مهرت الفتاة الأحمسية نثرة
مَهَرْتُ الفَتَاةَ الأحْمَسِيّةَ نَثْرَةً
على أنّ أَقْراني غِضابٌ أحامِسُ
بَقِيّةُ أبْدانٍ صَوافٍ كأنّما
نضَتْها السّواعي واكتَسَتْها الفوارِسُ
مَضَتْ غُبَراتُ العيْشِ وهْيَ غَوابِرٌ
على الدهرِ مَكْتوبٌ عليها حَبائِس
رأتْها العُيونُ الزُّرْقُ في كَيْدِ وائِلٍ
وعايَنَها في حَرْبِ ذُبْيان داحِس
أُجِيدَتْ بمِرّيخِيةِ النّارِ فاغْتَدَى
لها زُحَلِيٌّ في الغَرائِزِ قارِس
وَشَاها ابنُ آشى جاهداً في شَبابِه
إلى أنْ جَلَتْ عن مَفْرِقَيْهِ الحنادِس
تَرى المَرْءَ فيها يَحْمِلُ الماء جامداً
وإمّا عَلاها مِغفَرٌ فهْوَ قامس
إذا قارَبَتْها للرّماحِ ثَعالِبٌ
ضَغَتْ فتَنادى القوْم تلك الهَجارِس
رَبِيعُ حَديدٍ راعَ قَيْسٌ بمِثْلِهِ
رَبِيعاً إلى أنْ خانَ والخِلُّ جالِس
تَجيشُ لها نفْسُ المُهَنّدِ هَيْبَة
فكلُّ حُسامٍ رامَها الصّبْرَ قالِس
حَصَانٌ بَغِيٌّ ما ثَنَتْ يدَ لامِسٍ
ذَكَتْ وأحسّ القُرَّ فيها اللّوامِس
شّريعَةُ خُرْصانٍ وَبيلَةُ مَوْرِدٍ
أبَتْ شُرْبَها سُمْرُ الوَشيجِ الخَوامِس
وغَرّتْ عُيونَ الوَحْشِ فاقتَرَبَتْ لها
صَوَادٍ وباغي الوِرْدِ منهنّ لاحِس
تُقيمُ إذا لاقَتْ من الأرضِ حاجِزا
وتَجْري إذا ما رَقْرَقَتْها الأمالِس
أمَوْضُونَةٌ أمْ خِلْتَها بِنْتَ حُرّةٍ
من المُزْنِ ألْقَتْها الرُّعودُ الرّواجِس
وما كان من حَوْضِ الرّدى مُتقاعِساً
لو اجْتابَها يوْمَ الهِياجِ مُقاعس
وأنْعَمَ قيْسٌ فِكْرَهُ في قِياسِها
بما أعْجَزَ النّعمانَ حينَ يُقايِس
لها حَلَقٌ ضَيْقٌ لو أنّ وَضِينَهُ
فُؤادُكَ لم يَخْطُرْ بقَلْبِكَ هاجِس
لَمَاذِيّةٌ بَيْضَاءُ ما رامَ ذَوْقَها
ذُبابٌ سِوى ما أخْلَصَتْهُ المَداوِس
فعادَ وَقيذاً عن ضَريبَةِ صارِمٍ
نَأى ضَرَبٌ عنها جَنَتْهُ الجَوَارِس
كدُفْعَةِ مَوْجٍ من سَرابٍ تَدَفّعَتْ
به وتَرامَتْ خالِياتٌ بَسابِس
إذا احترَسَ الموْتُ المُسَلّطُ مُهْجَةً
فللنّفْسِ فيها بالمَقاديرِ حارِس
تَنَافَسَ فيها المُنْذِرانِ ولم يَكُنْ
لِيُعْتَبَ في أمْثالِها مَن يُنافس
حَبَتْها مُلوكُ الفُرْسِ نَصْراً وقوْمَه
ونالَتْ بها العَلياءُ لَخْمٌ وفارِس
فما أدْرَمَتْها في الوقائعِ دارِم
ولا استافَها في مَحبِسِ الخيلِ حابِس
نَأى عامِرٌ عنها وأصْحابُ مُذْهَبٍ
وما رَبُّ مَيّاسٍ بها الدّهْرَ مائِس
ولكنّها كانتْ لِقابوسَ عُدّةً
تَهُمّ بها تحتَ الظّلامِ القوابِس
وحِرْباؤها لم يُوفِ عُوداً وجُنْدُبٌ
أرَتْ عَينَهُ لم يَشْدُ واليوْمُ شامِس
ونَسّتْ إليها المُرْعِفاتِ قَضِيّةٌ
فأُبْنَ وما فيهِنّ إلاّ النّسائِس
إذا سِفْنَها أو سُفْنَها إضْنَ خُيَّباً
برَغْمٍ وقد يَرْدى الشُّجاعُ المُقامِس
إذا رادَ عَيْرُ السّيْفِ منها برَوْضَةٍ
تَلَقّاهُ مِن لَحْظِ العَرادَةِ فارس
كأنّ صَبيّ البيضِ إنْ شاء مَسَّها
صَبيُّ أُناسٍ عَضّهُ الفَقْرُ بائِس
شَكا الضُّرَّ منها غيرَ ذارِفِ دَمْعِهِ
وكيْفَ مَسيلُ الدّمعِ والشأنُ دارِس
كأنّ عَصا مُوسى لَياليَ حُوّلَتْ
له حَيّةٌ جادَتْ بما الذِّمْرُ لابِس
وإلاّ فأُخْرَى ساقَ في الشِّعْرِ وَصْفَها
زِيادٌ كَسَتْهُ مِعْوَزاً إذ يُمارِس
تَصونُ أَديماً لا تُجانِسُ أصْلَه
ويَشْقى بها من غيرِهِ ما تُجانِس
إذا ضَحِكَ القِرْضَابُ تِيهاً فإنّه
متى يَرَها بادِي النّدامةِ عابِس
تُعَذِّبُ أدْناهُ فَيَعْزُبُ دُونَها
وتُبْرِئُ داءَ الضّرْبِ والداءُ ناجِس
وتُؤمِنُ مَن فِيها يُكَفّرُ نَفْسَهُ
أقيلَ حَنيفٌ أمْ كَفورٌ مُؤالس
مُعَنِّسَةٌ إنْ جاءها الرّمْحُ خاطِباً
سقَتْهُ ذُعافَ الموتِ شَمطاءُ عانِس
سُلَيْمِيّةٌ مِن كلّ قُتْرٍ يَحوطُهَا
قَتيرٌ نَبَتْ عنه الغَواني الأوانس
تُخَيِّلُ أبْصارَ الدَّبَا فمُسَهَّدٌ
ومُغْفٍ وشيْءٌ بَيْنَ ذَيْنِكَ ناعس
كأنّ سِناناً رامَها خَطَّ قادِرٌ
عليه بَعيدٌ من أذى القِرْنِ يائس
أجِدَّكَ من حَدسِ الفتى قِيل حِندِس
فهل أنتَ ثاوٍ أو مُغِذٌّ فحادس
وما رَقَدَتْ عَنْسي ولكنْ سَما لَها
طُرُوقاً فأعْداها سَنًي مُتَناعِس
كلَمْحِ الشُّنوفِ العَسْجَدِيّاتِ أو كما
أشارَتْ بأخْفَى سُورِهِنّ العَرائس
جُرازُكَ نابٍ إنْ ضَرَبتَ به السُّرَى
ورَحْلُكَ ليلاً فوقَ نابٍ تُواعِس
قَرَتْكَ أواذِيُّ الفُراتِ صَبابَةً
وأبْلَسْتَ لمّا أعرَضَتْ لكَ بالِس
تنَكّرْتَ فاعْرِفْ للشّبيبةِ مَوْضِعاً
بكُلّ ضَميرٍ مِنْ هَواهُ وَساوِس
تَمَنّاهُ إِنْسِيٌّ وأعْيَسَ بازِلٌ
وأسْحَمُ طَيّارٌ وأعْفَرُ كانِس
أرى أُمَّ دَفْرٍ أُخْتَ هَجْرٍ ولا أرى
لها سالِياً ما غَيّبَتْهُ الرّوامِس
يَهيمُ بها الإنسانُ ثُمّ تُحِلّه
ذَرَى الأرْضِ وَصْفاها زَرُودٌ وراكِس
يُرَبَّبُ مِثلَ الغُصْنِ حتى إذا انتهى
أتى عاضِدٌ واستقبَلَ التُّرْبَ غارِس
ولا يُعْجِزُ الأيّامَ أخْضَعُ واحِدٌ
ولا أهْلُ عِزٍّ كُلّهُمْ مُتَشاوِس
لهمْ رابِعٌ في الجاهِلِيّةِ أوّلٌ
وَثانٍ وقد وافاهُمُ الدِّينُ خامِس