هَمُّ الفَوارِسِ باتَ في أدْراعِهَا
لِغَداةِ نَجْدَتِها ويوْمِ قِراعِها
مِن كلّ سابِغَةِ الذّيولِ كأنّها
نِهْيٌ تُصَفِّقُهُ الرّياحُ بِقاعِها
سالتْ على العاري وهالتْ وانطوَتْ
لِيناً فكالَتْها الفتاةُ بصاعِها
آلِيّةٌ ليستْ تَغُرّ سِوى القَنا
والمُرْهَفاتِ بمَكْرِها وخِداعِها
وكأنّما رُعْبُ السّيولِ تَسَرَّعَتْ
فمَضَتْ وقَرَّ الصَّفْوُ من دَفّاعها
سَبْرِيَّةٌ في مَسّها بَحْرِيَّةٌ
بمياهِها شَمْسِيّةٌ بشُعاعِها
وتَخالُ أغراسَ المَنونِ أتَتْ بها
عندَ الحَوادثِ أُمّهاتُ رِباعِها
ويَرى ابنُ دَأْيَةَ أنَّها من غِرْقِئِ الطْ
طَيرِالعَكوفِ مُلوكِها وسِباعِها
جُمِعَت لَدَ الأوكارِمِثلَ عَقَائِقِ ال
أبْناء تجْمعُها ذَواتُ رَضاعها
أمْنُ الفَتى من عِندِ مَعْقِدِ زِرّهِ
حتى على القَدَمَيْنِ رَيْعُ وَساعها
بل تَحْسَبُ العَنقاءَ أوْ بِنْتاً لها
نَبَذَتْ بها في الوَكْنِ يوْمَ رِجاعها
وتَوَهَّمُ الشُّجْعانَ وافَتْ ضالةً
واستَخرجَتْ منها قميصَ شُجاعها
أطْمارَ صِلٍّ وَقَّرَتْهُ رَكَانَةٌ
أنْ يُزْدَهى بصَباً ولا زَعْزَاعِها
وُزِنَتْ بخالِصِ عَسجَد لا فِضّةٍ
حَقّاً لبائِعِها على مُبْتاعِها
خَلَعَتْ عليه أُمُّ عُثمانٍ ولم
تَبْخَلْ بحلّتِها ولا بقِناعِها
أخَذَتْ من المِرّيخِ وَقْدَةَ شِرّةٍ
إذْ ناسَبَتْ زُحَلاً ببَرْدِ طِباعِها
كانتْ زَمانَ الجاهِلِيّةِ عُدّةً
ليَغُوثِها ويَعُوقِها وسُواعها
غَبَرَتْ لتُبّعِ الهُمامِ ورأيُه
أنّ البقاءَ يَكونُ من أتْباعِها
ما عَزّتِ العُزّى بها ولوَ أنّها
لِلاتِ ما افتَقَرَتْ إلى أشياعها
لو خُلّيَتْ وذَنوبَ ماءٍ سائلٍ
في مِذْنَبٍ سَبَقَتْهُ من إسْراعِها
مَجّتْ على الأرضِ الغَزالَةُ ريقَها
فأقامَ بينَ وُهودِها وتِلاعِها
غَرّتْ قَطا مَرّانَ حتى عادَها
طَمَعاً وحَتْفُ النّفْسِ في أطماعها
لا يَخْلُبَنَّكَ بارِقٌ مُتَلَمِّعٌ
إنّ البُروقَ تَخونُ في تَلْماعِها
من ساعةِ الطوفانِ أو فيْضٍ طَغى
فعَلا قُرى سَبَإٍ مَوَالِدُ ساعِها
مَن قَيْنُها إنّا جَهِلْنا عَصْرَه
سُبْحانَ بارِئِ قَيْنِها وصَناعِها
ضاهى بها أُفُقَ السماء فما لها
لا تَسْتَقِلّ كطَرْفِها وذِراعِها
ماوِيّةٌ تَهْوي هُوِيّ الماءِ من
دَهْماءَ تُهْدي عَذْبَهُ لبِقاعها
ترْنو بأبْصارٍ سَواهِدَ لم تَذُقْ
طَعْماً لمَسْهَدِها ولا تَهْجاعها
غَرِقَ الدَّبَى في لُجّةٍ لو نَمْلَةٌ
درَجتْ بها لم يَنْدَ بعضُ كُراعها
تُلْفى لها ثِقَةُ الحَمائمِ أنها
في مَرْبَعٍ فتَهيجُ في تَسْجاعها
قَلَعِيّةٌ وكأنّ مَشْتى الأزْدِ في
أرضِ السَّراة سَخَا بها لقَلاعها
بَيضاءُ مِن مَطَرِ الشّتاء ولم نَقُلْ
مِن صَيّفٍ والقرُّ مِلْءُ لِفاعها
مَنَعَتْ بعزّةِ رَبّها ودِفاعِهِ
لَسْنا نَقول لعِزّها ودِفاعها
وتَحُلّ بالوادي الجديبِ كأنّها
مَيْثاءُ جَدَّ الغَيْثُ في إمْراعها
واستَوْدَعَ الحُكَماءُ فيها حِكْمَةً
قَدُمَتْ فخافوا مِن حُدوثِ ضَياعها
غَبَروا فأضْحتْ بالثّناءِ كَفيلةً
فمتى بَدَتْ أثْنَتْ على صُنَّاعها
ماذِيّةٌ أبَتِ الجوارسُ قُرْبَها
لكِنْ قَوارِسُ فُلّلَتْ بوِقاعها
ضَرَبِيّةٌ وكأنّما هيَ في الوَغى
ثِقَلٌ على الأسْيافِ عند مِصاعها
يَزَنِيّةُ الخِرْصانِ لا هُذَلِيّةُ ال
أخْراصِ يَغْدو سائرٌ بمَتاعها
مَرّتْ بيَثْرِبَ في السّنينَ فحاوَلَتْ
سَقْياً بها الأغمارُ مِنْ زُرّاعِها