بانت سعاد وما أوفتك ما تعد
بانَتْ سعادُ وما أوْفَتْكَ ما تَعِدُ
فأنْتَ في إثرِها حرَّانُ مُعْتَمَدُ
أحْلى من الشَّهْدِ مَوْعُوداً وليسَ لها
مما تُعاطيك إلا البُخْلُ والبَعَدُ
قامَتْ تُريكَ أثِيثَ النَّبْتَ مُنْسَدِلاً
وماءَ عَيْنَيْنِ لم يأخُذْهُما الرَّمدُ
قد زيَّنَ اللَّهُ في قلبي مودَّتَها
تكادُ تَنْفَتُّ من وَجْدٍ بها الكَبِدُ
وَجْدِي بها وجدُ مِقْلاتٍ بواحِدِها
وليس يَلْقَى محبٌّ مثلَ ما أجِدُ
ترى البَنانَ به التَّطْريفُ مُخْتَضِباً
يكادُ من رِقَّةٍ واللِّينِ يَنْعَقِدُ
خَمْصانَةُ الكَشْحِ مُرْتَجٌّ روادفُها
مثلُ القناةِ فلا قَصْرٌ ولا أوَدُ
كأنَّ مِشْيَتَها والثِّقْلُ يَغْلِبُها
غُصْنٌ إذا حرَّكَتْهُ الرِّيحُ يطَّرِدُ
يا خيرَ حبٍّ إذا ما غابَ صاحبهُ
أزْرَى به عندَهُ الواشُونَ والحُسُدُ
لكلِّ ذلك منها أنتَ مُنْقَبِضٌ
حتّى متى يَعْتَرِيكَ الشَّوْقُ والكَمَدُ
سَلْ حيَّ تَغْلِبَ عن بَكْرٍ ووَقْعَتِهِمْ
بالحِنْوِ إذْ خَسِرُوا جَهْراً وما رَشَدُوا
إذ نحنُ حيَّانِ حلَّ النّاسُ بينهما
وقد جَهَدْنا لهُمْ بالجَمْعِ واجْتَهَدُوا
وحثَّ للرُّسْلِ منّا في مجالِسِهِمْ
ومنهمُ في جميعِ الحيِّ فارْتَعَدُوا
فأقْبَلوا بجناحَيْهِمْ يَلُفُّهُما
منَّا جَناحانِ عندَ الصُّبْحِ فاطَّرَدُوا
فأصْبَحُوا ثُمَّ صَفُّوا دونَ بِيضِهِمُ
وأبْرَقُوا ساعةً من بَعْدِ ما رَعَدُوا
وأيْقَنُوا أنَّ شَيْباناً وإخْوَتَهُمْ
قَيْساً وذُهْلاً وتَيْمَ اللاّتِ قدْ رَصَدُوا
ويشكُرٌ وبَنُو عِجْلٍ وإخْوَتُهُمْ
بَنو حَنِيفةَ لا يُحْصَى لَهُمْ عَدَدُ
إلَيْهِمُ وبأيديهِمْ مُهَنَّدَةٌ
مثلُ المخاريقِ تَفْرِي كُلَّ ما تَجِدُ
ثمّ التَقَيْنا ونارُ الحَرْبِ ساطعةٌ
وسَمْهَرِيُّ العَوالي بيننا قَصِدُ
نُسْقى ونسقِي حِمامَ الموتِ وارِدَهُ
حوضَ المَنايا ومِنْ أعراضهِ نَرِدُ
ثمَّ التقينا كِلا الحَيَّيْنِ مُحْتَضِرٌ
حرَّ السُّيوفِ ونَصْلاها إذا ركَدُوا
طَوْراً نُديرُ رَحانا ثم نَطْحَنُهُمْ
طَحْناً، وطَوراً نُلاقيهم فنجْتَلِدُ
إذا أقولُ تَخَلَّوْا عنْ هزيمتِهِم
كرُّوا علينا حُماةً كُلُّهُمْ حَرِدُ
حتى إذا الشمسُ دارت أمْعَنُوا هَرَباً
عنا وخلَّوا عن الأمْوالِ وانْجَرَدُوا
لا يلبَثُونَ عنِ الأوْلادِ تنْشُدُهُمْ
ولا النِّساءِ ولا يألُونَ ما بَعُدُوا
قد قرَّتِ العَيْنُ من عِمْران إذْ قُتِلَتْ
ومن عَدِيٍّ مع القَمْقامِ إذْ جُهِدُوا
ومنْ زُهَيْرٍ ومن غَنْمٍ وإخْوَتِها
ومن حُبيبٍ أصابوا الذُّلَّ فانْفردوا
ومِنْ بني الأوسِ إذ شُلَّتِ قَبِيلتُهُمْ
لا ينفعون ولا ضَرُّوا ولا حُمِدُوا
فرُّوا إلى النَّمْرِ منّا وهو عَمُّهُمُ
فما وفى النَّمْرُ إذْ طارُوا وَهُمْ مُدُدُ
وصادَفُوا جَمْعَنا نَفْري جماجِمَهُمْ
بالمَشْرَفِيَّةِ حتّى كُلُّهُمْ رَشَدُوا
صارُوا ثلاثةَ أثْلاثٍ فَثُلْثُهُمُ
أسْرَى تَنازَعُهُ الأغْلالُ والقِدَدُ
وثُلْثُهُمْ جَزَرٌ صَرْعَى تنوشُهُمُ
عُرْج الضِّباعِ وزُرْقُ الطَّيْرِ والفُهُدُ
وقد رفعنا عنِ الباقينَ رَحْمَهُمُ
عَفْواً غَفَرْنا وفَضْلاً إذْ هُمُ جُهِدُوا
إنَّا لنمنَعُ مَرْعانا وساحتنا
منَّا فلَسْنا لدى الهَيْجاءِ نُضْطَهَدُ
الطاعِنُونَ إذا ما الخيلُ شَمَّصها
وَقْعُ القنا وَهْيَ مِنْ وَقْعِ القنا حُرُدُ
الضاربون إذا ما حَوْمَةٌ كَلِبَتْ
فنحنُ فيها إذا جدَّ الوغى أُسُدُ
نحنُ الفوارسَ نَغْشَى الناسَ كُلَّهُمُ
ونَقْتلُ الناسَ حتى يُوحِشَ البَلَدُ
لقد صبحْنَاهُمُ بالبِيضِ صافيةً
عندَ اللّقاءِ وحرُّ الموتِ يَتَّقِدُ
وقد فَقَدْنا أناساً من أماثِلِنا
ومثلهمْ فكذاكَ القومُ قد فَقَدُوا
وقد جَزِعْتُمْ ولم تجْزَع غداتَئِذٍ
منّا النفوسُ ولمْ تخضعْ لِما نجِدُ
فاسْألْ بِجَيْشِكَ لما فُلَّ جَمْعُهُمُ
واسألْ بِهِمْ عند وَقْعِ الحربِ إذْ هَمَدُوا
وقد قتلناكُمُ في كلِّ مُعْتَرَك
حتى أوَيْتُم ولا يأوِي لكمْ أحد
حتى الرِّماحُ ظِماءٌ بعدما نَهِلَتْ
والحربُ منّا ومنكمْ وجهُهَا صَلِدُ
والخيلُ تعلمُ أنِّي من فوارِسِها
يوم الطِّعانِ وقلبُ النِّكْسِ يرتَعِدُ
وقد حلفتُ يميناً لا أُصالِحُكُمْ
ما دامَ منَّا ومنكُمْ في الملا أحَدُ
حتى نُبيدَكُمُ بالسَّيْفِ ثانيةً
ونُشْبِعَ الطَّيْرَ والذُّؤبانَ إذْ تَفِدُ
ونتركَ الأرضَ بالتَّامورِ ناجِعةً
منكُمْ سُيُولاً فلا يَذْهَبْ لها قَوَد
قُلْ للعَنَافِكِ في القومِ الأُولى قُتِلوا
والقولُ قولُكَ فينا الزُّورُ والفَنَدُ
والريحُ تضفي ذيولاً من عواصفها
على مقاعِصَ لم يُدْفَن لها جَسَدُ