبول
أحمره أشهى إلى القلب الصدي
من لثم خد ناصع مورد
أسوده أبهى لدى الظريف
من غمز طرف ناعس ضعيف
أصنافه كثيرة في العد
ليس لها في حسنها من حد
فمنه فخري وطائفي
وكشمشي ثم صاحبي
وغيرها من ساير الأقسام
فوق الثمانين بلا كلام
مع هذه الأوصاف والمعاني
في أرخص الأسعار والأثمان
ترى الذي ما مثله في الفقر
يبتاع منه الوقر بعد الوقر
وربما يعلفه الحميرا
إن لم يصادف عنده شعيرا
بطيخها من حسنه يحير
في وصفه ذو الفطنة الخبير
جميعه حلو بغير حد
أحلى من الوصال بعد الصد
مهما يقول الواصفون فيه
نزر فإنه بلا تمويه
يباع بالبخس القليل النزر
لأنه واف بغير حصر
يأتي به المرء من الصحاري
فلا يفي بأجرة المكاري
وما بنى فيها من المدارس
ليس لها في الحسن من مجانس
أشهرها مدرسة الميرزآء
مدرسة رفيعة البنآء
رشيقة رائقة مكينة
كأنها في سعة مدينة
في غاية الزينة والسداد
عديمة النظير في البلاد
بالذهب الأحمر قد تزخرفت
كأنها جنة عدن أزلفت
في صحنها نهر لطيف جاري
مرصف جنباه بالأحجار
في وسطها بيت لطيف مبني
كأنها بعض بيوت عدن
من الرخام كله مبني
كأنما صانعه جني
وكلما يقوله النبيل
في وصفها فإنه قليل
وبقعة تدعى بكازركاه
ليس لها في حسنها مباهي
هواؤها يحيي النفوس إذ بدا
وماؤها يجلو عن القلب الصدا
والسر في رياضها المطبوعة
كخرد أذيالها مرفوعة
فيها البساتين بغير حصر
يقصدها الإنسان بعد العصر
من كل صنف ذكر وأنثى
وحرة وأمة وخنثى
لا هم عندهم ولا نكاد
كأنهم قد حوسبوا وعادوا
تراهم كالخيل في الطراد
وكل شخص منهم ينادي
لا شيء في ذا اليوم غير جائز
إلا نكاح المرء للعجائز
يا حبذا أيامنا اللواتي
مضت لنا ونحن في الهراة
نسترق اللذات والأفراحا
ولا نمل الهزل والمزاحا
وعيشنا في ظلها رغيد
والدهر مسعف بما نريد
واها على العود إليها واها
فما يطيب العيش في سواها
سقيت يا ليالي الوصال
بصوب غيث وابل هطال