أذي عبقر في الأرض أم هي باريس

أذي عبقر في الأرض أم هي باريس
زبانية سكانها أم فرنسيس
وهل ذي نساء في مواحلها ترى
وإلا فكل حين تخطر جاموس
وهل ذا شرار يجلب الهمّ في الدجى
إلى البال إن نبصر به أم نباريس
وهل زفرة الدنيا ترى في هوادج
تمر كعير ظالع أم مطافيس
نعم إنها مأوى الجحيم وشاهدي
شقيون في ساحاتها ومناحيس
وفسق وعليون فيها فواجر
على سرر مرصوعة وتناجيس
وأكل من زقوم يخبث طعمه
وشرب من الغسْلين يسقيه إبليس
وأعمدة تلقي الشياطين عندها
كان لها فوق الخبائث تأسيس
شقاء لمن منها تبوأ منزلاً
وتعسا لمن فيها له تاح تعريس
إذا شدة أو كربة بك برّحت
بها فانأ عنها فهو للكرب تنفيس
وبرّز عليها أن يفتك مبرَّز
فبين المقامين اتحاد وتجنيس
وإن تك يوماً طامعاً في لُبانة
فرؤيتها يأس لما هو محدوس
بها ما يسوء العين من كل إربة
وما تجتوي نفس وما تكره التُوس
وفي ذكر ما فيها يسوء إساءة
تفوق على ما خفته وهو محسوس
هي المنهل المسموم حتف لظامئ
وللزائريها الشر أجمع مبجوس
هي الخوف من كل الخطوب فما على
غرير بها إلا المخاطر والبوس
نعم هي في عين الزمان قذًى فما
أتاها أمرؤ إلا ومنها غدا في سو
فما نعمة فيها خلت عن محسّد
ولا وطر إلا وقاناه تسجيس
وتبخس ذا حق من الناس حقه
فيا قبحها دارا بها الحق مبخوس
فلا روح منها يستبين لناصب
سوى هادم اللذات ما دونه طوس
عليها ظلام الكفر والظلم والخنى
ومنها أوار الفسق والفحش مقبوس
وعن مثلها ينضى الرشيد مطيّه
إذا كان يُلقى مثلها وتجي العيس
هو العيش فاغنم طيبه في سوائها
فإنك فيها ما أقمت لمنحوس
وإنك لا تلقى لها من مُشابه
برِجْسٍ ولو أمسى وراءك برجيس
وإنك فيها ضارب كرة المنى
بمحجن ياس تلوه الدهر تعبيس
وإنك منها مجتن ثمر الأسى
فإن بها أصل المحارم مغروس
إذا كان ثوب العزّ عندك معلَما
فمن نغص في عيشها هو مطلوس
فبت صابراً فيها وقم باكراً إلى
نعيم سواها لم تشبه وساويس
ولا ترغبن فيها ولو ليلة تكن
كمن شاقه بعد السعادة أنكيس
فدهرك في دار سواها مسالم
وقدرك مرفوع وشملك محروس
فآثر بها ليلاً على عمر بذي
على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس
ولا غرو أن تزداد في العمر حقبة
ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس
لقد كنت أخشى الحين في غير منشأي
فيا شقوتي فيها إذا أنا مرموس
وقد طالما حذّرت نفسي فسادها
فبت ولي أحلام سوء وكابوس
فألفيتها يربو على الوصف قبحها
فما ثمّ أشباه له ومقاييس
وفيها من القوم اللئام ثعالب
ولكنهم إن يؤدبوا أسد شوس
لقد فطورا طبعاً على الغدر والجفا
جميعاً فلا يغررك في ذاك تلبيس
لئن سَبقوا سبق الوجود فإنه
ليسبق جسماً ظله وهو مدعوس
لهم في بحور الشك موج وطالما
تغشّتهم منه ضلالا قواميس
فكم فيهم من مدّع صَلِف له
لتطريس آثار المعارف تطليس
إذا ما انجلت آفاق أمر فإنه
ليخفيه لفظ موجز منه مهموس
وكم فيهم من فاضل من فضوله
اعتدال قوام الدهر أحدب منكوس
يحاول لؤماً أن يميل به فلا
تعدّل في كلتا يديه قساطيس
وربّ عييّ لفظة فوق منبر
يسوء ولو بلّغته وهو معكوس
يشفّ خفيّ العيب عما يقوله
فيبصره من طرفه بعد مطموس
وكم فيهم من فاسق عاهر له
أنا الليل تجديف طويل وتنجيس
وكم طامع في الملك منهم سفاهة
كتائبه أقلامه والقراطيس
وكم من طفيلّي لكل وليمة
جريء له فيها احتناك وتضريس
حمام إذا زيْروا حياة إذا اجتدوا
أسود إذا لاسوا جبابرة هيس
إذا سألوا لانوا وإن سُئلوا قَسُوا
ويربون شحّا إن بغيرهم قيسوا
أولوا جشَع من دونه جشع الورى
وصيتهم في ذاك كالدهر قدموس
بشاشتهم للضيف في زعمهم قرى
وفي وعدهم ميْنُ ومطل وتبنيس
وإكرامهم مثوى الغريب سجية
إذا كان ذا زوج وبالزوج تأنيس
هجاؤهم يشدو به كل رائح
وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس
لقد جهلوا هذا اللسان وأهله
فما زال يخفى عنهم وهو مدروس
وقد لفقوا فيه أساطير جمّة
وشطّت لهم فيه شيوخ وتدريس
يعزّ الفتى بالعلم عند سواهم
وعندهم ليست تفيد الكراريس
فقل لذوي الدعوى المبارين منهم
لعمري مجاراة المجلّين تهويس
شعارهم حرّية وأخوّة
وتسوية لكن عدا ذاك ناموس
فلا فرق بين الدون والدون في القضا
وإرّيسهم في اليُسر والرفه أرّيس
ترى كل فرد عاتياً طاغياً له
مشاركة في الحكم مع إنهم خيسوا
وإن لهم من سيمياء وجوههم
دلائل منهم أن الشرّ مانوس
وأن لهم رزقاً حراماً رضوا به
فشأنهم إسفاف ما فيه تدنيس
فتحسب كلاّ حل ماخور ريبة
تحيته فيها سِلام وتلقيس
فما نظرت عيناي فيهم فاضلا
ولا من عن الآثام والرجس مرجوس
أراني كئيباً نادماً في جوارهم
ومن زار يوماً أرضهم فهو منحوس
وجدت على الأيام عتباً بعيشها
فقد أخبثته والبريةَ باريس
وقد كنت في مدحي لها قبلُ مخطئا
فهذا له كفارة وهو مركوس