أذي جنة في الأرض أم هي باريس
أذي جنة في الأرض أم هي باريس
ملائكة سكانها أم فرنسيس
وهل حُور عين في منازهها تُرَى
وإلا فكل حين تخطر بلقيس
وهل ذي نجوم ترجم الهمّ في الدجى
عن البال أن يخطر به أم نباريس
وهل زهرة الدنيا ترى في هوادج
تمر كبرق خاطف أم طواويس
نعم إنها خُلْد النعيم وشاهدي
رياض وحوض دافق وفراديس
ونهر وعليون فيها كواعب
على سرر مرفوعة وأعاريس
وفاكهة مع لحم طير ونضرة
وراح وريحان وروح وترغيس
وأعمدة تحبو السحائب دونها
كان لها فوق السماكين تأسيس
هنيئاً لمن منها تبؤَّأ منزلاً
وطوبى لمن فيها له تاح تعريس
إذا شدة أو كربة بك برحت
فحجّ إليها فهي للكرب تنفيس
فتونس منها وهي تونس غبطةً
فبين المقامين اتحاد وتجنيس
وإن تك يوماً قانطاً من لبانة
فرؤيتها أطلاب ما منه ميئوس
بها ما يقر العين من كل إربة
وما تشتهي نفس وما تألف التوس
وفي ذكر ما فيها تلذ لذاذة
تطيب بها عن غير وهو محسوس
هي المنهل المورود من كل ظامئ
وللزائريها الخير أجمع مبجوس
هي الأمن من جور الخطوب فما على
غرير بها ضيم يُحاذر أو بؤس
نعم هي من عين الزمان تميمة
فما أمِّها ذو عسرة وغدا في سو
فما نعمة فيها تشان مجاسد
ولا صفو لذات يقانيه تسجيس
ولا بخس ذي حق من الناس حقه
فيا حسن دار حيث لاحقَّ مبخوس
فلا ذام فيها يستبين لعائب
سوى هادم اللذات ما دونه طوس
عليها بهاء الملك والعز والعُلى
ومنها سخاء المجد والفخر مقبوس
إلى مثلها يُنضى الرشيد مطيّه
إذا كان يُلفى مثلها وتجي العيس
هو العيش فاغنم طيبه في ربوعها
فإنك فيها ما أقمت لمرغوس
وإنك منها لست يوماً بواجد
بديلاً ولو أمسى وراءك برجيس
وإنك فيها ضارب كُرَة الأسى بمحجن بشر ليس يتلوه تعبيس
وإنك منها مجتن ثمر المنى
فإن بها أصل الفوائد مغروس
إذا رثَّ ثوب العمر منك فإنّ من
قشيبِ حظاها ريقّ العيش ملبوس
فبِتْ آمناً فيها وقم باكراً إلى
مراتع لهو لم تشبهُ وساويس
ولا ترغبن عنها إلى غيرها تكن
كمن شاقه بعد السعادة أنكيس
آثر بها ليلاً على عام غيرها
على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس
ولا غرور أن تزداد في العمر حقبة
ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس
لقد كنت أخشى الحَين في غير منشأي
فقدْني بها بشرى إذا أنا مرموس
وقد طالما عللت نفسي برغدها
فبتّ ولي أحلام خير وتغليس
فألفيتها يربو على الوصف حسنها
فما ثمّ أشباه لها ومقاييس
وفيها من العزّ الكرام أعزّة
جحاجح ضرّابون يوم الوغى شوس
لقد فُطروا طبعاً على الودّ والوفا
جميعاً فما يعروهما عوض تلبيس
لئن سُبقوا سبْق الوجود فانه
لَيسبقُ جسماً ظله وهو مدعوس
لهم في سماء العلم شمس براعة
وفي الأدب الطامي العباب قواميس
فكم فيهم من عالم متقن له
لتطليس آثار المعارف تطريس
إذا أغطشت آفاق أمر فإنما
يجليّه لفظ موجز منه مهموس
وكم فيهم من فاضل ذي استقامة
تقيم قوام الدهر إذ هو منكوس
وتمسكه أن لا يجور كأنما
تُعدَّل في كلتا يديه قساطيس
وربَّ خطيب لفظة فوق منبر
يبين ولو بُلِّغْتَه وهو معكوس
يشف خفي الغيب عما يقوله
وقدرك مرفوع وشملك محروس
وكم فيهم من خيّرٍ صالح له
أنا الليل تسبيح طويل وتقديس
وكم فاتح منهم وما بارح الحمى
كتائبه أقلامه والقراطيس
وكم بينهم من ليث حرب إذا سطا
جريء له فيها احتناك وتضريس
حمام إذا هيجوا حياة إذا اتقوا
أسود إذا صالوا جبابرة هيس
إذا سمحوا لا نوا وإن حمِسوا قسوا
ويَرْبُون فضلاً أن بغيرهم قيسوا
أولو هّمة دانت لها هِمَم الورى
وفخرهم في ذاك كالدهر قدوموس
بشاشتهم للضيف خير من القِرَى
وما لقراهم لو تأخّر تبنيس
وأكرمهم مثوى الغريب سجية
فيغدوا أقناه أهل وتأنيس
مديحهم يشدو به كل رائح
وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس
لقد أكرموا هذا اللسان وأهله
فمازال يحظى عندهم وهو مدروس
وقد ألّفوا فيه تآليف جمّة
وجلّت لهم فيه شيوخ وتدريس
يعزّ الفتى بالمال عند سواهم
وعندهم تغنيك عنه الكراكيس
فقل لمباريهم تحدّوا لغيرهم
فإن مجاراة المجلّين تهويس
شِعارهم حرّية وأُخوَّة
وتسوية كلّ بذلك ناموس
فلا فرق بين الدون والدون في القضا
فيبصره من طرفه بعدُ مطموس
ترى كلَّ فرد منهم كيساً له
مشاركة في العلم والفضل ما كيسوا
وإن لهم من سيمياء وجوههم
دلائل أن الخير منهم مانوس
وأن لهم رزقاً كريماً رضوا به
فما هم مسفّى ما رب فيه تدنيس
فتحسب كلاّ حلّ صرْحا ممرّدا
تحيته فيه سلام وتقليس
فما نظرت عيناي فيهم صاغرا
ولا عن الخيرات والرشد مرجوس
أراني سعيداً محْبراً في جوارهم
ومن لم يزر هذا الحمى فهو منحوس
عفوت عن الأيام سالف ذنبها
فقد شفعت فيها وفي الناس باريس
فلا فرق في الدون والدون في القضا وأرّيسهم في الأمر والنهي أرَّيس