ومن اغتدى وكأنه من حسنه

ومن اغتدى وكأنه من حسنه
في كل عضو منه حُورٌ عِين
وإذا تنفَّس نائماً أو لاثماً
فكأنما يتنفس النِّسرين
أعليك في رمي القلوب وكَلْمها
نَذرٌ وفي منع الشفاء يمينُ
ظبيٌ كأن كناسه مما ترى
فيه دماءَ العاشقين عَرينُ
إني أعوذ بعدلك ابنَ محمدٍ
منه وأنت على الظَّلوم مُعين
يا من غدا والمشتري جَدٌّ له
والشمس رأيٌ والهلال جَبين
والحلمُ سمتٌ والعفاف طويَّةٌ
والبِر خِدنٌ والوفاء قرين
ومن استفاض بعدله وبفضله
حتى استوى الجبار والمسكين
ومن استجنَّ من الحوادث جارُه
فكأنه بعد الوِلاد جنين
مَشْتاه في كنفيك يا ابن محمد
مشتىً دفيء والمصيفُ كَنين
طاب الزمان له ورقَّ غليظُه
فكأن كلَّ شهوره تشرين
أقسمتُ ما وعد الرجاء بحاصل
إلا وجودُك بالوفاء ضمين
تبدو ووجهك ضاحكٌ مستبشر
عند السؤال وللبخيل أنين
عنوانُ معروفٍ يكون وراءه
بَدءٌ وعَوْد من جداك ثخين
فالبشرُ بالبدء الهنِيِّ مبشِّرٌ
والبدء بالعَود السنِيِّ رهين
لا زلتَ أفضلَ من يطيع إلهَه
ويطيعُه التعميرُ والتمكين
أشكو إليك معاشراً ولعوا بنا
لهمُ كمينٌ في الصدور دفين
جَدّوا بنا كالمازحين عَداوةً
والجدُّ في بعض المِزاح مُبين
فإذا ادّخرت لنا نصيبَ كرامةٍ
خَانوا وهانَ عليهمُ التخوين
غلبتْ على ألبابهم شهواتُهم
فأرتهمُ ما لا يزَينُ يزين
من كل أَفوه قد أُمِدَّ بمعدةٍ
حَرَّى يذوبُ لحرِّها الهِرْصين
والنابُ منه على الأمانة خنجر
والظّفر من أظفاره سكين
بطلُ الوقاحة لا الحياءِ كأنْ به
عن أن يخونَ أمانةً تهوين
يأبى مسالمةَ الأمانة مثله
أنى يسالمُ بطَّةً شاهين
إنا نُكاد ولا نَكيد عدوَّنا
ثقةً بكيد اللَّه وهو متين
إني أعيذك أن يراك مليكنا
ترضَى خيانتَهم وأنت أمين
فكِّر وقل لهُمُ مقالةَ صادقٍ
يحتجُّ عند مقاله ويُبين
يا من يُهَوِّن أن يخون أمانةً
أقسمتُ أن سَيُهينك التهوين
لا يصغرنَّ لديك قدرُ خطيئة
إن المحاسبَ سجنُه السّجين
ولعل ذا جهل يقول بجهله
إن المُعاتِبَ في الطفيف مَهين
وجوابُه نقدٌ لدينا حاضرٌ
وافٍ إذا نقص الجوابَ وَزين
قولا له إن كان يعقِلُ إننا
قومٌ بحُبّ المُنعمين ندين
من لا يَشحُّ على قليل نصيبِه
من برِّ سيده فذاك ظنين
إن المحبَّ بمن أحب وبالذي
يُسدَي إليه وإن أقلَّ ضنين
وأرى الكرامة حليةً ما أُخليت
مِن غَيْرةٍ فيها لها تحصين
تَلقى الفتى الغيران ينفِث دونها
قِطَع الحريق كأنه التنين
والغيرةُ الشيءُ الذي لم يُلْغه
إلا خَصِيُّ السوء والعِنّين
أو قلتُ قولاً لست أجهل أنه
فيه لصدرِ مُرجِّم تخشين
ولما أصبتُ به سوى مُتَعَرِّضٍ
وأخو العداء بما يَدينُ مَدين
فليرضَ بالتهجين أو فلينصرف
عما يكون جزاءَه التهجين
لا يحسن الظنَّ اللئيمُ بنفسه
فالغثُّ غثٌّ والسمين سمين
يا من عَطاياه لديه رخيصة
وثناءُ مادِحه لديه ثمين
وإذا اعتصمتُ بجوده فكأنما
غدتِ العواصم لي وقنَّسرين
فإذا التقى داعٍ له ومؤمّلٌ
سُمع الدعاءُ وشُفِّعَ التأمين
ستَبرُّني وتسرُّني وتثيبني
وأقول فيك ويُحفَظ التدوين
إنما يبكي شجيٌّ شَجَنَهْ
لا كما يبكي خليٌّ دِمنَهْ
أيها المأمون من نسيانه
أكذا أُنسى ولو غبت سنه
لا تكن مولىً هواه في الأذى
لم يزل بالعبد حتى فتنه
ثم خلّاه وأهدى قلبه
للتباريح وأنْضى بدنه
هل يُعافي العبدَ من محذورِهِ
أنَّ أخلاقك أضحت جُنَنَه
لم أكن قطُّ أرى أني أَرى
سَكناً مثلك ينسى سكنه
أيها المُهدي لقلبي ظِنناً
لا تدعْ قلبي يناجي ظننه
مع أن الغدر شيءٌ لم أَخلْ
أنَّ أخلاقك مَسَّتْ دَرَنه
بل أرى العبدَ الذي استَعبدته
ثم سلَّطتَ عليه حَزَنَه
هو عبدٌ تشتهي تَضميرَهُ
بالمجافاةِ وتَقلى سِمَنَه
شعفاً بالقدِّ يا من قدُّه
أضحت الأغصانُ تحكي غُصنه
أبقِ منه لا تدعه خائفاً
كلما هَزَّ نسيمٌ فَنَنَه
بل أَرى أنك لي مُمتحنٌ
فارحمِ العبد وخفِّف مِحنه
لن يُطيق الهجرَ عبدٌ نفسُهُ
بهوَى سيدِه مُمتَحَنَه
هَب لأسبوعٍ رسولاً واحداً
إن في ذاك لقلبي أَمَنَه