قضيت عهد حداثتي
قَضَّيتُ عَهدَ حَداثَتي
ما بَينَ ذُلٍّ وَاِغتِراب
لَم يُغنِ عَنّي بَينَ مَش
رِقِها وَمَغرِبِها اِضطِراب
صَفِرَت يَدي فَحَوى لَها
رَأسي وَجَوفي وَالوِطاب
وَأَنا اِبنُ عَشرٍ لَيسَ في
طَوقي مُكافَحَةُ الصِعاب
لَم يَبقَ مِن أَهلي سِوى
ذِكرٍ تَناساهُ الصِحاب
أَمشي يُرَنِّحُني الأَسى
وَالبُؤسُ تَرنيحَ الشَراب
فَلَكَم ظَلِلتُ عَلى طَوىً
يَومي وَبِتُّ عَلى تَباب
وَالجوعُ فَرّاسٌ لَهُ
ظُفرٌ يَصولُ بِهِ وَناب
فَكَأَنَّهُ في مُهجَتي
نَصلٌ تَغَلغَلَ لِلنِصاب
وَلَكَم صَحِبتُ الأَبيَضَي
نِ فَأَبلَيا بُردَ الشَباب
فَإِذا ظَفِرتُ بِكِسرَةٍ
فَإِدامُها مِنّي لُعاب
وَعَلَيَّ طِمرٌ لَو هَفَت
ريحُ الشَمالِ بِهِ لَذاب
فَخُروقُهُ وَمَصائِبي
في العَدِّ يُخطِئُها الحِساب
ما زِلتُ أوسِعُ مِحنَتي
صَبراً وَأَحتَمِلُ العَذاب
حَتّى تَنَفَّسَ صُبحُ إِق
بالي وَنَجمُ النَحسِ غاب
وَلِكُلِّ سَيفٍ مُصلَتٍ
لِحَوادِثِ الدُنيا قِراب
وَالعَيشُ في إِقبالِهِ
شَهدٌ وَفي الإِدبارِ صاب
فَتَلَقَّفَتني فِتيَةٌ
رُحبُ الشَمائِلِ وَالجَناب
مَهَدوا لِأَنفُسِهِم بِما
صَنَعوهُ زُلفى وَاِحتِساب
وَعَدَوا إِلى الحُسنى كَما
تَعدو المُطَهَّمَةُ العِراب
كَم أُسرَةٍ ضاقَ الرَجا
ءُ بِها وَأَعياها الطِلاب
دَقّوا عَلَيها بابَها
وَاللَيلُ مَسدولُ النِقاب
وَتَعاهَدوها مِثلَما
يَتَعاهَدُ النَبتَ السَحاب
وَجَمالُ صُنعِ البِرِّ أَل
لا يُستَشَفَّ لَهُ حِجاب
فَتَحوا المَدارِسَ حِسبَةً
وَتَنَظَّروا حُسنَ المَآب
فيها تَبَيَّنتُ الهُدى
وَقَرَأتُ فاتِحَةَ الكِتاب
وَبِها صَدَفتُ عَنِ الضَلا
لَةِ وَاِهتَدَيتُ إِلى الصَواب
وَغَدَوتُ إِنساناً تُجَم
مِلُهُ الفَضائِلُ لا الثِياب
مُتَبَصِّراً ذا فِطنَةٍ
تَنفي القُشورَ عَنِ اللُباب
جَمعِيَّةٌ خَيرِيَّةٌ
قامَت لِتَخفيفِ المُصاب
قَد كانَ فيها عَبدُهُ
غَوثاً يُلَبّي مَن أَهاب
لَم يَدعُ مِسماحاً إِلى
إِنعاشِها إِلّا أَجاب
ما غابَ عَنها مَرَّةً
حَتّى تَغَيَّبَ في التُراب
وَلِعاصِمٍ أَثَرٌ بِها
باقٍ وَذِكرٌ مُستَطاب
قَد كانَ يَحميها كَما
تَحمي مَجاثِمَها العُقاب
ثَبَتَت وَكانَ ثَباتُها
يَدعو إِلى العَجَبِ العُجاب
وَالشَرقُ أَورَثَ أَهلَهُ
حُبَّ التَقَلُّبِ وَالخِلاب
فينا عَلى كَرَمِ الطِبا
عِ وَنُبلِها طَبعٌ يُعاب
داءُ التَواكُلِ وَهوَ في ال
عُمرانِ داعِيَةُ الخَراب
ثَبَتَت لِأَنَّ لَها إِلى
أَعتابِ مَولانا اِنتِساب
لَولا حُسَينٌ لَم تَدُم
إِلّا كَما دامَ الحَباب
اللَهُ أَدرَكَها بِهِ
بَحراً مَوارِدُهُ عِذاب
يا واهِبَ الآلافِ كَم
طَوَّقتَ بِالمِنَنِ الرِقاب
لَكَ ساحَةٌ عَلَوِيَّةٌ
ما أَمَّها أَمَلٌ وَخاب
مَهَّدتَ لِلأَخيارِ مَي
دانَ السِباقِ إِلى الثَواب
لا زِلتَ في القُطرَينِ مَح
روسَ الأَريكَةِ وَالرِكاب